الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ... الآية. هذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تَقْرِيعٌ، وتوبيخ، وزيادة في الكَرْبِ، وهو بأن يشرفوا عليهم، ويخلق الإدراك في الأسماع والإبصار. وقوله سبحانه: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أي: أعلم معلم، والظالمون هنا هم الكافرون. ت: حكي عن غير وَاحِدٍ أن طاوس دخل على هشام بن عبد الملِكِ [[هشام بن عبد الملك بن مروان: من ملوك الدولة الأموية في الشام. ولد في دمشق وبويع فيها بعد وفاة أخيه يزيد سنة 105 هـ، خرج عليه زيد بن علي بن الحسين سنة 120 هـ بأربعة عشر ألفا من أهل الكوفة، فوجه إليه من قتله وفلّ جمعه، نشبت في أيامه حرب هائلة مع خاقان الترك في ما وراء النهر، كان حسن السياسة، يقظا في أمره، يباشر الأعمال بنفسه. ولد سنة 71 هـ، وتوفي في سنة 125 هـ. انظر: «ابن الأثير» (5/ 96) «الطبري» (8/ 283) ، «اليعقوبي» (3/ 57) ، «ابن خلدون» (3/ 80) ، «الأعلام» (8/ 86) .]] فقال له: اتّق الله، واحْذَرْ يوم الأذان، فقال: وما يوم الأذان؟ فقال قوله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ فصعق هشام، فقال طاوس: هذا ذُلُّ الوَصْفِ، فكيف ذل المُعَايَنَةِ انتهى. وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي: يطلبونها، أو يطلبون لها، والضمير في يَبْغُونَها عائد على السَّبيل. وقوله سبحانه: وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ. وَبَيْنَهُما: أي: بين الجنة والنار، ويحتمل بين الجَمْعَيْنِ، والحِجَابُ هو السور الذي ذكره الله عز وجل في قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ [الحديد: 13] . قال ابن عباس، وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار [[أخرجه الطبري (5/ 498) برقم: (14687) ، (14688) وبرقم: (14686) ، وذكره ابن عطية (2/ 404) ، وابن كثير (2/ 216) ، وذكره السيوطي (3/ 160) ، (3/ 161) .]] . وقال ابن عباس أيضاً: هو تَلٌّ بين الجنة والنار» . وذكر الزّهراويّ حديثا أن رسول الله ﷺ قال: «إن أُحُداً جَبَلٌ يحبنا ونحبُّه، وإِنَّه يَوْمَ القِيَامَةِ يمثلُ بينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَحْتَبِسُ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ، يعرفون كُلاًّ بِسِيماهُمْ، هُمْ إِن شَاءَ اللَّه من أَهْلِ الجَنَّةِ» [[الحديث بهذا اللفظ لم أجده أما قوله ﷺ: «أحد جبل يحبنا ونحبه» فثابت من قول النبي ﷺ.]] . والأعراف جمع عرف، وهو المرتفع من الأرض، ومنه عُرْفُ الفرس، وعرف الديك لعلوِّهُمَا. وقال بعض الناس: سُمِّيَ الأعراف أَعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 404) .]] : وهذه عُجْمَةٌ، وإنما المراد على أعراف ذلك الحِجَاب، أي أعاليه. وقوله: رِجالٌ قال الجمهور: إنهم رِجَالٌ من البَشَرِ، ثم اختلفوا في تعيينهم، فقال شرحبيل بن سَعْدٍ: هم المستشهدون في سَبِيلِ اللَّه الذين خَرَجُوا عُصَاةً لآبائِهِم [[أخرجه الطبري (5/ 501) برقم: (14711) ، وابن عطية (2/ 404) ، والبغوي (2/ 162) بنحوه.]] . وذكر الطَّبَرِيُّ في ذلك/ حَدِيثاً عن النبي ﷺ وأنه تعادل عُقُوقُهم، واستشهادهم [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 501) برقم: (14713) والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 163) ، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأحمد بن منيع، والحارث بن أبي أسامة، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب «الأضداد» ، والخرائطي في «مساوئ الأخلاق» ، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث» .]] . وقال ابن عباس، وغيره: هم قوم اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وسيئاتهم [[أخرجه الطبري (5/ 500) برقم: (14700- 14705- 14706) ، وذكره ابن عطية (2/ 404) ، والبغوي (2/ 162) ، وابن كثير (2/ 216) ، والسيوطي (3/ 163) .]] ، ووقع في «مسند خيثمة [[الإمام الثّقة المعمّر، محدّث الشّام، أبو الحسن، خيثمة بن سليمان بن حيدرة بن سليمان، القرشي، الشّامي، الأطرابلسي، مصنّف «فضائل الصّحابة» . كان رحّالا جوّالا صاحب حديث. وثّقه الخطيب، وقال: ثقة ثقة. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (15/ 412- 413) ، «العبر» (2/ 262) ، «النجوم الزاهرة» (3/ 312) .]] بن سليمان» في آخر الجزء الخامس عشر عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «تُوضَعُ المَوَازِينُ يوم القيامة، فتوزن الحَسَنَاتُ والسَّيِّئَاتُ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ على سيئاته مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل الجَنَّةَ، ومن رَجَحَتْ سيئاته على حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل النار. قيل: يا رَسُولَ اللَّه فمن استوت حَسَنَاتُهُ وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأَعْرَافِ لم يَدْخُلوها وهم يَطْمَعُون» [[ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 162) ، وعزاه إلى ابن عساكر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]] . وقيل غير هذا من التَّأويلات. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 404) .]] : واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السُّور، أو على مواضع مرتفعة عن الفَرِيقَيْنِ حيث شاء اللَّه تعالى رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار. ويَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ، أي: بِعَلاَمَاتِهِمْ من بياض الوجوه، وحُسْنِهَا في أهل الجنة، وسَوَادِهَا وقبحها في أهل النَّارِ إلى غير ذلك في حَيِّزِ هؤلاء، وحيز هؤلاء. وقوله: لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ المراد به: أهل الأعراف فقط، وهو تأويل ابن مَسْعُودٍ، والسدي، وقتادة، والحسن [[ذكره ابن عطية (2/ 405) .]] وقال: واللَّه ما جعل اللَّه ذلك الطَّمَعَ في قلوبهم إلا لخير أَرَادَهُ بهم. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 405) .]] : وهذا هو الأظهر الأليق مما قيل في هذه الآية، ولا نَظَرَ لأَحَدٍ مع قول النبي ﷺ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.