الباحث القرآني

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... الآية: الصَّيْد: مصدرٌ عومِلَ معاملةَ الأسماء، فأوقع على الحَيَوانِ المَصِيدِ، ولفظُ الصيد هنا عامٌّ، ومعناه الخصوصُ فيما عدا ما استثني، وفي الصحيح عن النبيّ ﷺ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ» [[ورد هذا الحديث عن ابن عمر، وعائشة، وحفصة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي رافع، وأبي هريرة. أما حديث ابن عمر فله طرق. فأخرجه مسلم (2/ 858) كتاب «الحج» ، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، حديث (73/ 1200) وأبو داود (2/ 424) كتاب «المناسك» ، باب ما يقتل المحرم من الدواب، حديث (1846) ، والنسائي (5/ 1900) كتاب «الحج» ، باب قتل الغراب، وأحمد (2/ 8) وابن الجارود رقم (440) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/ 165) والبيهقي (5/ 209) كتاب «الحج» ، باب ما للمحرم قتله من دواب البر في الحلّ والحرم، والحميدي (2/ 279) رقم (619) والخطيب في «تاريخ بغداد» (4/ 292- 293) وأبو يعلى (9/ 311) رقم (5428) من طريق الزهري عن سالم، عن أبيه مرفوعا. وأخرجه مالك (1/ 356) كتاب «الحج» ، باب ما يقتل المحرم من الدواب حديث (88) والشافعي في «المسند» (1/ 319) كتاب «الحج» ، باب فيما يباح للمحرم ... (735) والبخاري (6/ 355) كتاب «بدء الخلق» ، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ... (3315) ومسلم (2/ 858) كتاب «الحج» ، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، حديث (76/ 1199) والنسائي (5/ 187- 188) كتاب «الحج» ، باب ما يقتل المحرم من الدواب.]] ، وأجمع النَّاس على إباحة قتل الحَيَّة، وبَسْطُ هذا في كتب الفقه، وحُرُمٌ: جمع حرامٍ، وهو الذي يدخُلُ في الحَرَم، أو في الإحرام، واختلف في قوله: مُتَعَمِّداً، فقال مجاهد وغيره: معناه: متعمِّداً لقتله، ناسياً لإحرامه [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 41) برقم (12551) ، وابن عطية في «تفسيره» (2/ 237) .]] ، فهذا يُكَفِّرُ، وأما إنْ كان ذاكراً لإحرامه، فهو أعظم مِنْ أن يكفِّر، وقد حَلَّ ولا رخْصَة له. وقال جماعة من أهْل العلْمِ، منهم ابن عباس ومالكٌ والزُّهْرِيُّ وغيرهم: المتعمِّد: القاصد للقتلِ، الذَّاكرُ لإِحرامه [[ابن عطية في «تفسيره» (2/ 227) .]] ، فهو يكفِّر، وكذلك الناسِي والقاتلُ خطأً يكفِّران، وقرأ نافع [[ينظر: «الحجة» (3/ 254) ، و «حجة القراءات» (235) ، و «إعراب القراءات» (1/ 149) ، و «العنوان» (88) ، و «شرح الطيبة» (4/ 235) ، و «شرح شعلة» (354) ، و «إتحاف» (1/ 542) ، و «معاني القراءات» (2/ 338) .]] وغيره: «فَجَزَاءُ مِثْلِ» ، - بإضافة الجزاء إلى «مثل» -، وقرأ حمزة وغيره: «فَجَزَاءُ» - بالرفع-، «مِثْلُ» - بالرفع أيضاً-، واختلفَ في هذه المماثلة، كيف تكُون، فذهب الجمهور إلى أنَّ الحَكَمين ينظران إلى مِثْلِ الحيوان المَقْتُول في الخِلْقَة، وعظم المرأى، فيجعلانِ ذلك من النَّعَم جزاءه/، وذهب الشَّعْبيُّ وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة يُقَوَّم الصيدُ المقتول، ثم يشتري بقيمته نِدٌّ من النَّعَم، ورد الطبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 48) .]] وغيره هذا القولَ، والنَّعَم: لفظ يقع علَى الإبل والبَقَر والغَنَم، إذا اجتمعت هذه الأصنافُ، فإن انفرد كلُّ صِنْفٍ لم يُقَلْ «نَعَم» إلا للإبل وحْدها، وقَصَرَ القرآنُ هذه النازَلَة على حَكَمين عدْلَيْن عالِمَيْن بحُكْم النازلة، وبالتقدير فيها، وعلى هذا جمهورُ الناس. قال ابنُ وهْب في «العتبية» : من السنة أن يُخَيِّرَ الحَكَمان مَنْ أصاب الصيد كما خَيَّره اللَّه تعالى في أنْ يخرج هَدْياً بالغَ الكَعْبة، أو كفارةً طعامَ مساكينَ، أو عَدْلَ ذلك صياماً، فإن اختار الهَدْيَ، حَكَما عليه بما يريانِهِ نَظيراً لما أصاب ما بينهما وبَيْن أن يكون عَدْلَ ذلك شاةً لأنها أدنَى الهَدْيِ، فما لم يبلُغْ شاةً، حَكَمَا فيه بالطعامِ، ثم خُيِّر في أنْ يطعمه أو يصوم مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يوماً، وكذلك قال مالكٌ في «المدوَّنة» : إذا أراد المصيبُ أنْ يطعم أو يصوم، فَإنْ كان لِمَا أصاب نظيرٌ من النَّعَم، فإنه يقوَّمُ صيدُهُ طعاماً، لاَ دَرَاهِمَ، قال: وإن قوَّماه دراهمَ، واشتري بها طعامٌ، لَرَجَوْتُ أنْ يكون واسعاً، والأول أصْوَبُ، فإنْ شاء، أطعمه، وإلا صام مَكَانَ كلِّ مُدٍّ يوماً، وإن زاد ذلك على شهرين، أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا: إنما يقالُ: كَمْ مِنْ رجلٍ يَشْبَعُ من هذا الصيدِ، فيعرف العددَ، ثم يقال: كَمْ من الطعامِ يُشْبِعُ هذا العَدَدَ؟ فإن شاء، أخرج ذلك الطعام، وإن شاء، صام عدد أمداده، وهذا قولٌ حسنٌ احتاط فيه لأنه قد تكونُ قيمةُ الصيدِ مِنَ الطعامِ قليلةً، فبهذا النَّظَر يكثر الإطعام. وقوله تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ذكرت «الكعبة» لأنها أم الحَرَم، والحَرَمُ كلُّه مَنْحَرٌ لهذا الهَدْيِ ولا بد أن يجمع في هذا الهَدْي بَيْن الحِلِّ والحَرَمِ حتى يكون بالِغَ الكعبة، فالهَدْيُ لا ينحر إلا في الحَرَمِ. واختلفَ في الطَّعَام، فقال جماعةٌ: الإطعام والصَّوْمِ حيث شاء المكفِّر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: الهَدْيُ والإطعام بمكَّة [[ذكره ابن عطية (2/ 240) .]] ، والصوم حيث شِئْتَ. وقوله سبحانه: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ: الذوق هنا مستعارٌ، والوبالُ: سوءُ العاقبةِ، والمرعَى الوَبِيلُ هو الذي يتأذى به بَعْد أكله، وعبَّر ب أَمْرِهِ عن جميع حاله مِنْ قتلٍ وتكْفيرٍ، وحكمٍ علَيْه، ومُضِيِّ مالِهِ، أو تعبِهِ بالصَّوْمِ، واختلف في معنى قوله سبحانه: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ... الآية: فقال عطاءُ بن أبي رباح، وجماعة: معناه: عفا اللَّه عما سَلَفَ في جاهليَّتكم مِنْ قتلكم الصيد في الحرمة [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 59) (12640) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 240) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 584) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن عطاء.]] ، ومَنْ عاد الآنَ فِي الإسلام، فإن كان مستحلاًّ، فينتقم اللَّه منه في الآخرة، ويكفَّرُ في ظاهر الحُكْم، وإن كان عاصياً، فالنقْمَةُ هي في إلزامُ الكَفَّارة فقَطْ، قالوا: وكلَّما عاد المُحْرِمُ، فهو يكفِّر. قال ع [[ذكره ابن عطية (2/ 240) .]] : ويخاف المتورِّعون أنْ تبقى النِّقْمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالكٍ ونظرائه، وأصحابِهِ (رحمهم اللَّه) ، وقال ابن عباس وغيره: أما المتعمِّد، فإنه يكفِّر أول مرَّةٍ، وعفا اللَّه عن ذَنْبه، فإن اجترأ، وعاد ثانياً، فلا يُحْكَم عليه، ويقال له: ينتقم اللَّه منْكَ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 61) (12655) ، والبغوي في «تفسيره» (2/ 65) ، وابن عطية (2/ 240) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 584) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، من طريق عكرمة عن ابن عباس.]] كما قال اللَّه تعالى. وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ: تنبيهٌ على صفتين تقتضيان خَوْفَ من له بصيرةٌ، ومن خاف، ازدجر، ومن هذا المعنى قولُ النبيِّ ﷺ: «من خاف أدلج [[يقال: أدلج- بالتخفيف-: إذا سار من أول الليل. ينظر: «النهاية» (2/ 129) .]] ، ومن أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ» [[أخرجه الترمذي (4/ 546) كتاب «صفة القيامة» ، باب من خاف أدلج، حديث (2450) والحاكم (4/ 307- 308) من طريق هاشم بن القاسم، عن أبي عقيل الثقفي، عن يزيد بن سنان، عن بكير بن فيروز، عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.]] ، قلت: والصيد لِلَّهْوِ مكروه، وروى أبو داود في سُنَنه، عن ابنِ عبّاس، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «مَنْ سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتبع الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أتَى السُّلْطَانَ، افتتن» [[أخرجه أبو داود (2/ 124) كتاب «الصيد» ، باب في اتباع الصيد، حديث (2859) ، والترمذي (4/ 523) ، كتاب «الفتن» ، حديث (2256) والنسائي (7/ 195- 196) كتاب «الفرع والعتيرة» ، باب اتباع الصيد، وأحمد (1/ 357) وابن أبي شيبة (12/ 336) وأبو نعيم في «الحلية» (4/ 72) والبيهقي (10/ 101) ، والطبراني في «الكبير» (11/ 56- 57) رقم (11030) كلهم من طريق سفيان الثوري عن أبي موسى اليماني، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من حديث الثوري.]] . انتهى. وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ... الآية: البَحْر: الماء الكثيرُ، مِلْحاً كان أو عَذْباً، وكلُّ نهر كبير: بحرٌ، وطعامه: هو كل ما قَذَفَ به، وما طَفَا عليه قاله جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب مالك. ومَتاعاً: نصبٌ على المَصْدر، والمعنى: مَتَّعَكُمْ به متاعاً تنتفعون به، وتأتدمون، ولَكُمْ: يريد حاضري البحر ومدنه، ولِلسَّيَّارَةِ: المسافرينَ، واختلف في مقتضى قوله سبحانه: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً، فتلقاه بعضهم على العُمُوم من جميع جهاته فقالوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يحلُّ له أنْ يصيد، ولا أنْ يأمر من يَصِيد، ولا أن يأكل صيداً صِيدَ من أجله، ولا مِنْ غير أجله، وأنَّ لَحْم الصيد بأيِّ وجه كان حرامٌ على المُحْرِمِ، وكان عمر بنُ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه) لاَ يرى بأساً للمُحْرِمِ أنْ يأكل ما صَادَهُ حلالٌ لنفسه، أو لحلالِ مثله [[أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (5/ 64) (12671) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 242) .]] ، وقال بمثل قولِ عمر- عثمانُ بنُ عفَّان والزُّبَيْر بنُ العَوَّام وهو الصحيح [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 242) .]] لأن النبيّ ﷺ أَكَلَ مِنَ الحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ أبو قَتَادَةَ، وهو حلال، والنبيّ- عليه السلام- محرم [[أخرجه البخاري (6/ 98) ، كتاب «الجهاد» ، باب ما قيل في الرماح، حديث (2914) ، ومسلم (2/ 852) ، كتاب «الحج» ، باب تحريم الصيد للمحرم، حديث (57/ 1196) ، وأبو داود (2/ 428، -[.....]- 429) ، كتاب «المناسك» (الحج) ، باب لحم الصيد للمحرم، حديث (1852) ، والترمذي (3/ 204، 205) ، كتاب «الحج» ، باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم، حديث (847) ، والنسائي (5/ 182) ، كتاب «الحج» ، باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، وابن ماجة (2/ 1033) ، كتاب «المناسك» ، باب الرخصة في ذلك إذا لم يصد له، حديث (3093) ، ومالك (1/ 350) ، كتاب «الحج» ، باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، حديث (76) ، وأحمد (5/ 302) . والدارمي (2/ 38) كتاب «المناسك» ، باب في أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يصد هو، والشافعي (1/ 321) كتاب «الحج» ، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم (837) ، والحميدي (1/ 204) رقم (424) وعبد الرزاق (8337، 8338) ، وابن خزيمة (4/ 176) رقم (2635) وابن الجارود (435) والدارقطني (2/ 291) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/ 173- 174) والبيهقي (5/ 189) والبغوي في «شرح السنة» (4/ 157- بتحقيقنا) من طرق عن أبي قتادة به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.]] . ثم ذكَّر سبحانه بأمر الحَشْر والقيامةِ، مبالغةً في التحذير ولما بان في هذه الآيات تعظيمُ الحَرَمِ والحُرْمة بالإحرام من أجْل الكعبة، وأنَّها بيْتُ اللَّه تعالى، وعنصر هذه الفَضَائلَ ذَكَرَ سبحانه في قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ تنبيهاً سَنَّهُ في الناس، وهداهم إلَيْهِ، وحَمَلَ عليه الجاهليَّة الجهلاَءَ من التزامهم أنَّ الكعبة قِوَامٌ، والهَدْي قِوَامٌ، والقلائد قِوَام، أي: أمر يقوم للناس بالتَّأمين، ووَضْعِ الحربِ أوزارها، وأعلَمَ تعالى أنَّ التزامَ النَّاس لذلك هو ممّا شرعه وارتضاه، وجَعَلَ، في هذه الآيةِ: بمعنى «صَيَّر» ، والكَعْبَة بيْتُ مكة، وسمي كعبةً لتربيعه، قال أهْل اللُّغَة: كلُّ بَيْتٍ مربَّع، فهو مكعَّب، وكَعْبة، وذهب بعض المتأوِّلين إلى أنَّ معنى قوله تعالى: قِياماً لِلنَّاسِ، أي: موضع وُجُوب قيامٍ بالمناسك والتعبُّدات، وضَبْطِ النفوسِ في الشهر الحرام، ومع الهَدْيِ والقلائدِ، قال مَكِّيٌّ: معنى قِياماً لِلنَّاسِ، أي: جعلها بمنزلة الرئيس الَّذي يقُومُ به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عَنْ ظُلْم بعضهم بعضاً، وكذلك الهَدْيُ والقلائد جُعِلَ ذلك أيضاً قياماً للناس فكان الرجُلُ إذا دَخَل الحَرَمِ أَمِنَ مِنْ عدوه، وإذا ساق الهَدْي كذلك، لم يعرض لَهُ، وكان الرجُلُ إذا أراد الحجَّ، تقلَّد بقلادة مِنْ شعر، وإذا رجع تقلَّد بقلادة من لِحَاءِ شَجَر الحَرَمِ، فلا يعرض له، ولا يؤذى حتى يَصِلَ إلى أَهله، قال ابنُ زيد: كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضُهُم عن بعض، ولم يكُنْ في العرب ملوكٌ تدفع عن بعضهم ظُلْمَ بعضٍ، فجعل اللَّه لهم البَيْتَ الحرامَ قياماً يدفَعُ بعضَهُمْ عن بعض. انتهى من «الهداية» . والشهرُ هنا: اسمُ جنسٍ، والمراد الأشهر الثلاثةُ بإجماع من العرب، وشَهْرُ مُضَرَ، وهو رَجَبٌ، وأما الهَدْيُ، فكان أماناً لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادةٍ لم يأت لحَرْبٍ، وأما القلائد، فكذلك كان الرجُلُ إذا خَرَج يريدُ الحَجِّ/، تقلَّد مِنْ لحاء السَّمُرِ أو غيره شيئاً، فكان ذلك أماناً له، وكذلك إذا انصرفوا، تقلَّدوا من شجر الحَرَمِ، وقوله ذلِكَ: إشارةٌ إلى أنَّ جعل اللَّه هذه الأمور قياماً. وقوله سبحانه: بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: عامٌّ عموماً تامًّا في الجزئيَّات ودَقائِقِ الموجودات، والقولُ بغير هذا إلحاد في الدّين وكفر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.