الباحث القرآني

وقوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ ... الآية: هذا الكلامُ داخلٌ في القول يَوْمَ الحشر. قال الفَخْر [[ينظر: «تفسير الرازي» (13/ 159) .]] : قال أهل اللغة: المَعْشَر: كلُّ جماعةٍ أَمْرهم واحدٌ، وتَحْصُلُ بينهم معاشرةٌ ومخالطةٌ، فالمَعْشَر: المُعَاشِر. انتهى، ونْكُمْ : يعني: مِنَ الإنس قاله ابن جُرَيْج [[أخرجه الطبري (5/ 345) برقم (13900) نحوه، وذكره ابن عطية (2/ 346) نحوه، وابن كثير (2/ 177) ، والسيوطي (3/ 86) وعزاه لابن المنذر عن ابن جريج بنحوه، وعزاه أيضا لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.]] وغيره، وقال ابن عباس: من الطائفَتَيْنِ [[أخرجه الطبري (5/ 345) برقم (13900) ، وذكره ابن عطية (2/ 346) ، وابن كثير (2/ 177) بنحوه.]] ، ولكنْ رسلُ الجنّ هم رسل رسل الإنس، وهم النّذر، وقُصُّونَ : من القصص، وقولهم: هِدْنا : إقرار منهم بالكفر. وقوله سبحانه: غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا : التفاتة فصيحةٌ تضمَّنت أنَّ كفرهم كان بأذَمِّ الوجوه لهم، وهو الاغترار الذي لا يواقعه عاقل، ويحتمل رَّتْهُمُ أن يكون بمعنى: أشبعتهم وأطعمتهم بحَلْوَائها كما يقال: غَرَّ الطَّائِرُ فَرْخَهُ. وقوله سبحانه: شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ : الجمع بيْنَ هذه الآية وبَيْن الآي التي تقتضي إنكار المشركين الإشْرَاكَ هو إمَّا بأنها طوائفُ، وإما بأنها طائفةٌ واحدةٌ في مواطنَ شتى. وقوله: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، أي: ذلك الأمر، والْقُرى: المدن، والمراد: أهل القرى، وبِظُلْمٍ: يحتمل معنيين: أحدهما: أنه لم يكُنْ سبحانه لِيُهْلِكَهم دون نِذَارة، فيكون ظُلْماً لهم، واللَّه تعالى ليس بظلاَّم للعبيد. والآخر: أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يُهْلِكْهم بظلمٍ واقعٍ منهم دون أنْ ينذرهم، وهذا هو البيِّن القويُّ، وذكر الطبري (رحمه اللَّه) التأويلين. وقوله سبحانه: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ... الآية: إخبارٌ من اللَّه سبحانه أنَّ المؤمنين في الآخرة على درجاتٍ من التفاضُل بحَسَب أعمالهم، وتفضُّل المولى سبحانه عليهم، ولكنْ كلٌّ راضٍ بما أعطِيَ غايةَ الرضا، / والمشركون أيضاً على دركاتٍ من العذابِ، قلتُ: وظاهر الآية أن الجنَّ يثابون وينالُونَ الدَّرَجَاتِ والدَّرَكَاتِ، وقد ترجم البخاريُّ على ذلك، فقال: ذِكْر الجنِّ وثَوَابِهِم وعقابِهِم لقوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ... الآية، إلى قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، قال الداوديّ: قال الضحاكُ: مِنَ الجنِّ مَنْ يدخل الجنَّة، ويأكل ويشرب [[ذكره السيوطي (3/ 87) ، وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ في «العظمة» عن الضحاك.]] . انتهى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.