الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ... الآية: اختلف المتأوِّلون، فِيمَن المرادُ بقوله: الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ. فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: كان جماعةٌ من المؤمنين قد أَنِفُوا من الذُّلِّ بمَكَّةَ قَبْلَ الهجرة، وسألوا رسول الله ﷺ أَنْ يُبِيحَ لَهُمْ مقاتَلَةَ المُشْركين، فأمرهم عَنِ اللَّهِ تعالى بكَفِّ الأيْدِي، فلَمَّا كتب عليهم القتالُ بالمدينةِ، شَقَّ ذلك على بعضهم، ولَحِقَهُمْ ما يلْحَقُ البَشَر من الخَوَرِ والكَعِّ عَنْ مقَارَعَةِ العدُوِّ، فنزلَتِ الآية فيهم. وقال ابنُ عباس أيضاً ومجاهدٌ: إنما الآيةُ حكايةٌ عنْ حالِ اليَهُود أنهم فعلوا ذلكَ مَعَ نبيِّهم في وَقْتِهِ [[أخرجه الطبري (4/ 173) برقم (9957) ، وذكره ابن عطية (2/ 79) ، وابن كثير (1/ 526) ، والسيوطي (2/ 328) ، وعزاه للنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في «سننه» من طريق عكرمة عن ابن عباس.]] ، فمعنى الحكايةِ عنهم تقبيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المؤمنين عَنْ فِعْلِ مثله. وقيل: المرادُ المنافقُونَ. و «أَوْ» : تقدَّم شرحُها في «سورة البقرة» في قوله تعالى: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 74] لأنَّ الموضعَيْنِ سواءٌ. وقولهم: لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ: رَدٌّ في صَدْر أوامرِ اللَّهِ سبحانه، وقلَّةُ استسلام له، والأَجَلُ القريبُ: يعنُونَ به موتَهُمْ على فُرُشِهِمْ هكذا قال المفسِّرون. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 80) .]] : وهذا يحسُنُ إذا كانتِ الآيةُ في اليَهُودِ أو في المنافِقِينَ، وأما إذا كانت في طَائِفَةٍ من الصحابةِ، فإنما طَلَبُوا التأخُّر إلى وَقْتِ ظُهُورِ الإسلامِ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، ويُحَسِّنُ القولَ بأنها في المنافِقِينَ اطراد ذِكْرِهِمْ فيما يأتِي بَعْدُ من الآيات. وقوله سبحانه: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ... الآية: المعنى: قل، يا محمَّد، لهؤلاءِ: متاعُ الدنيا، أي: الاِستمتاعُ بالحياةِ فيها الَّذي حَرَصْتُم علَيْهِ قليلٌ، وباقي الآيةِ بيِّن. وهذا إخبارٌ منه سبحانه يتضمَّن تحقيرَ الدُّنْيا، قلْتُ: ولِمَا عَلِمَ اللَّهُ في الدنيا مِنَ الآفات، حمى منها أولياءه، ففِي الترمذيِّ عن قتادة بن النُّعْمَان، عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً، حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ المَاءَ» [[أخرجه الترمذي (4/ 381) ، كتاب «الطب» ، باب ما جاء في الحمية، حديث (2036) ، والحاكم (4/ 207، 309) ، وابن حبان (2474- موارد) من حديث قتادة بن النعمان مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.]] ، قال أبو عيسى: وفي البابِ عَنْ صُهَيبٍ، وأُمِّ المُنْذِرِ، وهذا حديثٌ حسنٌ، وفي الترمذيِّ عن ابن مسعود قال: «نام النّبيّ ﷺ على حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتخذنا لَكَ فراشا؟! فقال: مالي وما للدّنيا، وما أَنَا فِي الدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» [[أخرجه الترمذي (4/ 588- 589) ، كتاب «الزهد» باب (44) رقم (2377) ، وابن ماجة (2/ 1376) ، كتاب «الزهد» ، باب مثل الدنيا، حديث (4109) ، وأحمد (1/ 441) ، والطيالسي (2/ 120- منحة) رقم (2430) ، والحاكم (1/ 310) ، وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 102) كلهم من طريق علقمة عن ابن مسعود به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم.]] ، وفي الباب عن ابنِ عُمَر، وابن عبَّاس، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ/ حسنٌ صحيحٌ. انتهى. وقوله سبحانه: فِي بُرُوجٍ الأكثرُ والأصحُّ الذي علَيْه الجمهورُ: أنه أراد ب «البُرُوج» : الحُصُونَ التي في الأرْضِ المبنيَّة لأنها غايةُ البَشَر في التحصُّن والمَنَعة، فمَثَّل اللَّه لهم بها، قال قتادة: المعنى: في قصورٍ محصَّنة» وقاله ابنُ جُرَيْجٍ [[أخرجه الطبري (4/ 175) برقم (9965) ، وذكره ابن عطية (2/ 80) .]] والجُمْهُور، وبَرَّجَ: معناه: ظَهَر ومنه تبرُّج المرأة، ومُشَيَّدَةٍ: قال الزَّجَّاج [[ينظر: «معاني القرآن» (2/ 79) .]] وغيره: معناه: مرفُوعَة مطوَّلة ومنه أَشَادَ الرَّجُلُ ذِكْرَ الرَّجُل إذا رفَعَهُ، وقالتْ طائفةٌ: مُشَيَّدَةٍ: معناه: محسَّنة بالشِّيدِ، وهو الجَصُّ، وروى النسائيَّ عن أبي هُرَيْرَة أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» ، يعني: الموتَ، وخرَّجه ابنُ ماجة والترمذيُّ [[أخرجه الترمذي (4/ 479) ، كتاب «الزهد» ، باب ما جاء في ذكر الموت، حديث (2307) ، والنسائي (4/ 4) كتاب «الجنائز» ، باب كثرة ذكر الموت، وابن ماجة (2/ 1422) كتاب «الزهد» ، باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (4258) ، وأحمد (2/ 292- 293) ، وابن أبي شيبة (13/ 226) ، رقم (16174) ، والحاكم (4/ 321) ، وابن حبان (2559- موارد) ، ونعيم بن حماد في «زوائد الزهد» . رقم (146) ، والخطيب (9/ 470) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (1/ 391) رقم (669) كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. -- وللحديث شاهد من حديث أنس بن مالك. أخرجه البزار (4/ 240) رقم (3623) ، والطبراني في «الأوسط» ، وأبو نعيم (9/ 252) ، والخطيب في تاريخه (12/ 72- 73) كلهم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس به. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 311) وقال: رواه البزار، والطبراني باختصار عنه، وإسنادهما حسن. اهـ. وأخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (671) من حديث ابن عمر. وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (6/ 355) من طريق جعفر بن محمد بن الحسين الزهري، ثنا عبد الملك بن يزيد ثنا مالكِ بْنِ أنس عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ عن عمر مرفوعا، وقال أبو نعيم: غريب من حديث مالك تفرد به جعفر عن عبد الملك. اهـ.]] ، وخرَّجه أبو نُعَيْمٍ الحافظُ بإسناده من حديثِ مالكِ بْنِ أنس، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ، عَنِ ابنِ المُسَيَّب، عن عمر بن الخطّاب، عن النبيّ ﷺ بمثله [[ينظر: الحديث السابق.]] ، وروى ابنُ ماجة بسَنَده، عنِ ابن عُمَرَ أنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ المُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، قَالَ: فَأَيُّ المُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ استعدادا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ» ، وأخرجه مالك أيضاً [[أخرجه ابن ماجة (2/ 1423) ، كتاب «الزهد» ، باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (4259) من طريق فروة بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به، قال البوصيري في «الزوائد» (3/ 310) : هذا إسناد ضعيف، فروة بن قيس مجهول، وكذا الراوي عنه وخبره باطل، قاله الذهبي في «طبقات التهذيب» .]] . انتهى من «التذكرة» [[ينظر: «التذكرة» للقرطبي (1/ 20) .]] . وقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ... الآية: الضميرُ في تُصِبْهُمْ عائدٌ على الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وهذا يدلُّ على أنَّهم المنافقون لأن المؤمنين لا تليقُ بهم هذه المقالةُ ولأنَّ اليهودَ لم يكُونوا للنبيِّ ﷺ تَحْتَ أمْرٍ، فتصيبهم بِسَبَبِهِ أَسْوَاءٌ، والمعنى: إنْ تُصِبْ هؤلاءِ المنافقين حَسَنَةٌ من غنيمةٍ أو غيرِ ذلك، رَأَوْا أنَّ ذلك بالاتفاقِ مِنْ صُنْع اللَّه، لا ببَرَكَةِ اتباعك والإيمانِ بِكَ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي: هزيمةٌ، أو شدَّةُ جُوعٍ، أو غيرُ ذلكَ، قالوا: هذه بسَبَبِكَ. وقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: إعلامٌ من اللَّه سبحانه أنَّ الخيْرَ والشرَّ، والحسنَةَ والسيِّئة خَلْقٌ له، ومِنْ عنده، لا رَبَّ غيره، ولا خَالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سواه، والمعنى: قل، يا محمّد، لهؤلاء. ثُمَّ وبَّخهم سبحانه بالاستفهامِ عن عِلَّةِ جهلهم، وقلَّةِ فهمهم، وتحصِيلِهِمْ لما يُخْبَرُونَ به من الحقائِقِ، والْفِقْهُ في اللغةِ: الفَهْمُ، وفي الشَّرْعِ: الفهمُ في أمورِ الدِّين، ثم غَلَبَ علَيْهِ الاستعمال في علم المسائل الأحكاميّة [[يطلق الفقه لغة على أقوال ثلاثة: الفهم مطلقا سواء كان المفهوم دقيقا أم غيره، وسواء غرضا لمتكلم أم غيره. والدليل على ذلك على لسان قوم شعيب: ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ [هود: 91] ، وقوله في شأن الكفار: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النساء: 78] ، وقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44] . فهذه الآيات تفيد أنّ الفقه هو الفهم مطلقا. ثانيا: قيل: هو الفهم للأشياء الدقيقة فقط، فلا يصح أن نقول: فقهت أن السماء فوقنا وأن الأرض تحتنا. وهذا القول مردود بما سبق من آيات، وبما قاله أئمة اللغة من أن الفقه هو الفهم مطلقا. ثالثا: هو فهم غرض المتكلم من كلامه، فلا يسمى لغة فهم الطير فقها، ورد هذا القول بما رد به الثاني. واصطلاحا: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. وقال السيوطي نقلا عن بعض أصحاب الشافعي: الفقه: معرفة النظائر، وقال بعض أصحاب الشافعية أيضا: الفقه: فرق وجمع. وقال الغزالي: الفقه: عبارة عن العلم والفهم في أصل الوضع، ولكن صار بعرف العلماء عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين خاصة. وقال محمد نظام الدين محمد اللكنوي في «فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت» : الفقه: حكمة فرعية شرعية، وعرفوه بأنه: العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية. وعرفه الزركشي: بمعرفة الحوادث نصا واستنباطا. وعرفه أبو حنيفة: بمعرفة النفس مالها وما عليها. ينظر: «لسان العرب» (5/ 3450) ، «ترتيب القاموس» (3/ 513) ، «المصباح المنير» (2/ 656) ، «الأشباه والنظائر» (6) ، والقائل الشيخ قطب الدين السنباطي، «المنثور» (1/ 66) ، «المستصفى» (1/ 4) ، «التلويح على التوضيح» (1/ 5) .]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.