الباحث القرآني

وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ... الآية خطاب عام يقتضي التوحيد، والحجة عليه بدلائله، وجاء في التفسير والأحاديث أن اللَّه سبحانه ابتدأ الخَلْقَ يوم الأَحدِ، وكملت المَخْلُوقَاتُ يوم الجمعة، وهذا كله والساعة اليَسِيرَةُ في قُدْرَةِ اللَّه سبحانه سواء. قال م: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «ستة» أصلها سِدْسَة، فأبدلوا من السِّين تاء، ثم أدغموا الدال في التاء، وتصغيره سديس وسديسة. انتهى. وقوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ معناه عند أبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين: الملك، والسلطان [[ذكره ابن عطية (2/ 408) .]] ، وخصّ العرش بالذِّكْرِ تشريفاً له إذ هو أَعْظَمُ المخلوقات. وقوله سبحانه: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ «ألا» : استفتاح كلام. وأخذ المفسرون «الخَلْق» بمعنى المخلوقات، أي: هي كلها مِلْكُهُ، واختراعه، وأخذوا الأمر مَصْدَراً من أمر يأمر. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 409) .]] : ويحتمل أن تؤخذ لفظة «الخَلْقِ» على المصدر من: خلق يخلق خَلْقاً، أي: له هذه الصفة إذ هو المُوجِدُ للأشياء بعد العَدَمِ، ويؤخذ الأمر على أنه واحد الأمورِ، فيكون بمنزلة قوله: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: 123] وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [البقرة: 210] . وكيف ما تَأَوَّلَتِ الآية، فالجميع للَّه سبحانه. وتَبارَكَ معناه: عظم، وتعالى، وكثرت بركاته، ولا يوصف بها إلا الله سبحانه. وتَبارَكَ لا يَتَصَرَّفُ في كلام العرب، فلا يقال منه: يتبارك، والْعالَمِينَ جمع عالم. قوله عز وجل: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ هذا أمر بالدعاء، وتعبد به، ثم قرن سبحانه بالأَمْرِ به صفات تحسن معه. وقوله: تَضَرُّعاً معناه بخشوع، واستكانة، والتضرع لفظة تَقْتَضِي الجَهْرَ، لأن التضرع إنما يكون بإشَارَاتِ جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب، وخُفْيَةً يريد في النفس خاصة، وقد أثنى اللَّه سبحانه على ذلك في قوله سبحانه: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [مريم: 3] ، ونحو هذا قول النبي ﷺ: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ» [[أخرجه أحمد (1/ 187) ، وفي «الزهد» ص: (10) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» ص:]] والشريعة مقررة أن السر فيما لم يفرض من أعمال البر أعظم أَجْراً من الجَهْرِ. ت: ونحو هذا لابن العربي لما تكلَّمَ على هذه الآية، قال: الأَصْلُ في الأعمال الفرضية الجَهْرُ، والأصل في الأعمال النَّفْلية السِّرُّ، وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرِّيَاءِ، والتَّظَاهُر بذلك في الدنيا، والتفاخر على الأصحاب بالأعمال، وقلوب الخَلْقِ جُبِلَتْ بالمَيْلِ إلى أهل الطاعة. انتهى/ من «الأحكام» . وقوله سبحانه: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عامّاً، والاعتداء في الدعاء على وجوه منها: الجَهْرُ الكثير، والصياح، وفي «الصحيح» عنه ﷺ: «أيها النَّاسُ ارْبَعُوا على أَنفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لاَ تدعون أصمّ ولا غائبا» [[برقم: (137) ، وأبو يعلى (2/ 81- 82) برقم: (731) ، وابن حبان (2323- موارد) ، من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن سعد بن أبي وقاص به. وذكره الهيثمي في «المجمع» (10/ 84) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، وقد وثقه ابن حبان، وقال: روى عن سعد بن أبي وقاص. قلت: وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح.]] . ومنها: أن يدعو في مُحَالٍ، ونحو هذا من التشطّط وروي عن النبي ﷺ أنه قالُّ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعَاءِ، وحَسْبُ المرء أن يَقُولَ: اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّب إِلَيْهَا من قَوْلٍ، أو عَمَلٍ، وأَعُوذُ بك من النَّارِ، وما قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلِ، أو عَمَلٍ» [[أخرجه أحمد (1/ 172، 182) ، وأبو داود (1/ 466- 467) كتاب «الصلاة» باب: الدعاء، حديث (1480) ، والطبراني في «الدعاء» (55) ، وابن أبي شيبة (10/ 288) ، وأبو يعلى (10/ 71) برقم: (715) من حديث سعد بن أبي وقاص.]] . وقال البخاري: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي: في الدعاء وغيره. انتهى. ت: قال الخطابي: وليس معنى الاعتداء الإكثار، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدّعاءِ» [[أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (4/ 452) من طريق يوسف بن السفر عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعا. وأسند العقيلي عن البخاري قوله في يوسف بن السفر: منكر الحديث، والحديث موضوع آفته يوسف هذا.]] ، وقال: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَكْثرْ، فإنما هُوَ يَسْأَلُ رَبَّهُ» [[أخرجه البخاري (11/ 144) كتاب «الدعوات» باب: ليعزم المسألة فإنه لا مكره له، حديث (6338) ومسلم (4/ 2063) كتاب «الذكر والدعاء» باب: العزم، حديث (9/ 2679) ، وأحمد (2/ 486) وأبو داود (1/ 467) كتاب «الصلاة» ، باب: الدعاء، حديث (1483) من حديث أبي هريرة.]] . انتهى. وروى أبو داودَ في «سُنَنَهِ» عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سَيَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ قوم يَعْتَدُونَ في الطّهر والدّعاء» [[أخرجه أبو داود (1/ 72) كتاب «الطهارة» باب: الإسراف في الماء، حديث (96) ، وابن ماجه (2/ 1271) كتاب «الدعاء» باب: كراهية الاعتداء في الدعاء، حديث (3864) ، وأحمد (4/ 87) (5/ 55) ، وابن أبي شيبة (10/ 288) ، والحاكم (1/ 162) ، وابن حبان (6764) ، والطبراني في «الدعاء» (59) -- كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي دغامة، عن عبد الله بن مغفل به. وأخرجه أحمد (4/ 86) من طريق حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أبي دغامة، عن ابن المغفل به.]] انتهى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.