الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ... الآية: قال ابن عباس وغيره: الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة، وأن العشر هي عَشْرُ ذي [[أخرجه الطبري (6/ 48) برقم: (15076) ، وذكره ابن عطية (2/ 449) ، وابن كثير (2/ 243) ، والسيوطي (3/ 214) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.]] الحِجَّة، وروي أن الثلاثين إِنما وعد بأن يصومَهَا، وأَنَّ مدة المناجاة هِيَ العَشْر، وحيث ورد أنَّ المواعدة أربعُونَ ليلةً، فذلك إِخبار بجملة الأمْر، وهو في هذه الآية إِخبار بتفصيله، والمعنى في قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ: أنه خلق لَهُ إِدراكاً سَمِعَ به الكلام القائم بالذات القديم الذي هو صفةُ ذاتٍ، وكلامُ اللَّه سبحانه لا يشبه كلامَ المخلوقين [[لا خلاف لأرباب الملل جميعا في كون الباري تعالى متكلما، وإنما الخلاف في معنى كلامه، وهل هو قديم أو حادث، وقد قام الدليل السمعي على إثبات الكلام لله تعالى، وهو ما نقل تواترا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أنه تعالى أمر بكذا، ونهى عن كذا، وأخبر بكذا. وكل هذا من أقسام الكلام، وليس في إثبات الكلام للواجب تعالى بما نقل تواترا عن الأنبياء دور لأن ظهور المعجزة كاف في الدلالة على صدقهم في دعواهم النبوّة، وليس تصديقه تعالى لهم كلاما حتى يجيء الدور، بل تصديقه لهم بإظهار المعجزة على صدق دعواهم، سواء كانت المعجزة من جنس الكلام من حيث كونه معجزا، كالقرآن أو كانت شيئا آخر. والأشاعرة يقولون: كلام الواجب وصف له، ووصف القديم قديم. ويريدون من «الكلام» المعنى النفسي. فكلامه تعالى صفة أزلية قائمة بذاته تعالى منافية للسكوت والآفة كما في الخرس والطفولية، ليست من جنس الأصوات والحروف، هو بها أمر ناه. وتلك الصفة واحدة في ذاتها وإن اختلفت العبارات الدالة عليها كما إذا ذكر الله تعالى بألسنة مختلفة. وخالفت الفرق جميعها الأشاعرة فيما ذكر، فقد اتفقوا على نفي كونه صفة نفسية. حيث قالوا: هو اللفظ المنتظم من الحروف المسموعة الدالة على المعاني المقصودة. وافترقت هذه الطوائف إلى ثلاثة فرق، وزعموا أنه لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف المسموعة الدالة على المعاني المقصودة، وأن الكلام النفسي غير معقول. ينظر: «تحقيق صفة الكلام» لشيخنا حافظ محمد مهدي.]] ، وليسَ في جهة مِنَ الجهاتِ، وكما هو موجودٌ لا كالموجودات، ومعلومٌ لا كالمعلومات كذلك كلامه لا يُشْبِهُ الكلامَ الذي فيه علاماتُ الحدوثِ، وجَوابُ «لَمَّا» في قوله: قالَ، والمعنى أنَّه لمَّا كلَّمه اللَّه عزَّ وجلَّ، وخصَّه بهذه المرتبة، طَمَحَتْ همته إِلى رُتْبة الرؤْية، وتشوَّق إِلى ذلك، فسأل ربّه الرؤية، ورؤية الله عز وجلّ عند أهل السنة جائزةٌ عقْلاً لأنه من حيثُ هو موجودٌ تصحُّ رؤيته قالوا: لأن الرؤية للشَّيْءِ لا تتعلَّق بصفةٍ مِنْ صفاته أَكْثَرَ من الوُجُود، فموسى عليه السلام لم يسأَلْ ربَّه محالاً، وإِنما سأله جائزاً، وقوله سبحانه: لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ... الآية: ليس بجواب مَنْ سأل محَالاً، و «لَنْ» تنفي الفَعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسى أبداً، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرى بالحديثِ المتواتر أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرَى برؤيته، قُلْتُ: وأيضاً قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: 22، 23] ، فهو نصّ في الرؤية بيّنه ﷺ ففي «الترمذيُّ» عن ابن عُمَرَ، قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة» ، ثم قرأ رسول الله ﷺ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: 22، 23] [[أخرجه الترمذي (5/ 431) كتاب «التفسير» باب: «ومن سورة القيامة» ، حديث (3330) ، والطبري في «تفسيره» (12/ 344) برقم: (35666) كلاهما من طريق إسرائيل عن ثوير عن عبد الله بن عمر به. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد رواه غير واحد عن إسرائيل مثل هذا مرفوعا، ورواه عبد الملك بن أبجر، عن ثوير، عن ابن عمر من قوله، ولم يرفعه. اهـ. قلت: بل رواه عبد الملك بن أبجر، عن ثوير، عن ابن عمر مرفوعا. أخرجه الحاكم (2/ 509) من طريق عبد الملك به وقال: تابعه إسرائيل بن يونس، عن ثوير، عن ابن عمر. وقال أيضا: وثوير بن أبي فاختة، وإن لم يخرجاه، فلم ينقم عليه غير التشيع. وتعقبه الذهبي فقال: بل هو واهي الحديث. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 470) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والآجري في «الشريعة» ، والدارقطني في «الرؤية» ، وابن مردويه، واللالكائي في «السنة» .]] ، قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث مِنْ غير وجه مرفوعاً، وموقوفاً. انتهى. قال مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال له: يا موسى، لن تراني، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل، وهو أقوى منك، وأَشَدُّ فإِن استقر وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي [[أخرجه الطبري (6/ 54) برقم: (15100) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 450) ، والسيوطي (3/ 221) ، وعزاه لعبد بن حميد.]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 450) .]] : فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالاً، قلتُ: وقول ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 450) .]] : ولو بَقِينَا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسَى أبداً ولا في الآخرة، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له رحمه اللَّه، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ «لن» لا تقتضي النفي المؤبّد [[لن: لا يلزم من نفيها التأبيد، وإن كان بعضهم فهم ذلك، حتّى إن ابن عطية قال: فلو بقينا على هذا النفي بمجرده لتضمن أن موسى لا يراه أبدا، ولا في الآخرة، لكن ورد من جهة أخرى الحديث المتواتر أن أهل الجنة يرونه، قلت: وعلى تقدير أنّ «لن» ليست مقتضية للتأبيد، فكلام ابن عطية وغيره ممن يقول: إنّ نفي المستقبل بعدها يعمّ جميع الأزمنة المستقبلة صحيح، لكن لمدرك آخر، وهو أن الفعل نكرة، والنكرة في سياق النفي تعمّ، وللبحث فيه مجال. والاستدراك في قوله: وَلكِنِ انْظُرْ واضح. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: وَلكِنِ انْظُرْ؟ قلت: اتصل به على معنى أن النظر إليّ محال فلا تطلبه، ولكن اطلب نظرا آخر، وهو أن تنظر إلى الجبل. وهذا على رأيه من أن الرؤية محال مطلقا في الدنيا والآخرة. ينظر: «الدر المصون» (3/ 338- 339) .]] . قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ/ في شرح التَّسْهِيلِ: «وَلَنْ» كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعاً عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وذكر الزمخشريُّ في «أُنْمُوذجِهِ» أَنَّ «لَنْ» لتأبيدِ النفْي، وحاملُهُ على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رسول الله ﷺ واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [طه: 91] ، وهو واضح. انتهى، ونحوه لابْنِ هشامٍ، ولفظه: ولا تفيدُ «لَنْ» توكيدَ المنفيِّ خلافاً للزمخشريِّ في «كشافه» ، ولا تأْبِيدَهُ، خلافاً له في «أنموذجه» ، وكلاهما دعوى بلا دليلٍ قيل: ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها ب «اليوْم» في فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: 26] ولكان ذكْرُهُ «الأَبَدَ» في وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: 95] تَكْراراً، والأصل عدمه. انتهى من «المغني» . وقوله سبحانه: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ: التجلِّي: هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ، وقوله: جَعَلَهُ دَكًّا، المعنى: جعله أرضاً دكًّا، يقال: ناقةٌ دَكَّاء، أَيْ: لا سنامَ لها، وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، أي: مغشيًّا عليه، قاله جماعة من المفسِّرين. قال ص: وَخَرَّ معناه سقَطَ، وقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك كذا فسَّره النبيّ ﷺ، وقوله: تُبْتُ إِلَيْكَ، معناه: منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا، وأنْتَ لا تبيحها فيها. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 452) .]] : ويحتمل عنْدي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدَّة هَوْل المَطْلَعَ، ولم يعن التَّوْبَة مِنْ شيء معيَّن، ولكنَّه لفظٌ لائقٌ بذلك المقامِ، والذي يتحرَّز منه أَهْلُ السنة أنْ تكون تَوْبَةً من سؤال المُحَال كما زعَمَتِ المعتزلةُ، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، أي: مِنْ قومه قاله ابن عباس [[أخرجه الطبري (6/ 56) برقم: (15110) ، وبرقم: (15111) وذكره ابن عطية (2/ 452) ، وابن كثير (2/ 245) ، والسيوطي (3/ 222) ، وعزاه لابن جرير، وابن مردويه، والحاكم وصححه.]] وغيره، أَو مِنْ أَهْلِ زمانه إِنْ كان الكُفْر قد طَبَّق الأرض، أو أولُ المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا قاله أبو العالية [[ذكره ابن عطية (2/ 452) ، وابن كثير (2/ 245) ، والسيوطي (3/ 223) ، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي الشيخ.]] . وقوله سبحانه: فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فيه تأديبٌ، وتقنيعٌ، وحملٌ على جادَّة السلامة، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حاله، فإِن جميع النّعم من عند الله سبحانه بمقدار، وكُلُّ الأمور بِمَرْأًى منه ومَسْمَعٍ، وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أي: مِنْ كل شيءٍ يَنْفَعُ في معنى الشرْع، وقوله: وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ مثُلُه، وقوله: بِقُوَّةٍ، أي: بجدٍّ وصبرٍ عليها قاله ابن عباس [[أخرجه الطبري (6/ 58) برقم: (15122) ، وذكره ابن عطية (2/ 452) ، والسيوطي (3/ 233) ، وعزاه لابن جرير.]] ، وقوله: بِأَحْسَنِها يحتملُ معنيين. أحدهما: التفضيلُ كما إِذا عرض مثلاً مباحانِ كالعفو والقِصَاصِ، فيأخذون بالأحْسنِ منهما. والمعنى الثاني: يأخذون بَحَسن وَصْفِ الشريعة بجملتها كما تقول: اللَّه أَكْبَرُ، دون مقايسة. وقوله سبحانه: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ، الرؤية هنا: رؤيةُ عَيْن هذا هو الأظهر إِلا أن المعنى يتضمَّن الوعد للمؤمنين، والوعِيدَ للفاسقين، ودارٌ الفاسقين: قيل: هي مِصْرُ، والمراد آل فرعون، وقيل: الشام، والمراد العَمَالِقَةُ وقيل: جَهَنَّم، والمرادُ الكَفَرَةُ بموسى، وقيل غير هذا ممَّا يفتقرُ إِلى صحة إِسناد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب