الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قرأ الجمهور: «وإلى ثَمُودَ» بغير صَرْفٍ [[ينظر: «الكشاف» (2/ 120) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 420) ، و «البحر المحيط» (4/ 330) ، و «الدر المصون» (3/ 292) .]] على إرادة القبيلة، وقرأ يحيى بن وثَّاب [[ينظر: «الشواذ» ص: (50) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 420) ، و «البحر المحيط» (4/ 330) ، و «الدر المصون» (3/ 292) ، و «التخريجات النحويّة» (154) .]] والأعمشُ: «وإلى ثَمُودٍ» بالصرف على إرادة الحيِّ والقراءتان فصيحتان، مستعملتان، وقد قال تعالى: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ [هود: 68] ، وأَخاهُمْ عطْفٌ على «نوح» ، والمعنى: وأرسلنا إِلى ثمود أخاهم، وهي أخوَّة نسب، وهم قومٌ عربٌ، فَهُودٌ وَصَالِحٌ عربيَّان، وكذلك إِسماعيل وشُعَيْب كذا قال الناس، وفي أمر إِسماعيل نَظَرٌ. ت: النظرُ الذي أشار إليه لا يخفى عليك وذلك أن إِسماعيل والدهُ إبراهيم عليه السلام أَعْجميٌّ، وتعلَّم إسماعيل العربيةَ من العرب الَّذين نَزَلُوا عليه بمكَّة حَسَب ما ذكره أهْل السيرة فهذا وجْهُ النظر الذي أشار إليه، وفي نظره رحمه الله نَظَرٌ يمنعني مِنَ البَحْث معه ما أنا له قاصدٌ من الإيجاز والاختصار، دون البَسْط والانتشار، نَعَمْ خَرَّج أبو بكر الآجُرِّيُّ من حديث أَبي ذر رضي اللَّه عنه عن النبيّ ﷺ قَالَ: «وأَرْبَعَةٌ من العَرَبِ: هُودٌ، وَشُعَيْبٌ، وَصالحٌ وَنَبيُّكَ، يَا أَبَا ذَرًّ» انتهى، ولم يذكر إِسماعيل، فهذا الحَديثُ قد يَعْضُدُ ما قاله ع: وصالحٌ عليه السلام هو صالحُ بنُ عُبَيْدِ بن عَابِرِ بنْ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ كذا ذكر [[ذكره ابن عطية (2/ 421) .]] مكِّيٌّ. قال وهْبٌ [[ذكره ابن عطية: (2/ 421) ، وابن كثير (2/ 230) بنحوه، والسيوطي (3/ 185) بنحوه، وعزاه لوهب.]] : بعثه اللَّه حين راهق الحُلُمَ، ولمَّا هلك قومُهُ، ارتحل بمَنْ معه إِلى مكَّة، فأقاموا بها حتى ماتوا فقُبُورُهُمْ بَيْنَ دار الندوة والحِجْر، أي: كما ارتحلَ هودٌ بمَنْ معه إِلى مكَّة صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين. وقوله: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: آيةٌ أو حجة أو موعظة بيِّنة من ربكم، قال بعض الناس: إِن صالحاً جاء بالناقة من تلقاء نَفْسه. وقال الجمهور: بل كانَتْ مقْتَرَحَةً، وهذا أليقُ بما ورد في الآثارِ من أمرهم، رُوِيَ أنَّ قومه طَلَبُوا منْهُ آية تضْطَرُّهم إِلى الإِيمان، وقالوا: يا صالح، إن كنْتَ صادقاً، فادع لنا ربَّكَ يُخْرِجْ لنا من هذه الهَضْبَةِ، وفي بعضِ الروايات مِنْ هذه الصَّخْرَةِ- لِصَخَّرةٍ بالحِجْر- نَاقَةً عُشَراءَ، فَدَعَا اللَّهَ، فتمخَّضت تلك الهَضْبةُ، وانشقت عن ناقةٍ عظيمة، وروي أنها كانَتْ حاملاً، فولدَتْ سَقَبَها المشهور. ورُوِيَ أنه خرج معها فَصِيلُها من الصخْرة. وقيل لها: ناقَةُ اللَّهِ تشريفاً لها، وتخصيصاً، وهي إِضافةُ خَلْقٍ إلى خالقِ، وجعل اللَّه لها شِرْباً يوماً، ولهم شِرْب يومٍ، وكانت آية في شُرْبها وحَلْبها. قال المفسِّرون: كانت خلقاً عظيماً تأتي إِلى الماء بين جبلين، فيزحمانها من العَظْم، وقاسَمَتْ ثمود في الماء يوماً بيومٍ، فكانت الناقةُ تَرِدُ يومها، فتستوفي ماءَ بئْرهم شُرْباً، ويحلبونها ما شَاؤوا من لَبَنٍ، ثُم تمكُثُ يوماً، وترد بعد ذلك غِبًّا، فاستمر ذلك ما شاء اللَّه حتى ملَّتها ثمود، وقالوا: مَا نَصْنَعُ باللَّبَنِ الماءُ أَحبُّ إِلينا منه، وكان سببُ المَلَلِ فيما روي: أنها كانَتْ تصيفُ في بطن الوادِي، وادي الحجر/ وَتَشْتُو في ظاهره، فكانت مواشيهم تفرُّ منها، فتمالؤوا على مَلَلِ الناقةِ، وَرُوِيَ أن صالحاً أوحى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّ قومك سَيَعْقُرونَ الناقة، وينزلُ بهم العذابَ عند ذلك، فأخبرهم بذلك، فقالوا: عِيَاذاً بِاللَّهِ أنْ نفعل ذلك، فقال: إِنْ لم تفعلوا أنْتُمْ أوْشَكَ أنْ يولَدَ فيكم مَنْ يفعله، وقال لهم صفةَ عَاقِرِها: أَحْمرُ، أشْقَرُ، أَزْرَقُ، فَوُلِدَ قُدَارٌ على الصفة المذكورة، فكان الذي عَقَرها بالسيف، وقيل: بالسهم في ضَرْعها، وهَرَب فَصِيلها عند ذلك حتَّى صَعِدَ على جبلٍ يقال له القَارة، فَرَغَا ثلاثاً، فقال: يا صَالحُ، هذا ميعادُ ثلاثةِ أيامٍ للعذابِ، وأمرهم قبل رُغَاءِ الفَصِيل أنْ يطلبوه عسى أنْ يصلوا إِلَيْهِ، فيندفع عنهم العذابُ به، فرامُوا الصعودَ إِلَيْهِ في الجبل فارتفع الجبلُ في السماء حتى ما تناله الطيرُ وحينئذٍ رغا الفصيلُ، وروي أنَّ صالحاً عليه السلام قال لهم، حين رغا الفَصيلُ: سَتَصْفَرُّ وجوهُكم في اليوم الأولَ، وتحمرُّ في الثاني، وتسودُّ في الثالث، فلمَّا ظهرت العلامَاتُ التي قال لهم، أيْقَنُوا بالهلاك، واستعدوا، ولَطَّخُوا أبدانهم بالمُرِّ، وحفروا القبورَ، وتحنَّطوا وتكفَّنوا في الأنطاع، فأَخذتْهم الصيحةُ، وخرج صالحٌ ومَنْ آمن معه حتى نَزَلَ رَمْلَةَ فلسطينَ، وقد أكثر الناسُ في هذا القصص، وهذا القَدْر كافٍ، وَمِنْ أراد استيفاء هذا القصص، فليطالِعِ الطبريَّ [[ينظر: الطبري في «تفسيره» (5/ 530، 531) .]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 422) .]] : وبلادُ ثَمُود هِيَ بَيْنَ الشامِ والمدينة، وهي التي مَرَّ بها رسولُ الله ﷺ مع المسلمين في غَزْوَةِ تَبُوك [[«غزوة تبوك» : في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة- لما رجع رسول الله ﷺ من حصار الطائف إلى المدينة بلغه أن هرقل ملك الروم ومن عنده من متنصرة العرب قد حشدوا له جمعا كثيرا يريدون غزوة في عقر داره، فأراد أن يلاقيهم على حدود بلادهم قبل أن يغشوه على غرة، فسار بجيشه حتى وصل تبوك، وكانت الروم قد بلغها أمر هذا الجيش وقوته، فآثرت الانسحاب بجيشها، لتتحصن في داخل بلاد الشام، فرأى النبي ﷺ أن من الحكمة ألا يتبعهم داخل بلادهم، فلم يتبعهم. وهناك جاءه يوحنا بن رؤبة، فصالحه على الجزية كما صالحه أهل «جرباء» وأهل «أذرح» من بلاد الشام، وأرسل رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب «دومة الجندل» ، فأتى به خالد أسيرا بعد أن قتل أخاه، فحقن رسول الله ﷺ دمه، وصالحه على الجزية وأخلى سبيله. وأقام بضع عشرة ليلة لم يقدم عليه الروم ولا العرب المتنصرة فعاد إلى المدينة. ولما بلغ ملك الروم ما فعله يوحنا أمر بقتله، وصلبه عند قريته. لم يكن من المعقول بعد ذلك أن يتهاون المسلمون فيما أصابهم من قتل رسولهم وأبطالهم ومعاهدهم الذي آمنوه على نفسه وماله بأخذ الجزية، وإعطاء العهد، كما أنه لم يكن معقولا أن الروم بعد أن رأوا حضور المسلمين للقصاص يكفون عن مناجزتهم والإيقاع بهم أينما وجدوا لذلك سبيلا. لهذا عاد النبي ﷺ في آخر حياته إلى تجهيز جيش آخر تحت إمرة أسامة بن زيد، ولكن لم يكد يتم أمره حتى قبض الرسول صلوات الله عليه، وانتقل إلى الرفيق الأعلى، وتولى أمر المسلمين بعده صاحبه أبو بكر، فارتأى رضي الله عنه أن الحزم في إنفاذ هذا الجيش حتى لا يطمع في الإسلام أعداؤه، ويتألب عليه خصومه، وتوالت بعد ذلك حروب الروم حتى فتح المسلمون بلادهم في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بعد نضال عنيف، وحروب كثيرة.]] فقال: «لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلاَّ أَنَّ تَكُونُوا بَاكينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ، ثُمَّ اعتجر [[الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفها على رأسه، ويردّ طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه. ينظر: «النهاية» (3/ 185) .]] بِعمامَةٍ» ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حتى جَازَ الوادي ﷺ. ت: ولفظُ البخاريِّ: ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السّير ... الحديث [[أخرجه البخاري (7/ 731) كتاب «المغازي» باب: نزول النبي ﷺ الحجر، حديث (4419) ، ومسلم (4/ 2286) كتاب «الزهد والرقائق» باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، حديث (39/ 2980) ، وأبو يعلى (9/ 425) رقم (5575) كلهم من طريق الزهري عن سالم، عن أبيه. وأخرجه البخاري (7/ 731) كتاب «المغازي» باب: نزول النبي ﷺ الحجر، حديث (4420) ، ومسلم (4/ 2285) كتاب «الزهد والرقائق» باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، حديث (38/ 2980) ، -- وأحمد (2/ 9، 58) ، والحميدي (2/ 290) برقم: (653) كلهم من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.