الباحث القرآني

وقوله جلَّت قدرته: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ... الآيةَ: لما تقدَّم في التي قَبْلَها الإِعلامُ بتَحْقيق الأحكام يوم القيامة، حَسُنَ بعد ذلك التَّنْبِيهُ على الحالَةِ الَّتي يُحْضَرُ ذلك فيها، ويُجَاءُ فيها بالشُّهَدَاءِ على الأُمَمِ، ومعنى الآيةِ: أنَّ اللَّه سبحانه يأتي بالأنبياءِ شُهَدَاءَ عَلَى أُمَمِهِمْ بالتَّصْديق والتَّكْذيب، ومعنى الأُمَّة في هذه الآية: جميعُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْه مَنْ آمَنَ منهم، ومَنْ كَفَر، وكذَلِكَ قال المتأوِّلون: إن الإشارة ب «هؤلاء» إلى كفّار قريش وغيرهم، وروي أنّ رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، فَاضَتْ عَيْنَاهُ، وكذلك ذَرِفَتْ عَيْنَاهُ- عليه السلام- حِينَ قَرَأَهَا عليه ابْنُ مَسْعُودٍ حَسْبَما هو مذكورٌ في الحديثِ الصَّحِيح، وفي «صحيحِ البخاريِّ» ، عن عُقْبَةَ بنِ عامر، قال: صلّى رسول الله ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى المَيِّتِ بَعد ثمان سنين، كالمُوَدِّع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر، فقال: إنِّي بَيْنَ أَيْدِيِكُمْ فَرَطٌ، وأَنا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ وإِنَّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هذا، وإِنِّي لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكُمُ الدنيا أن تنافسوها، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها الى رسول الله ﷺ. [[حديث عقبة بن عامر: -- أخرجه البخاري (3/ 209) ، كتاب «الجنائز» ، باب الصلاة على الشهيد، الحديث (1344) ، ومسلم (4/ 1796) ، كتاب «الفضائل» ، باب إثبات حوض نبينا، الحديث (31) ، وأبو داود (3/ 551) ، كتاب «الجنائز» ، باب الميت يصلى على قبره بعد حين، الحديث (3223) ، والنسائي (4/ 61- 62) ، كتاب «الجنائز» ، باب الصلاة على الشهداء، والدارقطني (2/ 78) ، كتاب «الجنائز» ، باب الصلاة على القبر، في صلاته ﷺ على شهداء أحد بعد ثمان سنين.]] وقوله تعالى: لَوْ تُسَوَّى قالت فرقة معناه: تنشق الأرض، فيحصلون فيها، ثم تتسوَّى هي في نفسها عليهم وبهم، وقالت فرقة: معناه لو تستوي هي معهم في أن يكونوا ترابا كالبهائم. وقوله تعالى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً: معناه، عند طائفة: أن الكفار، لما يرونه من الهول وشِدَّة المخاوف، يودون لو تسوى بهم الأرض، فلا ينالهم ذلك الخوف، ثم استأنف الكلام، فأخبر أنهم لا يكتمون الله حديثا، لنطق جوارحهم بذلك كله، حين يقول بعضهم وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] فيقول الله سبحانه: «كذبتم» ثم تنطق جوارحهم، فلا تكتم حديثا، وهذا قول ابن عباس [[أخرجه الطبري (4/ 96- 97) برقم (9522: 9524) ، وذكره البغوي (1/ 430) بنحوه، وابن عطية (2/ 55) ، وابن كثير (1/ 499) ، والسيوطي (2/ 292- 293) .]] . وقالت طائفة: الكلام كله متصل وودّهم ألا يكتموا الله حديثا إنما هو ندم على كذبهم حين قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] والرسول في هذه الآية الجنس، شرِّف بالذكر، وهو مفرد دلَّ على الجمع.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.