الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً ... الآية: الاستثناء منقطعٌ، المعنى: لكنْ إنْ كانَتْ تجارةً، فكُلُوها، وأخْرَجَ البخاريُّ عن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلاَفَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّه» [[أخرجه البخاري (5/ 53، 54) ، كتاب «الاستقراض» ، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها وإتلافها، حديث (2387) ، وابن ماجة (2/ 806) ، كتاب «الصدقات» ، باب التشديد في الدين، حديث (2411) ، وأحمد (2/ 361، 417) ، والبيهقي (5/ 354) ، والبغوي في «شرح السنة» (4/ 351 بتحقيقنا) ، كلهم من حديث أبي هريرة.]] . انتهى. وقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً، أجمع المتأوِّلون على أنَّ المقصودَ بهذه الآية النهْيُ عن أنْ يقتُلَ بعْضُ الناسِ بَعْضاً، ثم لفظها يتناوَلُ أنْ يقتل الرجُلُ نَفْسَهُ بقَصْدٍ منه للقتل، أو بأنْ يحملها على غَرَرٍ، رُبَّمَا ماتَ مِنْهُ، فهذا كلُّه يتناوله النَّهْيُ، وقد احتج عمرو بن العاصي بهذه الآيةِ حين امتنع مِنَ الاغتسال بالمَاءِ الباردِ خَوْفاً على نفسه منه، فقرّر رسول الله ﷺ احتجاجه [[أخرجه البخاري (1/ 454) ، كتاب «التيمم» ، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض، تعليقا في أول الباب، وأحمد (4/ 203) ، وأبو داود (1/ 338) ، كتاب «الطهارة» ، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، الحديث (334) ، والدارقطني (1/ 178) ، كتاب «الطهارة» ، باب التيمم، الحديث، والحاكم (1/ 177) ، كتاب «الطهارة» ، والبيهقي (1/ 225) ، كتاب «الطهارة» ، باب التيمم في السفر إذا خاف الموت، فأما أحمد فمن طريق ابن لهيعة، وأما الباقون، فمن طريق جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرّحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال: «احتملت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «يا عمرو.. صليت بأصحابك وأنت جنب؟! فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله تعالى يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء: 29] فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا» . ورواه أبو داود (335) ، والدارقطني (1/ 178) ، كتاب «الطهارة» ، باب التيمم (13) ، الحاكم (1/ 177) ، والبيهقي (1/ 225) من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرّحمن بن جبير عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص كان على-- سرية ... فذكر الحديث. وفيه: «فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلّى بهم» ، وليس فيه ذكر التيمم. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما عللاه بحديث جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب. اهـ. وللحديث شاهد من حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في «الكبير» (11/ 234) رقم (11593) من طريق يوسف بن خالد السمتي: ثنا زياد بن سعد عن عكرمة عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلّى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فدعاه رسول الله ﷺ فسأله عن ذلك فقال: يا رسول الله خشيت أن يقتلني البرد، وقد قال الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فسكت عنه رسول الله ﷺ. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 267) ، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» ، وفيه يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب.]] . وقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً ... الآية: اختلف في المُشَارِ إلَيْه ب «ذَلِكَ» . فقال عطاء: «ذَلِكَ» عائدٌ على القَتْل لأنه أقربْ مَذْكُور، وقالتْ فرقةٌ: «ذلك» عائدٌ على أَكْلِ المالِ بالباطِلِ، وقَتْلِ النَّفْسِ، وقالَتْ فرقةٌ: «ذَلِكَ» : عائدٌ على كُلِّ ما نُهِيَ عَنْه مِنْ أوَّل السورةِ، وقال الطبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 39) .]] : «ذَلِكَ» عائدٌ على ما نُهِيَ عنه مِنْ آخر وعيدٍ، وذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء: 19] لأنَّ كلَّ ما نهي عنه قبله إلى أول السُّورة، قُرِنَ به وعيدٌ. قال ابنُ العَرَبيِّ [[ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 411) .]] في «أحكامه» : والقول الأول أصحُّ، وما عداه محتملٌ. انتهى. والعدوانُ: تَجَاوُزُ الحَدِّ. قال ص: عُدْواناً وَظُلْماً: مصدرانِ في مَوْضِعِ الحال، / أي: متعدّين وظالِمِينَ، أبو البقاء: أو مفعولٌ من أجله. انتهى. واختلف العلماءُ في [[ينظر الكلام على الكبائر في: «البحر المحيط» للزركشي (4/ 279) ، و «منهاج العقول» للبدخشي (2/ 344) ، و «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (100) ، و «حاشية البناني» (2/ 152) ، و «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (3/ 49) ، و «حاشية العطار على جمع الجوامع» (2/ 175) ، و «أعلام الموقعين» لابن القيم (4/ 305) ، و «تيسير التحرير» لأمير بادشاه (3/ 45) .]] الكبائِرِ. فقال ابنُ عبَّاس وغيره: الكبائرُ: كلُّ ما وَرَدَ علَيْه وعيدٌ بنارٍ، أو عذابٍ، أو لَعْنَةٍ، أو ما أشبه ذلك [[أخرجه الطبري (4/ 44) برقم (9213) ، وذكره ابن عطية (2/ 43- 44) ، وابن كثير (1/ 486) ، والسيوطي (2/ 261) ، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.]] . وقال ابن عبَّاس أيضاً: كلُّ ما نَهَى اللَّه عنه، فَهُوَ كَبِيرٌ [[أخرجه الطبري (4/ 43) برقم (9202) ، وذكره ابن عطية (2/ 44) ، وابن كثير (1/ 486) ، والسيوطي (2/ 261) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في «الشعب» .]] ، وعلَى هذا القول أئمَّة الكلامِ القاضِي، وأبو المَعَالِي، وغَيْرُهما قالوا: وإِنما قيل: صغيرةٌ بالإِضافة إِلَى أكبر منها، وإِلاَّ فهي في نفسها كبيرةٌ منْ حيْثُ المَعْصِيُّ بالجميع واحدٌ، واختلف العلماءُ في هذه المسألة، فجماعةٌ من الفقهاءِ والمحدِّثين يَرَوْنَ أنَّ باجتنابِ الكبَائرِ تُكَفَّر الصغائرُ قطْعاً، وأما الأصوليُّون، فقَالُوا: مَحْمَلُ ذلك علَى غَلَبة الظَّنَّ، وقُوَّةِ الرجاءِ، لا علَى القَطْع، ومَحْمَلُ الكبائرِ عند الأصوليِّين في هذه الآيةِ أجناسُ الكُفْر، والآيةُ التي قَيَّدت الحُكْمَِ، فتردُّ إِلَيْها هذه المُطْلَقات كلُّها: قوله تعالَى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48 و 116] . وكَرِيماً: يقتضي كَرَمَ الفضيلةِ، ونَفْيَ العيوب كما تقول: ثَوْبٌ كريمٌ، وهذه آية رجاء، ورَوى أبو حاتم الْبُسْتِيُّ في «المُسْنَدِ الصَّحِيح» له، عن أبي هريرةَ وأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رسُولَ الله ﷺ جَلَسَ علَى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه» ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثم سَكَتَ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي حَزِيناً لِيَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُؤَدِّي الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ ثَمانِيَةُ أَبْوَابِ مِنَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى إِنَّها لَتُصَفِّقُ، ثُمَّ تَلاَ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ... [[أخرجه النسائي (5/ 8) ، كتاب «الزكاة» ، باب وجوب الزكاة، والبخاري في «التاريخ الكبير» (4/ 316) ، وابن خزيمة (315) ، وابن حبان (1748) ، والبيهقي (10/ 187) كلهم من طريق سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر عن صهيب مولى العتواريين عن أبي هريرة مرفوعا.]] الآية» . انتهى من «التذكرة» للقرطبيِّ، ونحوُهُ ما رواه مُسْلِمٌ، عن أبي هريرةَ، قَالَ: قال النبيُّ ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةَ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» [[تقدم تخريجه.]] قال القرطبيُّ [[ينظر: «تفسير القرطبي» (5/ 104) .]] : وعلَى هذا جماعةُ أهل التأويل، وجماعةُ الفقهاءِ، وهو الصحيحُ أنَّ الصغائر تُكَفَّرُ باجتنابِ الكبائرِ قَطْعاً بِوَعْدِ اللَّهِ الصِّدْق، وقولِهِ الحَقِّ سبحانه، وأما الكَبَائِرُ، فلا تكفِّرها إِلا التوبةُ منْهَا. انتهى. قلْتُ: وفي «صحيح مُسْلِمٍ» ، عن أبي هريرة (رضي اللَّه عنه) أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . انتهى [[تقدم تخريجه.]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.