الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ... الآيةَ: قلت [[السرقة: بفتح السين، وكسر الراء، ويجوز إسكان الرّاء، مع فتح السين، وكسرها يقال: سرق بفتح الراء، يسرق بكسرها سرقا، وسرقة، فهو سارق، والشيء مسروق، وصاحبه مسروق منه، فهي لغة: أخذ الشيء من الغير خفية، أي شيء كان. واصطلاحا:- عرفها الشافعية: بأنها أخذ المال خفية ظلما، من غير حرز مثله بشروط. وعرفها المالكية: بأنها أخذ مكلّف حرّا لا يعقل لصغره، أو مالا محترما لغيره نصابا، أخرجه من حرزه، بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه. وعرفها الحنفية: بأنها أخذ مكلف عاقل بالغ خفية قدر عشرة دراهم. وعرفها الحنابلة: بأنها أخذ مال محترم لغيره، وإخراجه من حرز مثله. ينظر: «الصحاح» (4/ 1496) ، «المغرب» (1/ 393) ، «المصباح» (1/ 419) ، «تهذيب الأسماء» للنووي (2/ 148) ، «درر الحكام» (2/ 77) ، «ابن عابدين» (4/ 82) ، «مغني المحتاج» (4/ 158) ، «المغني» لابن قدامة (9/ 104) ، «كشاف القناع» (6/ 129) ، «الخرشي على المختصر» (8/ 91) .]] : المسروق: مال أو غيره. فشرط المال: أنْ يكون نصاباً، بعد خروجه، مملوكاً لغير السارقِ، ملكاً محترماً، تامًّا، لا شُبهة [[وإلى ذلك ذهب جماهير الفقهاء فلا يقطع الوالد مثلا من سرقته مال ولده. وخالفهم الظاهرية، وأبو ثور، وابن المنذر فقالوا: يقطع السارق مطلقا: كانت له شبهة في مال المسروق منه أو لا. استدل جمهور الفقهاء: أوّلا: بما رواه الترمذي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله فإنّ الإمام إن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة» . وثانيا: بما روي من مسند أبي حنيفة للمارتي من طريق مقسم عن ابن عباس: أن النبيّ ﷺ قال: «ادرءوا الحدود بالشّبهات» . وثالثا: بما رواه ابن ماجة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ادفعوا الحدود ما وجدتم مدفعا» فهذه الأحاديث صريحة في وجوب درء الحدود بالشبهات. والقطع حد فلا يجب مع وجودها. واستدل الظاهرية ومن وافقهم: بعموم قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] . فإنه تعالى أوجب القطع من غير تفريق بين من له شبهة في مال المسروق منه، ومن لا شبهة له فيه. وأجيب عنه بأن عموم الآية مخصوص بالأحاديث التي ذكرناها أدلة لجماهير الفقهاء. هذا، والحق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء فإن القطع عقوبة شديدة فيجب ألا تقام حتى يكون السبب تاما، والاعتداء ظاهرا. ومع وجود شبهة للسارق في مال المسروق منه لا يتحقق ما ذكر، فالقطع حينئذ لا يناسب الجريمة. فوجوبه ظلم حاشا أن يوجد في أحكام الشريعة الإسلامية وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: 46] . لذلك أوجبت الشريعة درء الحدود بالشبهات، ومنعت من إقامتها حتى تتحقق المناسبة بين الجرم، والعقوبة. غير أن جماهير الفقهاء اختلفوا فيما يعتبر شبهة دارئة للحد، وما لا يعتبر كذلك تبعا لاختلافهم في اعتبار قوة الشبه. وعدم اعتبارها، وانبنى على ذلك اختلافهم في فروع كثيرة من هذا الباب فمثلا: المالكية لا يوجبون القطع في سرقة الأصول من الفروع، ويوجبونه في سرقة الفروع من الأصول نظرا لقوة الشبهة في الأولى دون الثانية. -- والأئمة الثلاثة لا يفرقون بينهما في عدم القطع نظرا لتحقق الشبهة في كل منهما. وإن لم تكن قوية في البعض وأوسع المذاهب في هذا مذهب الحنفية. حتى إنهم لا يقطعون في سرقة ذوي الأرحام بعضهم من بعض مع أن الشبهة هنا ضعيفة. ينظر: «حد السرقة» لشيخنا إبراهيم الشهاوي.]] له فيه، مُحْرَزاً، مُخْرَجاً منه إلى ما ليس ... بحرز [[الحرز في اللغة: الموضع الحصين. ومنه: حديث الدعاء: «اللهمّ اجعلنا في حرز حارز» : وفي اصطلاح الفقهاء: هو الموضع الذي يحفظ فيه المال عادة، بحيث لا يعد صاحبه مضيعا له بوضعه فيه كالدور والحوانيت والخيم. وهو يختلف باختلاف الأزمان والبلدان، ويتفاوت بتفاوت الأموال، وقوة السلطان وضعفه، وعدله وجوره ولهذا ترك الشارع بيانه، ولم ينص على تحديده كما لم ينص على بيان القبض، والفرقة في البيع، وأشباه ذلك مما يختلف باختلاف العرف، ولو كان له حد معين لما ترك الشارع بيانه. هذا وقد ذهب جماهير الفقهاء إلى أن أخذ المسروق من حرزه شرط في وجوب القطع، فلا يقطع السارق إلا إذا أخذ المسروق من حرزه. وذهب أهل الظاهر، والخوارج، وجماعة من أهل الحديث إلى عدم اشتراطه، فيجب عندهم قطع السارق مطلقا أخذ المسروق من حرزه أو لا. استدل الجمهور بالمنقول، والمعقول: أما المنقول: فما رواه مالك في «الموطأ» عن عبد الله بن عبد الرّحمن بن حسين المكي أن رسول الله ﷺ قال: «لا قطع من ثمر معلّق ولا في حريسة الجبل، فإذا آواه المراح أو الجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجنّ» . ووجه الدلالة: أن النبيّ ﷺ قد أثبت القطع في الثمر إذا سرق من جرينه، وفي الحريسة إذا أخذت من مراحها، ونفاه في سرقتهما قبل ذلك، فعلم أن المراح حرز للحريسة، والجرين حرز للثمر، وأن أخذهما من غير حرزهما لا قطع فيه وذلك يقضي باعتبار الأخذ من الحرز شرطا لوجوب القطع فيهما. وحيث لا فرق بين مال ومال، كان الأخذ من الحرز شرطا لوجوب القطع في سرقة كل مال. وأما المعقول: فإن الله- تعالى- قد جعل الأموال مهيأة للانتفاع بها، فكانت موضع أطماع الناس، وموطن رغباتهم، واقتضت حكمته جل شأنه اختصاص الناس بالملك لأن ترك الأشياء مباحة للكل يجعل النفوس في جشع دائم، وحرص شديد لما جبلت عليه من الأثرة، وحب الذات، فيكون ذلك مثار الفتن، وسبب النزاع المستمر. وإذا كانت رغبة النفوس في المال قوية وشغفها به أمر مطبوعة عليه، ووجد الاختصاص في الملكية، كان لا بد من شيء يحفظ المال على من اختص به. لذلك وجد النهي والزجر عن أخذ مال الغير بدون رضاه ليرتدع بذلك أصحاب المروءة، والديانة كما وجه الأمر للمالك بحفظ ماله حتى لا يكون طعمة لذوي الأطماع الخبيثة، والنفوس الدنيئة، الذين لا تؤثر فيهم الموعظة، ولا تفيدهم النصيحة حتى يروا العذاب رأي العين. فإذا قام المالك بما طلب منه، ولم يفرط في صون المال من ناحيته. ثم اقتحم الغير عليه مأمنه، وهتك ما به الصون، كان من الحكمة أن يعاقب بالقطع لارتكابه تلك الجريمة بعد توجيه النهي إليه، وزجره بالعقاب الأخروي. -- وإذا لم يقم المالك بما طلب منه، وقصر في الصون انتفى القطع لعدم تمام الجريمة بتفريطه. واستدل الظاهرية ومن وافقهم بعموم قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] . فإن الله- تعالى- قد رتب وجوب القطع على السرقة، فكانت هي العلة، فمتى تحققت السرقة وجب القطع مطلقا أخذ المسروق من حرزه أو لا. وأجيب عنه: أن عموم الآية مخصوص بالسنة التي دلت على اعتبار الأخذ من الحرز شرطا في وجوب القطع. هذا والحق ما ذهب إليه الجمهور من القول بأن الأخذ من الحرز شرط في وجوب القطع لقوة دليله، وضعف دليل مخالفه، حتى قال ابن المنذر: إن اعتبار أخذ المسروق من حرزه شرطا لوجوب القطع يكاد يكون أمرا مجمعا عليه. وأحقيته من جهة النظر ظاهرة، فإن الأموال غير المحرزة شبيهة بالأموال الضائعة، فالاعتداء عليها ناقص، فلا يتناسب مع القطع. أما الأموال المحرزة، فالاعتداء عليها كامل بمسارقة عين المالك وهتك الحرز، وإخراجها منه. فالتناسب ظاهر بينهما. ينظر: «حد السرقة» لشيخنا إبراهيم الشبهاوي.]] له، استسرارا. فالنصاب: ربعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دراهم، أو ما يساوي ثلاثة [[يرى جمهور الفقهاء أن السارق لا يقطع إلا إذا سرق نصابا. ويرى أهل الظاهر، والخوارج، وطائفة من المتكلمين أنه يقطع في القليل والكثير، وليس هناك نصاب محدود لوجوب القطع في السرقة. وعلم أن جمهور الفقهاء قد اتفقوا على اعتبار النصاب شرطا لوجوب القطع. ومع اتفاقهم على هذا قد اختلفوا اختلافا كثيرا في مقداره الذي لا يقطع السارق من أقل منه، ويقطع فيه وفيما زاد عليه. فيرى الشافعي وأصحابه أنه ربع دينار، أو ما قيمة ربع دينار سواء أكان قيمة ثلاثة دراهم، أم أكثر، أم أقل منها. فلا قطع عندهم في أقل من ربع دينار- ولو كان قيمة ثلاثة دراهم. كما لا قطع في ثلاثة دراهم، إلا إذا كانت قيمتها ربع دينار. ويرى مالك، وأصحابه في المشهور عنهم أنه ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته ثلاثة دراهم. فيقطع السارق عندهم في ربع دينار، وإن لم تكن قيمته ثلاثة دراهم، ويقطع في ثلاثة دراهم وإن لم تكن قيمة ربع دينار. ويقطع في غير النقدين من العروض بما قيمته ثلاثة دراهم، وإن لم تكن قيمة ربع دينار. ويرى أحمد، وأصحابه في المشهور عنهم أنه ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمة تساوي أحدهما. فيقطع السارق في ربع دينار، وإن لم يساو ثلاثة دراهم، ويقطع في ثلاثة دراهم، وإن لم تساو ربع دينار، ويقطع في سرقة غير النقدين بما قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم. ويرى أبو حنيفة، وأصحابه في المشهور عنهم أنه عشرة دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم. فلا قطع عندهم في أقل من عشرة دراهم، ولو كانت قيمة ربع دينار كما لا قطع في غير الفضية من الذهب، أو العروض بما قيمته أقل من عشرة دراهم، ولو كانت قيمته تساوي ربع دينار. استدل الشافعي، وأصحابه أولا: بما رواه أحمد، ومسلم، والنّسائي، وابن ماجة عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا تقطع يد السّارق إلّا في ربع دينار فصاعدا» . -- ووجه الدلالة من الحديث: أن النبيّ ﷺ أثبت القطع في ربع دينار، ونفاه عما دون ذلك لأن الحديث قضية محصورة بالنفي، وإلا فتنحل إلى قضيتين: إحداهما موجبة، وهي: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا، سواء أكان قيمة ثلاثة دراهم، أم أقل أم أكثر. وثانيتهما: سالبة، وهي لا تقطع يد السارق في أقل من ربع دينار، سواء أكان ذلك الأقل قيمته ثلاثة دراهم، أم أقل أم أكثر. فالقضية الأولى تثبت القطع في ربع دينار، وإن لم يكن قيمة عشرة دراهم، وفي ذلك رد على أبي حنيفة وأصحابه. والثانية تقتضي نفي القطع في أقل من ربع دينار، ولو كان قيمة ثلاثة دراهم، وفي ذلك رد على مالك، وأحمد، وأصحابهما. والحديث بجملته يدل على أن الذهب هو الأصل الذي يصار إليه في معرفة قيمة المسروق، فإنه تحديد من الشارع بالقول لا يجوز العدول عنه، وقوم ما عداه به، ولو كان المسروق فضة. وثانيا: بما رواه النسائي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا تقطع يد السّارق فيما دون ثمن المجنّ» قيل لعائشة: ما ثمن المجنّ؟ قالت: ربع دينار. فإن النبيّ ﷺ قد نفى القطع فيما ثمنه دون ربع دينار وأثبته فيما ثمنه ربع دينار بنفيه القطع فيما دون ثمن المجن إذ كان ثمن المجن ربع دينار ببيان السيدة عائشة رضي الله عنها. والحديث صريح في أن العروض إنما تقوم بالذهب من غير نظر إلى الفضة أصلا لأن البيان من السيدة عائشة في حكم المرفوع، فهو تحديد من الشارع بالنص لا يجوز العدول عنه. وأجيب عنه من قبل أبي حنيفة، وأصحابه: بأن التقويم أمر ظني تخميني، فيجوز أن تكون قيمة المجن عند عائشة- رضي الله عنها- ربع دينار، وتكون عند غيرها أكثر، فالاعتماد على قول عائشة يقتضي ثبوت القطع مع وجود شبهة. ورد هذا الجواب: بأن السيدة عائشة- رضي الله عنها- لم تكن لتخبر بما يدل على مقدار ما يقطع فيه، إلا عن تحقيق لعظم أمر القطع.. واستدل مالك، وأحمد وأصحابهما، بما رواه مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ: «قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم» ووجه الدلالة: أن النبيّ ﷺ قد قطع فيما قيمته ثلاثة دراهم، ولم يستفسر عن كون هذه الثلاثة تساوي ربع دينار، أو تقل عنه. وذلك يقضي باعتبار القطع في ثلاثة دراهم، وإن لم تساو ربع دينار، وبذلك يخص مفهوم حديث عائشة- رضي الله عنها- ويكون مفهومه: حينئذ لا تقطع يد السارق في أقل من ربع دينار، إلا إذا ساوى ثلاثة دراهم فتقطع. والحديث صريح في أن العروض تقوم بالدراهم من غير نظر إلى الذهب أصلا. وأجب عنه من قبل الشافعي، وأصحابه: بأن النبيّ ﷺ إنما ترك الاستفسار، لأن طرف الدينار في عهده ﷺ: كان اثني عشر درهما، فمعلوم أن ثلاثة دراهم تساوي ربع دينار، وذلك لا يقتضي أن الدراهم الثلاثة معتبرة في القطع، وفي التقويم حتى ولو تغير صرف الدينار، فإنها قضية عين لا عموم لها. واستدل أبو حنيفة وأصحابه، أولا: بما رواه أحمد، والدارقطني عن الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا قطع إلّا في عشرة دراهم» . ووجه الدلالة: أن النبيّ ﷺ نفى القطع في أقل من عشرة دراهم، سواء أكان ذلك الأقل يساوي ربع دينار، أم يزيد أم يقل عنه، وفي ذلك رد على الأئمة الثلاثة، وأصحابهم وأثبته في عشرة دراهم، وذلك-- يقتضي أن العشرة الدراهم هي المعتبرة في القطع. وأجيب عنه: بأن الحديث لا يصلح للاستدلال، فإن الحجاج بن أرطاة مدلس، ولم يسمع هذا الحديث من عمرو بن شعيب. وثانيا: بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقطع يد السّارق فيما دون ثمن المجنّ» : قال عبد الله: وكان ثمن المجنّ عشرة دراهم. ووجه الدلالة: أن النبيّ ﷺ نفى القطع فيما ثمنه دون عشرة دراهم بنفيه القطع فيما دون ثمن المجن وأثبته في عشرة دراهم إذ كان ثمن المجن عشرة دراهم كما قال عبد الله. والحديث صريح في أن العروض تقوم بالدراهم من غير ملاحظة كون الذهب أصلا إذ قوم المجن بها وهو عرض، وأجيب عنه: بأنه لا يصلح للاستدلال لأن في إسناده محمد بن إسحاق وقد عنعن، ولا يحتج بمثله إذا جاء بالحديث معنعنا، وبذلك لا يصلح لمعارضة حديث عائشة في تقدير ثمن المجن بربع دينار، وحديث ابن عمر في تقديره بثلاثة دراهم، ولو سلمت صلاحيته للمعارضة تعين طرحه هو، ومعارضة من الروايات الواردة في تقدير ثمن المجن لعدم ما يدفع به التعارض، ووجب العمل بما تفيده رواية عائشة من إثبات القطع في ربع دينار، وهو دون عشرة دراهم. ينظر: «حد السرقة» لشيخنا إبراهيم الشهاوي، «نيل الأوطار» (7/ 105) ، «المغني» لابن قدامه (10/ 243) .]] دراهم، وقوله: أَيْدِيَهُما يعني: أَيْمانَ النوعَيْن [[اختلف الفقهاء في محل القطع من السارق: فذهب الحنفية، والحنابلة إلى أنه اليد اليمنى، والرجل اليسرى وذهب المالكية، والشافعية: إلى أنه اليدان والرجلان، وذهب داود، وربيعة: إلى أنه اليدان فقط. وذهب عطاء إلى أنه اليد اليمنى خاصة. استدل الحنفية، والحنابلة بأدلة: منها ما يخص اليد اليمنى، ومنها ما يعم اليد اليمنى، والرجل اليسرى. أما ما يخص اليد اليمنى: فقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] . ووجه الدلالة: أن المراد بأيديهما: أيمانهما لقراءة عبد الله بن مسعود: فاقطعوا أيمانهما، وهي خبر مشهور مقيد لإطلاق الآية، فالذي يقطع من السارق والسارقة بنص الآية اليد اليمنى، فاليد اليسرى خارجة من إطلاق الآية بهذه القراءة، ولم يثبت في السنة من طريق صحيح تعلق القطع بها في السرقة، فعلم من ذلك أنها ليست محلا للقطع. وأما ما يعم اليد اليمنى، والرجل اليسرى: فأولا: ما رواه الدارقطني عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: إذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد ضمنته السجن حتى يحدث خيرا، إني لأستحي من الله أن أدعه ليس له يد يأكل بها، ويستنجي بها، ورجل يمشي عليها. وثانيا: ما رواه ابن أبي شيبة أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن السارق، فكتب إليه بمثل قول علي. وثالثا: ما رواه ابن أبي شيبة أن عمر- رضي الله عنه- قال: «إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن عاد فاقطعوا رجله، ولا تقطعوا يده الأخرى، وذروه يأكل بها ويستنجي بها» . ورابعا: ما رواه ابن أبي شيبة أن عمر- رضي الله عنه- استشار الصحابة في سارق، فأجمعوا على مثل-- قول علي. فهذه الآثار جميعها صريحة في أن ما يقطع من السارق إنما هو اليد اليمنى، والرجل اليسرى، ثم إن عاد إلى السرقة بعد قطعهما، أودع السجن حتى يظهر صلاح حاله. واستدل المالكية، والشافعية بأدلة: منها ما يخص اليدين، ومنها ما يعم اليدين والرجلين. أما ما يخص اليدين: فأولا: قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] فإن اسم السيد يطلق على اليد اليسرى، كما يطلق على اليد اليمنى ... وقد أمر الله- تعالى- بقطع يدي كل من السارق والسارقة، فظاهر النص قطعهما معا لولا قيام الإجماع على عدم قطعهما معا في سرقة واحدة، وعلى عدم الابتداء باليسرى. وأجيب عنه بأن نص الآية لا يتناول اليد اليسرى لتقييده باليمنى من قراءة عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-. وثانيا: ما رواه مالك في «الموطأ» عن عبد الرّحمن بن القاسم، عن أبيه أن رجلا من اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر الصديق، فشكا إليه أن عامل اليمن ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر- رضي الله عنه- وأبيك ما ليلك بليل سارق ثم إنهم غدوا عند أسماء بنت عيمس امرأة أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- فجعل الرجل يطوف معهم، ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاء به، فاعترف الأقطع، أو شهد عليه، فأمر به أبو بكر فقطعت يده اليسرى. وقال أبو بكر: لدعاؤه على نفسه أشد عليه من سرقته فهذا أشد صريح في أن اليد اليسرى محل للقطع، وإلا لما صح لأبي بكر قطعها. وأجيب عنه: بأن سارق حلي أسماء لم يكن أقطع اليد، والرجل، بل كان أقطع اليد اليمنى فقط، فقد قال محمد بن الحسن في «موطئه» : قال الزهري: ويروى عن عائشة قالت: إنما كان الذي سرق حلي أسماء أقطع اليد اليمنى، فقطع أبو بكر رجله اليسرى، قال: وكان ابن شهاب أعلم بهذا الحديث من غيره. وأما ما يعم اليدين، والرجلين: فما رواه الدارقطني من طريق الواقدي، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: «إذا سرق السّارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله» فهذا الحديث صريح في أن القطع يتعلق بجميع أطراف السارق. وأجيب عنه: بأنه لا يصلح للاحتجاج، فإن في طريقه الواقدي، وفيه مقال، وقد روي هذا المعنى من طرق كثيرة لم تسلم من الطعن. فقد قال الطحاوي: تتبعنا هذه الآثار، فلم نجد بشيء منها أصلا ومما يدل على عدم صلاحيته للحجبة عدم استدلال الصحابة به حينما استشارهم علي- رضي الله عنه- في سارق أقطع اليد والرجل، فلم يقطعه، وجلده جلدا شديدا، ودعوى الجهل به بعيدة، فإن مثل هذا لا يخفى على الصحابة- رضوان الله عليهم- فعدم احتجاجهم به ليس إلا لضعفه، أو نسخه، فإن الحدود كان فيها تغليظ في الابتداء، ألا ترى أن النبيّ ﷺ قطع أيدي العرنيين، وسمل أعينهم، ثمّ نسخ ذلك. واستدل داود، ومن وافقه بقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] . ووجه الدلالة: أن الله- تعالى- قد نص على قطع اليدين، ولم ينص على قطع الرجلين، فلو كان قطع الرجلين مطلوبا لأمر به- تعالى- والسنة لم يرد فيها من طريق صحيح ما يفيد قطعهما في السرقة، والذي ورد في السنة صحيحا جميعه يتعلق بقطع اليد، فقد قال- عليه الصلاة والسلام-: «لو سرقت فاطمة بنت-]] ، والنَّكَال: العذابُ، والنِّكْل: القيد. وقوله سبحانه: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ... الآية: جمهورُ العلماءِ على أَنَّ توبة السارق لا تُسْقِطُ عنه القَطْعَ، وقال الشافعيُّ: إذا تاب السارق قبل أنْ يتلبَّس الحُكَّام بأخْذه، فتوبته تَدْفَعُ عنه حُكْمَ القطع قياساً على توبة المُحَارِبِ. وقوله سبحانه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أي: فلا معقِّب لحكمه سبحانه، ولا معتَرِضَ عليه، يفعلُ ما يَشَاء لا إله إلا هو.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب