الباحث القرآني

وقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ عطْفاً على المُحَرَّمَاتِ، قيل: والتحصّن التمنّع، ومنه الحِصْن، وحصنت المرأة: امتنعت بوجه مِنْ وُجُوه الاِمتناعِ، وأَحْصَنَتْ نَفْسَهَا، وأَحْصَنَهَا غيْرُها، والإحْصَانُ تستعمله العَرَبُ في أربعةِ أشياءَ، وعلى ذلك تصرَّفَتِ اللفظة في كتاب اللَّهِ عزَّ وجلَّ: فتستعملُهُ في الزَّوَاجِ لأنَّ مِلْكَ الزَّوْجِ منعة وحفظ، وتستعمله في الحرِّيَّة لأنَّ الإماء كان عُرْفُهُنَّ في الجاهليَّة الزِّنَا، والحُرَّةُ بخلافِ ذلك ألا ترى إلى قول هند: «وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ» ، وتستعمله في الإسلام لأنه حافظٌ، وتستعمله في العِفَّة [[قال صاحب «لسان العرب» : العفة: الكف عما لا يحل ويجمل: عف عن المحارم والأطماع الدّنيّة يعف عفة، وعفّا، وعفافا، وعفافة، فهو عفيف. وعفّ أي: كف، وتعفف، واستعفف وأعفه الله، وفي التنزيل: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً [النور: 33] فسّره ثعلب فقال: ليضبط نفسه بمثل الصوم، وفي الحديث: «من يستعفف يعفّه الله» أي: من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها. وقيل: الاستعفاف: الصبر، والنزاهة عن الشيء ومنه الحديث: «اللهمّ إنّي أسألك العفّة والغنى إلخ ... » . وعرف علماء الأخلاق فضيلة العفة بتعاريف متعددة مختلفة أهمها ما يأتي: أولا: عرفها حجة الإسلام الغزالي فقال: هي تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشّرع. ثانيا: عرفها محيي الدين بن العربي: بأنها ضبط النّفس عن الشهوات وقسرها على الاكتفاء بما يقيم الجسد، ويحفظ صحته. والّذي ألاحظه على هذين التعريفين قصر العفة على شهوات البدن فقط، مع أنها تتناول ملاذ الروح أيضا.]] لأنها إذا ارتبط بها إنسانٌ، وظهرَتْ على شَخْصٍ مَّا، وتخلَّق بها، فهي مَنَعَةٌ وحفْظٌ. وحيثما وقعتِ اللفظة في القرآن، فلا تجدُها تخرُجُ عن هذه المعانِي، لكنَّها قد تقوى فيها بعضُ هذه المعانِي دُونَ بَعْض كما سيأتي بيانُهُ في مكانه (إن شاء اللَّه) . فقوله سبحانه في هذه الآية: وَالْمُحْصَناتُ قال فيه ابنُ عَبَّاس وغيره: هنَّ ذواتُ الأزواجِ، محرَّماتٌ إلاَّ ما ملكَتِ اليمينُ بِالسَّبْيِ [[أخرجه الطبري (4/ 3) برقم (8962) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 34- 35) ، والسيوطي (2/ 246- 247) بنحوه.]] ، ورُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ أنه سُئِلَ عن هذه الآية: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، فقال: نرى أنه حَرَّم في هذه الآية ذَوَاتِ الأزواجِ، والعَفَائِفَ مِنْ حَرَائِرَ ومملوكاتٍ، ولم يحلَّ شيءٌ من ذلك إلاَّ بنكاحٍ، أو شراءٍ، أو تملُّك [[أخرجه الطبري (4/ 8) برقم (9012) ، وذكره ابن عطية (2/ 35) ، والسيوطي (2/ 248) بنحوه، وعزاه لابن جرير عن ابن شهاب.]] ، وهذا قولٌ حَسَنٌ عَمَّم لفظَ الإحصانِ، ولَفْظَ ملكِ اليمين، وذلك راجعٌ إلى أنَّ اللَّه حَرَّم الزنا، قال عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وغيره: قوله سبحانه: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: إشارةٌ إلى ما ثبت من القرآن من قوله سبحانه: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [[أخرجه الطبري (4/ 11) برقم (9018) ، (9019) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 36) ، وابن كثير-[.....]- (1/ 474) بنحوه، والسيوطي (2/ 249) بنحوه، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] [النساء: 3] وفي هذا بعد، والأظْهَرُ أنَّ قوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجِزِ بَيْنَ الناسِ، وبَيْنَ ما كانَتِ الجاهليةُ تفعله. قال الفَخْر [[ينظر: «تفسير الرازي» (10/ 35) .]] : وكِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: مصْدَرٌ من غير لفظ الفَعْلِ، قال الزَّجَّاج: ويجوزُ أَنْ يكونَ مَنْصُوباً على جهة الأَمْرِ، ويكون عَلَيْكُمْ خبراً له، فيكون المعنَى: الزموا كتابَ اللَّهِ. انتهى. وفي «التمهيد» لأبي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: أي: حكمه فيكُمْ وقضاؤُه عليكم. انتهى. وقوله سبحانه: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَراءَ ذلِكُمْ، قال عطاء وغيره: المعنى: وأُحِلَّ لكم ما وراء مَنْ حُرِّم [[أخرجه الطبري (4/ 12) برقم (9024) ، وذكره ابن عطية (2/ 36) ، وابن كثير (1/ 474) ، والسيوطي (2/ 249) ، وعزاه لابن جرير عن عطاء.]] ، قلْتُ: أي: على ما علم تفصيله من الشريعة. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 36) .]] : وأَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ: لفظ يجمع/ التزوّج والشراء، ومُحْصِنِينَ: معناه: متعفِّفين، أي: تُحْصِنُونَ أنفسكم بذلك، غَيْرَ مُسافِحِينَ، أي: غَيْرَ زُنَاةٍ، والسِّفَاحُ: الزنا. وقوله سبحانه: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، قال ابن عَبَّاس وغيره: المعنى: فإذا استمتعتم بالزوْجَة، ووَقَعَ الوطْء، ولو مرَّةً، فقد وجَب إعطاء الأجْرِ، وهو المهر [[أخرجه الطبري (4/ 13) برقم (9029) ، وذكره ابن عطية (2/ 36) ، والسيوطي (2/ 250) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس.]] كلُّه، وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً وغيره: إن الآية نزلَتْ في نكاح [[أصل المتعة في اللغة: الانتفاع، يقال: تمتعت بكذا، واستمتعت بمعنى، والاسم المتعة. قال الجوهري: ومنه: متعة النكاح، ومتعة الطلاق، ومتعة الحج لأنه انتفاع، والمراد بالمتعة هنا أن يتزوج الرجل المرأة مدة من الزمن، سواء أكانت المدة معلومة مثل أن يقول: زوجتك ابنتي مثلا شهرا. أو مجهولة، مثل أن يقول: زوجتك ابنتي إلى قدوم زيد الغائب، فإذا انقضت المدة، فقد بطل حكم النكاح، وإنما سمى النكاح لأجل بذلك لانتفاعها بما يعطيها، وانتفاعه بقضاء شهوته، فكان الغرض منها مجرد التمتع دون التوالد وغيره من أغراض النكاح. -- وقد كانت المتعة منتشرة عند العرب في الجاهلية، فكان الرجل يتزوج المرأة مدة ثم يتركها من غير أن يرى العرب في ذلك غضاضة، فلما جاء الإسلام أقرهم على ذلك في أول الأمر، ولم نعلم أن النبيّ ﷺ نهى عن المتعة إلا في غزوة خيبر في السنة السابعة من الهجرة فقد روي عن علي (رضي الله عنه) أن رسول الله ﷺ: «نهى عن متعة النّساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسيّة» واستمر الأمر على ذلك، حتى فتح «مكة» حيث ثبت أن النبيّ ﷺ أباحها ثلاثة أيام، وفي بعض الروايات أنه أباحها يوم «أوطاس» ، ولكن الحقيقة أن ذلك كان في يوم الفتح، ومن قال: يوم «أوطاس» ، فذلك لاتصالها بها، ثم حرمها رسول الله ﷺ بعد ذلك إلى يوم القيامة. فيعلم من هذا أن المتعة كانت مباحة قبل خيبر، ثم حرمت في خيبر، ثم أبيحت يوم الفتح، ثم حرمت بعد ذلك إلى يوم القيامة، فتكون المتعة مما تناولها التحريم والإباحة مرتين.. وقد نشأ من هذا الاختلاف في المتعة بين الصحابة، فمنهم من يرى أن إباحة المتعة قبل خيبر كانت للضرورة وللحاجة، ثم لما ارتفعت الحاجة في خيبر نهى عنها رسول الله ﷺ، ثم لما تجددت الحاجة عام الفتح أذن فيها، ولما ارتفعت الحاجة نهى عنها، وعليه فتكون المتعة مباحة عند الحاجة، وبهذا كان يقول ابن عباس (رضي الله عنهما) إلا أنه رجع عنه كما سيأتي بيانه. ومنهم من يرى أن نهي النبيّ ﷺ عن المتعة يوم خيبر كان نسخا لها، ثم رفع النسخ في يوم الفتح ثلاثة أيام، ثم نسخت بعد ذلك إلى يوم القيامة، وإلى هذا ذهب جمهور الصحابة. وقد اختلف الفقهاء بعد ذلك في المتعة هل هي محرمة، فتكون من الأنكحة الفاسدة، أو مباحة، فتكون من الأنكحة الصحيحة. فذهب الجمهور إلى القول بتحريمها، وأنها من الأنكحة الفاسدة التي تفسخ مطلقا قبل الدخول وبعده، وهو مذهب الأئمة الأربعة. وذهب الإمامية من الشيعة إلى القول بإباحة نكاح المتعة إلى يوم القيامة، بل منهم من تغالى في ذلك وقال: إنها قربة، وعليه فالخلاف في المتعة بين الجمهور والإمامية. ولما لم أجد كتابا من كتب الإمامية أثق به لأستطيع استيفاء الكلام على مذهبهم في المتعة رأيت أن أكتفي بما قاله شرف الدين الصنعاني، وهو من علماء الشيعة فإنه بعد أن ذكر الحديث عن علي قال ما نصه: «والحديث يدل على تحريم نكاح المتعة للنهي عنه، وهو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يوما، ويرتفع النكاح بانقضاء الوقت المذكور في المنقطعة الحيض، والحائض بحيضتين، والمتوفى عنها بأربعة أشهر وعشر، ولا يثبت لها مهر ولا نفقة، ولا توارث، ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه» . هكذا ذكره في بعض كتب الإمامية وإنا أذكر دليل الإمامية والرد عليه: استدل الإمامية على القول بإباحة المتعة بالكتاب، والأثر، والمعقول، والإجماع. أما الكتاب، فقول الله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء: 24] فإنهم حملوا الاستمتاع في الآية على المتعة، وقالوا: المراد بقوله تعالى: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أجر المتعة، ومما يؤيد أن الآية في المتعة قراءة أبي وابن عباس: «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل» ، فهي صريحة في المتعة. وأما الأثر: فأولا: بما روي أن ابن عباس كان يفتي بالمتعة، ووجه الدلالة من هذا أنهم قالوا: لو لم تكن-- المتعة مباحة لما أفتى بها ابن عباس إذ لا يليق بمثله أن يفتي بها مع أنها محرمة. وثانيا: بما روي عن جابر (رضي الله عنه) قال: تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم نهانا عمر. ووجه الدلالة من هذا: أن جابرا (رضي الله عنه) أخبر أنهم استمتعوا في زمن النبيّ ﷺ وفي خلافة أبي بكر، وفي صدر من خلافة عمر، وهذا يدل على أن المتعة مباحة، وإنما نهى عنها عمر من باب السياسة الشرعية. وأما المعقول: فقد قالوا: إنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا نعلم فيها ضررا عاجلا، ولا آجلا، وكل ما هذا شأنه فهو مباح، فالمتعة مباحة. وأما الإجماع: فإنهم قالوا: أجمع أهل البيت على إباحتها. وتناقش هذه الأدلة التي تمسك بها الإمامية بما يأتي: أما الآية، فيقال لهم فيها: إنها بمعزل عن الدلالة لكم إذ هي محمولة على النكاح الدائم، وما يجب للمرأة من المهر كاملا إذ استمتع بها الزوج، ويؤيد هذا أنها وردت في سياق الكلام على النكاح بالعقد المعروف بعد الكلام على أجناس يحرم التزوج بها. وتسمية المهر أجرا لا يدل على أنه أجر المتعة، فقد سمي المهر أجرا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ [الأحزاب: 50] أي: مهورهن، وكقوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي: مهورهن، وأما قراءة أبيّ وابن عباس، فهي شاذة، والقراءة الشاذة لا تعارض القطعي، وهي الآية الدالة على التحريم، وهي قوله تعالى: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ مع أن الدليلين إن تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة منهما، ويقال لهم فيما روي عن ابن عباس أنه ثبت رجوعه عنه، وقد كان يفتي بها أولا لأنه فهم من نهي النبيّ ﷺ عنها يوم خيبر، ثم إباحتها يوم الفتح، ثم نهيه عنها بعد ذلك- أن الإباحة كانت للضرورة، والنهي عند ارتفاعها يؤيد ذلك ما روي عن شعبة عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء، فرخص فيها، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة، فقال ابن عباس: نعم فإنه يعلم من هذا أن ابن عباس كان يتأول في إباحة نكاح المتعة لمضطر إليه، ثم توقف بعد ذلك لما ثبت له النسخ. ومما يؤيد رجوع ابن عباس ما أخرجه الترمذي، أن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [المؤمنون: 6] و [المعارج: 30] فقال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام. وقد روى رجوعه أيضا البيهقي وأبو عوانة في صحيحه، وروي عنه أنه قال عند موته: «اللهمّ إنّي أتوب إليك من قولي في المتعة والصرف، وعليه فلا يصح الاحتجاج بفتوى ابن عباس، وقد رجع عنها» . ويقال لهم في أثر جابر: إن قوله: «تمتعنا إلخ ... » يحمل على أن من تمتع لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر، أو يكون جابر (رضي الله عنه) قال ذلك لفعلهم في زمن رسول الله ﷺ، ثم لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر، فاعتقد أن الناس باقون على ذلك لعدم الناقل عنده، والقول بأن عمر هو الذي نهى عنها، وأن ذلك من قبيل السياسة الشرعية غير مسلم فإن عمر إنما قصد الإخبار عن تحريم النبيّ ﷺ ونهيه عنها، إذ لا يجوز أن ينهى عما كان النبيّ ﷺ أباحه وبقي على إباحته. ومما يؤيد أن نهيه-]] ... - عنها ليس من قبيل السياسة الشرعية، بل إنه نهى عنها لما علم نهي النبيّ ﷺ ما روي من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر قال: صعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ عنها، لا أوتى بأحد نكحها إلّا رجمته» . ويقال لهم في المعقول: لا نسلم أنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا ضرر فيها في الآجل ولا في العاجل، بل الضرر متحقق فيها فإن فيها امتهان المرأة، وضياع الأنساب فإنه مما لا شك فيه أن المرأة التي تنصب نفسها ليستمتع بها كل من يريد تصبح محتقرة في أعين الناس، وأيضا فهو معقول في مقابلة النص، وهو باطل. ويقال لهم في الإجماع: أولا: إن إجماع أهل البيت (على فرض إجماعهم) ليس بحجة، فما بالك والإجماع لم يصح عنهم؟! فهذا زيد بن علي، وهو من أعلمهم يوافق الجمهور، ثم إن الإمام عليا (رضي الله عنه) وهو رأس الأئمة عندهم يقول بتحريمها، فقد روي من طريق جويرية عن مالك بن أنس عن الزهري أن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، والحسن بن محمد حدثاه عن أبيهما أنه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس: إنك رجل تائه- أي: مائل- إن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة. وأما الجمهور، فقد استدلوا على تحريم نكاح المتعة بالكتاب، والسنة، والمعقول، والإجماع: أما الكتاب: فقول الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون: 5- 6] و [المعارج: 29- 30] ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أنها أفادت أن الوطء لا يحله إلا في الزوجة والمملوكة وامرأة المتعة لا شك أنها ليست مملوكة ولا زوجة. أما أنها ليست مملوكة، فواضح. وأما أنها ليست زوجة، فلأنها لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما لقوله (تعالى) : وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ [النساء: 12] الآية. وبالاتفاق لا توارث بينهما. وثانيا: لثبت النسب، بقوله ﷺ: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» وبالاتفاق لا يثبت النسب. وثالثا: لوجبت العدة عليها لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ [البقرة: 234 و 240] الآية. وأما السنة: فأولا: ما روى مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) عن أبيهما عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ «نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية» ووجه الدلالة من الحديث: أن النبيّ ﷺ نهى عن المتعة، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فيكون نكاح المتعة فاسدا. والحديث يدل على نسخ ما تقدم من إباحتها. ثانيا: ما روي عن سبرة الجهني أنه غزا مع النبيّ ﷺ فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمسة عشر، فأذن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء، وذكر الحديث إلى أن قال: فلم أخرج منها حتى حرمها رسول الله ﷺ. وفي رواية أنه كان مع النبيّ ﷺ فقال: «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخلي سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» رواه أحمد ومسلم ووجه الدلالة من الحديث أنه يدل برواياته على تحريم نكاح المتعة، وقد جاء في الرواية الثانية التصريح بتحريمها إلى يوم القيامة، فيكون ذلك نسخا لإباحتها، وإذا ثبت ذلك فهي من الأنكحة الفاسدة. وأما المعقول: فقد قالوا: إن النكاح لم يشرع لقضاء الشهوة، بل شرع لأغراض ومقاصد يتوسل به إليها. واقتضاء الشهوة بالمتعة لا يقع وسيلة إلى المقاصد التي من أجلها شرع النكاح، فلا يكون مشروعا. - - وأما الإجماع: فقد قالوا: إن الأمة امتنعت عن العمل بالمتعة مع ظهور الحاجة إلى ذلك، وما ذلك إلا لعلمهم بنسخها. وقد نوقشت أدلة الجمهور بما يأتي: أما حديث علي، فقد قيل لهم فيه: إنه وقع فيه كلام، حتى زعم ابن عبد البر أن ذكر النهي بيوم خيبر غلط. وقال السهيلي: ويتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أهل السير ورواة الآثار. والذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهري. وقد أشار ابن القيم إلى تقرير هذا التقديم والتأخير فقال: وأما نكاح المتعة، فثبت عنه أنه أحلها عام الفتح، وثبت عنه أنه نهى عنها عام الفتح، واختلف هل نهى عنها يوم خيبر على قولين، والصحيح أن النهي إنما كان عام الفتح، وأن النهي يوم خيبر إنما كان عن الحمر الأهلية وإنما قال علي لابن عباس: إن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن متعة النساء، ونهى عن الحمر الأهلية محتجا عليه في المسألتين، فظن بعض الرواة أن التقييد بيوم خيبر راجع إلى الفعلين، فرواه بالمعنى، ثم أفرد بعضهم أحد الفعلين، وقيده بيوم خيبر. وترد هذه المناقشة بأن أصحاب الزهري قد اتفقوا على أن نهي النبيّ ﷺ عن المتعة يوم خيبر، وهم حفاظ ثقات، وزيادة الحافظ الثقة تقبل. ولهذا قال عياض تحريمها يوم خيبر صحيح لا شك فيه، والقول بأنه وقع في لفظ الزهري تقديم وتأخير يخالفه ظاهر الحديث فإن ظاهره أن عام خيبر ظرف لتحريم نكاح المتعة. ومما يؤيد هذا الظاهر حديث ابن عمر الذي أخرجه البيهقي بإسناد قوي أن رجلا سأل عبد الله بن عمر عن المتعة، فقال: حرام، قال: فإن فلانا يقول فيها، فقال: والله لقد علم أن رسول الله ﷺ حرمها يوم خيبر، وما كنا مسافحين. والذي يظهر أن القائلين بأن النهي يوم خيبر إنما كان عن لحوم الحمر الأهلية يحاولون بذلك استبعاد أن تكون المتعة قد نسخت مرتين لأنه ثبت النهي عنها يوم الفتح، ومعلوم أن يوم الفتح بعد خيبر، إذ أن خيبر في السنة السابعة من الهجرة، وغزوة الفتح في السنة الثامنة فيلزم من ذلك نسخها مرتين. ونحن نرى أن لا داعي لهذه المحاولة ما دام الحديث ظاهرا في أن يوم خيبر ظرف لتحريم نكاح المتعة، ولا مانع من نسخها مرتين، ولها نظير في الشريعة الإسلامية، وهو مسألة القبلة فقد نسخت مرتين، وذلك أن النبيّ ﷺ كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفا لليهود، وامتحانا للمسلمين الذين اتبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة ثانيا. وقيل لهم في حديث سبرة الجهني: أن القول بأن النبيّ ﷺ حرمها إلى يوم القيامة معارض بما روي عنه أن النبيّ ﷺ نهى عن المتعة في حجة الوداع كما عند أبي داود. وترد هذه المناقشة بأن هذا اختلف فيه عن سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح لأنهم في فتح مكة شكوا للنبي ﷺ العزوبة، فرخص لهم فيها مدة ثم نسخها، وعلى تسليم صحة النهي عنها في حجة الوداع، فنقول: إن النبيّ ﷺ أعاد النهي في حجة الوداع ليسمعه من لم يكن سمعه قبل، فأكد ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد يدعي تحليلها. ويقال لهم في الإجماع: إنه غير مسلم فقد ثبت الجواز عن ابن عباس كما ثبت عن جماعة من التابعين. - - ويجاب عن هذا بأن ابن عباس صح عنه أنه رجع عن القول بحل المتعة، كما قدمنا فانعقد الإجماع على تحريمها. وأما خلاف بعض التابعين فإنه إن صح عنهم لم يضر بعد تقرر التحريم قبل حدوثهم. يتبين لنا من بيان الأدلة ومناقشاتها رجحان مذهب الجمهور من أن المتعة حرام، وهي من الأنكحة الفاسدة لقوة أدلتهم، وأنه لا عبرة بمخالفة الإمامية لما تبين من بطلان ما تمسكوا به من الأدلة. هذا وقد نسب بعض العلماء القول بصحة نكاح المتعة إلى إمام دار الهجرة (رضي الله عنه) قال صاحب «الهداية» من الحنفية: «ونكاح المتعة باطل، وهو أن يقول لامرأة: أتمتع بك كذا مدة بكذا من المال» وقال مالك (رحمه الله) : «هو جائز» . وهذه النسبة باطلة فإن الإمام مالكا (رضي الله عنه) لم يقل بإباحة نكاح المتعة، ولا قال به أحد المالكية فإنهم جميعا اتفقوا على تحريم نكاح المتعة. ولأجل مخالفة هذه النسبة لمذهب المالكية نجد بعض علماء الحنفية أنكرها على صاحب «الهداية» . قال ابن نجيم في «البحر الرائق» : وما في «الهداية» من نسبته إلى مالك، فغلط كما ذكره الشارحون. والموجود في كتب المالكية إنما هو فيمن نكح نكاحا مطلقا، ونيته ألا يمكث معها إلا مدة نواها، فقالوا: إن ذلك جائز، وليس هو بنكاح متعة ولو علمت المرأة بنيته. وهذا لم ينفرد به المالكية بل قال به الجمهور، إلا ما روي عن الأوزاعي فقد قال: هذا نكاح متعة، ولا خير فيه. وقد قال الإمام مالك: ليس هذا من الجميل، ولا من أخلاق الناس. فإن قيل: ما الفرق بين هذا النكاح الذي نوى فيه الرجل الإقامة معها مدة نواها، وبين نكاح المتعة الذي قالت به الإمامية وقلتم ببطلانه؟؟ نقول: الفرق بينهما واضح، وهو أن نكاح المتعة الذي قلنا ببطلانه، والذي قالت به الإمامية دخلا فيه على تحديده بمدة معينة أو غير معينة. وأيضا فهو نكاح لا تترتب عليه أحكام النكاح من التوارث ولحوق النسب ووجوب العدة بخلاف هذا، فإنه وإن نوى الإقامة معها مدة إلا أنهما لم يدخلا على ذلك، وهو نكاح تترتب عليه آثاره، ففرق بينهما، غاية الأمر أنه نوى الإقامة معها مدة نواها، وهذا لا يضر لأن الرجل بيده الطلاق، فله أن يطلق في أي وقت شاء. ينظر: «الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير» (4/ 22) ، و «زاد المعاد» (4/ 8) ، و «الهداية» (2/ 384) . المُتْعة [[أخرجه الطبري (4/ 14) برقم (9037) بنحوه، وذكره البغوي (1/ 414) ، وابن عطية (2/ 36) ، والسيوطي (2/ 250) بنحوه، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.]] ، قال ابنُ المُسَيَّب: ثم نُسِختْ [[ذكره ابن عطية (2/ 36) ، والسيوطي (2/ 251) بنحوه، وعزاه لأبي داود في «ناسخه» ، وابن المنذر، والنحاس، والبيهقي.]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 37) .]] : وقد كانَتِ المتعةُ في صَدْرِ الإسلامِ، ثم نهى عنها النبيّ ﷺ. وقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ، أي: مِنْ حَطٍّ أو تأخيرٍ بعد استقرار الفَريضَةِ، ومَنْ قال بأنَّ الآية المتقدِّمة في المُتْعَة، قال: الإشارةُ بهذه إلى أنَّ ما تراضَيَا علَيْه من زيادةٍ في مُدَّة المتعة، وزيادة في الأجر جائز. وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الطَّوْل هنا: السَّعَة في المالِ [[أخرجه الطبري (4/ 17) برقم (9052) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 37) ، والسيوطي (2/ 253) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] وقاله مالِكٌ في «المُدَوَّنة» ، فعلى هذا التأويلِ لا يصحُّ للحُرِّ أنْ يتزوَّج الأَمَةَ إلاَّ باجتماع شرطَيْنِ: عَدَمِ السَّعَةِ في المالِ، وخَوْفِ العَنَتِ، وهذا هو نصُّ مالك في «المدوَّنة» . قال مالك في «المُدَوَّنة» : «ولَيْسَتِ الحُرَّة تحته بِطَوْل، إنْ خَشِيَ العَنَتَ» ، وقال في «كتاب محمَّد» ما يقتضِي أنَّ الحُرَّة بمثابة الطَّوْل. قال الشيخُ أبو الحَسَن اللَّخْمِيُّ: وهو ظاهرُ القرآن، ونحوه عنِ ابْنِ حَبيبٍ [[ذكره ابن عطية (2/ 37) .]] . وقال أبو حنيفة: وجودُ الحُرَّة تحته لا يَجُوزُ معه نكاحُ الأَمَةِ وقاله [[ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 18) .]] الطَّبَرِيُّ، وتقولُ: طَالَ الرَّجُلُ طَوْلاً (بفتح الطاء) إذا تفضَّل، ووَجَدَ، واتسع، وطُولاً (بضمها) : في ضِدِّ القصر، والْمُحْصَناتُ في هذا الموضع: الحرائرُ- والفتاةُ، وإن كَانَتْ في اللغة واقعةً على الشَّابَّة، أَيَّةً كانَتْ، فعرفها في الإماء، وفتى كذلك، والْمُؤْمِناتِ في هذا الموضع: صفةٌ مشترطةٌ عند مالك، وجمهور أصحابه، فلا يجوزُ نكاحُ أمةٍ كافرةٍ [[اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب إلى جوازه مع كونه خلاف الأولى الحنفية وأحمد في رواية، وهو المنقول في «العتبية» و «الواضحة» من سماع ابن القاسم عن مالك. وذهب الشافعية والحنابلة في ظاهر مذهبهم، والمالكية في المشهور عندهم إلى القول بعدم جواز التزوج مطلقا. استدل المانعون بالكتاب: أولا: قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة: 221] وجه الدلالة: أن الآية دلت على تحريم المشركات. والكتابية مشركة، فيحرم نكاحها حرة كانت أو أمة لاندراجها تحت العموم، لا أن الله (تعالى) خص الحرائر بالحل بقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [المائدة: 5] إذ المراد بالمحصنات الحرائر، فبقيت الإماء على أصل المنع وعدم الحل كالوثنيات والمجوسيات. ونوقش بأن المستدل منع فيما تقدم أن تكون الكتابية مشركة، ونفى إرادة الكتابية من لفظ «المشركات» في قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ، وكيف يصح هذا وقد خصهن العرف باسم آخر ولم يطلق عليهم اسم الشرك؟! يؤيده خصوصية كل منهما باللفظ، والعطف في أسلوب القرآن، فإن الأخير يقتضي المغايرة. ولو سلمنا اندراجهن تحت عموم المشركات وإرادتهن من اللفظ، فقد خرجن بالاتفاق على تخصيص هذا العموم بحل الحرائر من الكتابيات بآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، فلم تبق الآية على-- عمومها فلا يحتج بها. ثم ما تقدم على القول بتفسير المحصنات بالحرائر. أما إن فسرت بالعفائف (كما جرى عليه الحنفية استنادا إلى أن الإحصان في كلام العرب عبارة عن المنع، وهو يحصل بالحرية والإسلام) . فاسم العفائف متناول للحرائر والإماء، فيكنّ في الحكم سواء. وحيث وقع الاتفاق على حل الحرائر، فالإماء كذلك لعدم الفصل في الدليل المبيح. وثانيا من الكتاب: قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ [النساء: 25] دلت الآية على أن حل المتزوج بالإماء مشروط بشرطين هما إيمانهن وعدم قدرة المتزوج بهن على طول الحرة، فإذا انتفى الإيمان منهن (وهو أحد الشرطين) بأن كن كتابيات انتفى الحكم، وهو الحل، فيحرم نكاحهن بناء على أن الحكم متى علق بشرط أو أضيف إلى مسمى بوصف خاص، أوجب نفي الحكم عند عدم الشرط أو الوصف، فكان انتفاء الشرطين أو أحدهما وهو الإيمان مفيدا لتحريم الإماء. ونوقش بأن هذه الآية غاية ما تفيد وجود الحكم عند وجود الشرط، أما نفي الحكم عند نفي الشرط، فلم تتعرض له الآية، فلا دلالة فيها على التحريم إذ اللفظ لا يدل على خلاف الموضوع له. وغاية درجات الوصف إذا كان مؤثرا أن يكون علة، ولا تأثير للعلة في نفي الحكمة لأن عدم العلة لا يصلح أن يكون علة لعدم الحكم لكون العدمي لا يكون علة لحكم عدمي ولا وجودي، وعلى ذلك فالآية أفادت حل الإماء المؤمنات عند الشرط لا تحريم الكتابيات. ولو سلمنا للمستدل حجية المفهوم، فمقتضى مفهوم الآية عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الكراهة أو الحرمة لأنه لا دلالة للأعم على أخص بخصوصه. وعليه يجوز ثبوت الكراهة أو الحرمة على السواء لا ثبوت الحرمة بعينها، لكن لما كانت الكراهة أقل تعينت، وإليها مالت الحنفية. وصرح بذلك صاحب «البدائع» منهم. فإن قال قائل: إن الوصف بالإيمان يدل على الحرمة عند عدمه، فتحرم الأمة الكتابية لعدم تحقق وصف الإيمان فيها. ولهذا نظير معتبر متفق عليه وارد في القرآن الكريم هو قوله تعالى في كفارة القتل: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: 92] فقد وقع الاتفاق على عدم إجراء الرقبة الكافرة في هذه الكفارة لكونها مقيدة بالإيمان، فكأنهم اعتبروا الوصف الوارد في الآية. أجيب بأن تحرير الرقبة في كفارة القتل لم يشرع إلا مقيدة بالإيمان، بخلاف النكاح فقد شرح مطلقا ومقيدا. واستدل المانعون بالمعقول من وجهين: الوجه الأول: أن نكاح الإماء في الأصل ثبت ضرورة وما ثبت بالضرورة يقتصر على قدرها الوارد به النص. وقد ورد النص بحل الحرائر والإماء المؤمنات لكون الضرورة مرتفعة بهما، فلا تحل الإماء الكتابيات لعدم ورود النص بذلك. أما أن نكاح الإماء ثابت ضرورة، فلما فيه من تعريض الولد للرق الذي هو موت حكما، فكان كالإهلاك حسّا إذ به يخرج الشخص عن أن يكون منتفعا به في حق نفسه ملحقا بالعجماوات في البيع والشراء، وهلاك الجزء من غير ضرورة لا يجوز. والوجه الثاني: هو أن التزوج بالإماء الكتابيات يؤدي إلى تعريض ولد الحر المسلم لرق الكافر لأن الولد ينشأ رقيقا برق أمه، فإذا كانت الأم مملوكة لكافر وتزوجها حر مسلم نشأ الولد رقيقا برق أمه، -]] عندهم قُلْتُ: والعلَّة في مَنْعِ نكاحِ الأَمَةِ ما يئول إليه الحال من استرقاق الولد. وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، ومعناه: واللَّهُ أعلمُ ببَوَاطِنِ الأمور، ولكم ظواهرُها، فإذا كانَتِ الفتاةُ ظاهِرُها الإيمانُ، فنكاحها صحيح، وفي اللفظ أيضاً: تنبيهٌ على أنهُ ربَّما كان إيمانُ أَمَةٍ أَفْضَلَ مِنْ إيمانِ بعضِ الحرائرِ، فلا تَعْجَبُوا بمعْنَى الحُرِّيَّة، والمَقْصِدُ بهذا الكلامِ أنَّ الناس سواءٌ، بَنُو الحرائرِ، وبَنُو الإمَاءِ، أكرمهم عنْدَ اللَّهِ أتقاهُمْ، وفي هذا توطئَةٌ لنفوسِ العَرَبِ التي كانَتْ تَسْتَهْجِنُ ولَدَ الأَمَةِ. وقوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، معناه: بولايةِ أربابِهِنَّ المالكين، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، أي: مُهُورَهُنَّ، بِالْمَعْرُوفِ: معناه: بالشَّرْع والسُّنَّة، ومُحْصَناتٍ: الظاهرُ أنه بمعنى عفيفاتٍ. قال ص: مُحْصَنَاتٍ: منصوبٌ على الحَالِ، والظَّاهِرُ أنَّ العَامِلَ وآتُوهُنَّ، ويجوزُ أَنْ يَكُونَ العامِلُ: فانكحوهن مُحْصَنَاتٍ، أي: عفائفَ. انتهى. والمسافِحَاتُ: الزوانِي المتبذِّلاتُ اللَّوَاتِي هُنَّ سُوقٌ للزِّنا، ومتَّخِذَاتُ الأخدانِ هنَّ المُسْتَتِرَاتُ اللواتِي يصحبن واحداً واحداً، ويَزْنينَ خفيةً، وهذان كانا نَوْعَيْن في زنا الجاهليَّة قاله ابنُ عبَّاس وغيره [[أخرجه الطبري (4/ 22) برقم (9076) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 39) ، والسيوطي (2/ 254) ، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.]] . وقوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ ... الآية، أي: تزوَّجْن، قال الزُّهْرِيُّ وغيره: فالمتزوِّجة محدودةٌ بالقرآن، والمُسْلِمَةُ غير المتزوِّجة محدودةٌ بالحديث، وفي مسلمٍ والبخاريُّ، «أنه قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الأَمَةُ إذَا زَنَتْ، ولَمْ تُحْصَنْ» ، فأوْجَبَ/ علَيْها الحدَّ» والفاحشة [[أخرجه البخاري (4/ 369) كتاب «البيوع» ، باب بيع العبد الزاني، حديث (2153) ، ومسلم (3/ 1329) كتاب «الحدود» ، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث (33/ 1704) ، ومالك (2/ 826) كتاب «الحدود» ، باب جامع ما جاء في الزنا، حديث (14) ، وأبو داود (2/ 556) كتاب «الحدود» ، باب في الأمة تزني ولم تحصن، حديث (4469) ، وابن ماجة (2/ 857) كتاب «الحدود» ، باب إقامة الحدود على الإماء، حديث (2565) ، والدارمي (2/ 181) كتاب «الحدود» ، باب في المماليك يقيم عليهم سادتهم الحدود دون السلطان، وأحمد (4/ 116، 117) ، والشافعي في «الأم» (6/ 135) ، وأبو داود الطيالسي (1/ 300- منحة) رقم (1528) ، والحميدي (2/ 355) رقم (812) ، وعبد الرزاق (7/ 393) رقم (13598) ، وابن أبي شيبة (9/ 513) ، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (821) ، وابن حبان (4427- الإحسان) ، والطبراني في «الكبير» (5/ 238) رقم (5201، 5202، 5203، 5204، 5205، 5206، 5207) ، والدارقطني (3/ 162) كتاب «الحدود والديات» ، حديث (236) ، والبيهقي (8/ 242) كتاب «الحدود» ، باب ما جاء في حد المماليك، كلهم من طريق عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير» قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة. والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي (1/ 300- منحة) رقم (1527) من طريق زمعة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن زيد بن خالد الجهني- وحده- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، فإن عادت فليجلدها، فإن عادت فليجلدها، فإن عادت فليبعها ولو بضفير من شعر» . وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة وحده، وسيأتي تخريجه مع ماله من الشواهد: أخرجه البخاري (4/ 432) كتاب «البيوع» ، باب بيع العبد الزاني، حديث (2152) ، ومسلم (3/ 1328) كتاب «الحدود» ، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث (30/ 1703) ، وأحمد (2/ 494) ، وأبو داود (2/ 566) كتاب «الحدود» ، باب في الأمة تزني ولم تحصن، حديث (4470) ، والحميدي (2/ 463) رقم (1082) ، والشافعي (2/ 79) كتاب «الحدود» ، باب الزنا، حديث (256) ، وعبد الرزاق (7/ 392) رقم (13597، 13599) ، وأبو يعلى (11/ 419) رقم (6541) ، والدارقطني (3/ 160- 161) كتاب «الحدود والديات» ، حديث (236) ، والبيهقي (8/ 242) كتاب «الحدود» ، باب ما جاء في حد المماليك، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 471- بتحقيقنا) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري- قال بعضهم: عن أبيه- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا زنت الأمة فتبين زناها، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة، فليبعها ولو بحبل من شعر» . قلت: وقع في هذا الإسناد اختلاف فقد رواه الليث عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وقد وافقه على ذلك محمد بن إسحاق. ورواه بعضهم عن سعيد عن أبي هريرة دون ذكر أبيه، كإسماعيل وعبيد الله بن عمر وأيوب بن موسى ومحمد بن عجلان وعبد الرّحمن بن إسحاق، ووقع-- في رواية عبد الرّحمن تصريح سعيد بسماعه عن أبي هريرة فقال: سمعت أبا هريرة قال الحافظ في «الفتح» (12/ 172) : ووافق الليث على زيادة قوله: «عن أبيه» محمد بن إسحاق، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، ووافق إسماعيل [ابن أمية] على حذفه عبيد الله بن عمر العمري عندهم، وأيوب بن موسى عند مسلم والنسائي، ومحمد بن عجلان وعبد الرّحمن بن إسحاق عند النسائي، ووقع في رواية عبد الرّحمن المذكور عن سعيد سمعت أبا هريرة ... اهـ. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة: أخرجه الترمذي (4/ 37) كتاب «الحدود» ، باب ما جاء في إقامة الحد على الإماء، حديث (1440) ، والنسائي في «الكبرى» (4/ 299) كتاب «الرجم» ، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت كلاهما من طريق أبي خالد الأحمر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثلاثا بكتاب الله، فإن عادت فليبعها ولو بحبل من شعر» . قال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. اهـ. وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي خالد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي صالح عن أبي هريرة به. أخرجه النسائي في «الكبرى» (4/ 299) كتاب «الرجم» ، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت، حديث (7242) . وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (3/ 358) من طريق سعد بن سعيد عن سفيان عن الأعمش عن حبيب عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا زنت الأمة فاجلدوها، فإن عادت فاجلدوها، فإن عادت فاجلدوها، فإن عادت فبيعوها ولو بضفير» . قال ابن عدي: ذكر الأعمش غير محفوظ، إنما هو عن الثوري عن حبيب نفسه، وهذه الأحاديث التي ذكرتها لسعد بن سعيد عن الثوري وعن غيره مما ينفرد فيها سعد عنهم، وقد صحب سعد الثوري بجرجان في بلده، روى عنه غرائب، وسأله عن مسائل كثيرة، فتلك المسائل معروفة عنه، ولسعد غير ما ذكرت من الأحاديث غرائب وأفراد غريبة تروى عنهم، وكان رجلا صالحا، ولم تؤت أحاديثه التي لم يتابع عليها من تعمّد منه فيها أو ضعف في نفسه ورواياته إلا لغفلة كانت تدخل عليه، وهكذا الصالحين، ولم أر للمتقدمين فيه كلاما، لأنهم كانوا غافلين عنه، وهو من أهل بلدنا، ونحن أعرف به. اهـ. وسعد ذكره الذهبي في «المغني في الضعفاء» (1/ 254) رقم (2343) وقال: سعد بن سعيد الساعدي عن الثوري، وهاه أبو نعيم. اهـ. قلت: وقد خالفه عبد الرّحمن بن مهدي، فرواه عن الثوري عن حبيب عن أبي صالح عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه الأعمش. أخرجه النسائي (4/ 299- الكبرى) كتاب «الرجم» ، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت، حديث (7241) عن محمد بن بشار- بندار- عن عبد الرّحمن بن مهدي به. وينظر: «تحفة الأشراف» (9/ 342) . وللحديث شواهد عن عائشة، وابن عمر، وعبد الله بن زيد. 1- حديث عائشة: أخرجه ابن ماجة (2/ 857) كتاب «الحدود» ، باب إقامة الحدود على الإماء، حديث (2566) ، -]] ، هنا الزّنا. قال ص: وجوابُ: «إذَا» : «فإنْ أتَيْنَ» ، وجوابه. انتهى. والْمُحْصَناتِ في هذه الآية: الحَرَائِرُ إذ هي الصفَةُ المَشْرُوطة في الحدِّ الكامِلِ، والرَّجْمُ لا يتنصَّف، فلم يُرَدْ في الآية بإجماع، والعَنَتُ في اللغة: المَشَقَّة. قال ابنُ عباسٍ وغيره: والمَقْصِدُ به هنا الزنا [[أخرجه الطبري (4/ 27) برقم (9113) ، (9114) ، وذكره ابن عطية (2/ 39) ، والسيوطي (2/ 255) ، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.]] . وقوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ يعني: عَنْ نكاحِ الإماء قاله ابنُ عَبَّاس وغيره [[أخرجه الطبري (4/ 29) برقم (9129) ، وذكره ابن عطية (2/ 39) .]] : وهذا نَدْبٌ إلى التَّرْك وعِلَّتُهُ مَا يؤَدِّي إلَيْه نكاحُ الإِماءِ مِن استرقاق الوَلَدِ ومِهْنَتِهنَّ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب