الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ... الآية: هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة. واختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية لأن ظاهرها/ يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة: المُرَادُ بقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه. وقال مجاهد: المعنى: ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ [[أخرجه الطبري (5/ 437) برقم: (14356) بلفظ: «في صلب آدم» ، وذكره ابن عطية (2/ 378) ، وذكر نحوه البغوي (2/ 150) بلا نسبة.]] ، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون «ثم» على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ. وقال ابن عباس، والربيع بن أنس: أما «خلقناكم» فآدم، وأما «صورناكم» فذرّيته في بُطُونِ الأمهات [[أخرجه الطبري (5/ 436) ، برقم: (1443- 1444) ، وذكره ابن عطية (2/ 378) ، وذكره ابن كثير (2/ 203) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 134) .]] . وقال قتادة، وغيره: بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير [[ذكره ابن عطية (2/ 378) .]] ، وثُمَّ لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها. وقوله سبحانه: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ تقدم الكلام على قصص الآية في «سورة البقرة» . «وما» في قوله: مَا مَنَعَكَ استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، و «لا» في قوله: أَلَّا تَسْجُدَ قيل: هي زائدة، والمعنى: ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (4/ 273) .]] : إنها زائدة [[ذكره ابن عطية (2/ 378) ، ولم يعزه لأحد.]] ، كهي في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: 29] . قال: ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ص: 75] في «ص» انتهى. وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن [لما] جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال: منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلاً على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين. وقال الطبري [[ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 440) .]] : ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس [[أخرجه الطبري (5/ 441) ، برقم: (14360) ، وبرقم: (14361) ، بلفظ: «قاس إبليس، وهو أول من قاس» ، وذكره ابن عطية (3/ 379) ، والبغوي (2/ 150) ، وذكره ابن كثير (2/ 203) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 134) عن الحسن نحوه.]] ، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس [[ينظر: الكلام على القياس في: «البرهان» لإمام الحرمين (2/ 743) ، «البحر المحيط» للزركشي (5/ 5) ، «الإحكام في أصول الأحكام للآمدي» (3/ 167) ، «سلاسل الذهب» للزركشي ص: (364) ، «التمهيد» للأسنوي ص: (463) ، «نهاية السول» له (4/ 2) ، «زوائد الأصول» له ص: (374) ، «منهاج العقول» للبدخشي (3/ 3) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري ص: (211) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (2/ 155) ، «المنخول» للغزالي ص: (323) ، «المستصفى» له (2/ 228) ، «حاشية البناني» (2/ 202) ، «الإبهاج» لابن السبكي (3/ 3) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (4/ 2) ، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (2/ 239) ، «المعتمد» لأبي الحسين (2/ 195) ، «إحكام الفصول من أحكام الأصول» للباجي ص: (528) ، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (7/ 368) ، (8/ 487) ، «أعلام الموقعين» لابن القيم (1/ 101) ، «التحرير» لابن الهمام ص: (415) ، «تيسير التحرير» لأمير باد شاه (3/ 263) «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (3/ 117) .]] . وإنما خرّج كلاهما نَهْياً عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخوارج وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجَادَّةِ. وقوله سبحانه: فَاهْبِطْ مِنْها الآية: يظهر منه أنه أهبط أولاً، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخراً بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية. وقوله: إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله والصَّغَارُ: الذل قاله السدي. ومعنى: أَنْظِرْنِي أخِّرْنِي [[وذكره ابن عطية (2/ 379) ، والبغوي (2/ 151) .]] فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظِرَةَ إلى النفخة الأولى. قاله/ أكثر الناس [[أخرجه الطبري (5/ 442) ، برقم: (14365) نحوه، وذكره ابن عطية (2/ 379) ، والبغوي (2/ 151) .]] وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع. وقوله: فَبِما يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى: فَبِعِزَّتِكَ [ص: 82] وأَغْوَيْتَنِي قال الجمهور: معناه: أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي: قاتل اللَّه القدرية لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل [[أخرجه الطبري (5/ 444) ، برقم: (14368) ، وذكره ابن عطية (2/ 380) .]] . وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المعنى: لاعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه. ومنه قوله عليه السلام: «إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ [[هي جمع طريق على التأنيث لأن الطريق تذكر وتؤنث، فجمعه على التذكير: أطرقة: كرغيف وأرغفة، وعلى التأنيث: أطرق، كيمين وأيمن. ينظر: «النهاية» (3/ 133) .]] نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال: تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ فقال: تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال: تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة [[أخرجه ابن أبي شيبة (5/ 293) ، والنسائي (6/ 21- 22) ، كتاب «الجهاد» ، باب: ما لمن أسلم وهاجر وجاهد، وابن حبان (1601- موارد) ، والطبراني في «الكبير» (7/ 138) ، من حديث سبرة بن أبي الفاكه.]] ... » الحديث. وقوله سبحانه: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين. قال الفخر [[ينظر: «تفسير الرازي» (14/ 32) .]] : وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي: على صِرَاطِكَ. أجمع النحاة على تقدير «على» في هذا الموضع. انتهى. وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك. قال ابن عباس، وقتادة: إلا أن إبليس لم يَقُلْ: إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلاً إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه عز وجل [[ينظر: «تفسير الرازي» (14/ 32) .]] . ومنه قوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: 20] فجعل أكثر العالم كفرة، ويبيّنه قوله ﷺ في الصَّحيح: «يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحداً إلى الجَنَّةَ» [[تقدم تخريجه.]] . ونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد ﷺ: «ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأسود» [[تقدم تخريجه.]] وشاكِرِينَ معناه: مُؤْمنين لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن. قاله ابن عباس وغيره [[ذكره ابن عطية (2/ 381) .]] . وقوله سبحانه: اخْرُجْ مِنْها أي: من الجنة مَذْؤُماً أي مَعِيباً مَدْحُوراً أي: مقصيًّا مبعداً. لَمَنْ تَبِعَكَ بفتح اللام هي لام قسم. وقال أبو حيان [[ينظر: «البحر المحيط» (4/ 278) .]] : الظاهر أنها المُوَطِّئة لِلْقَسَمِ [[ذكره ابن عطية (2/ 382) .]] ، و «من» شرطية في موضع رَفَعٍ بالابتداء، وحذف جواب الشرط لدلالة جَوَابِ القَسَم عليه، ويجوز أن تكون لام ابتداء، و «من» موصولة في مَوْضَعِ رَفْعٍ بالابتداء، والقَسَمُ المحذوف، وجوابه، وهو «لأملأن» في موضع خبرها. انتهى. وقال الفخر [[ينظر: «تفسير الرازي» (14/ 37) .]] : وقيل/: مَذْؤُماً، أي: محقوراً فالمَذْؤومُ المحتقر. قاله الليث. وقال ابن الأنباري [[عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، كمال الدين الأنباري، ولد في 513 هـ، من علماء اللغة والأدب وتاريخ الرجال، كان زاهدا عفيفا، لا يقبل من أحد شيئا، له مصنفات منها: «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» ، «لمعة الأدلة» ، «الميزان» ، توفي في 577 هـ. ينظر: «الفوات» (1/ 262) ، «بغية الوعاة» (301) ، «الوفيات» (1/ 279) ، «أدب اللغة» (3/ 41) ، «الأعلام» (3/ 327) .]] : المذءوم المذموم. وقال الفَرّاءُ: أَذْأَمْتُهُ إِذا عَيَّبْتُهُ. انتهى. وباقي الآية بَيِّنٌ. اللهم إنا نَعُوذُ بك من جَهْدِ البَلاَءِ، وسوء القَضَاءِ، ودَرك الشَّقَاء، وشماتة الأعداء.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب