الباحث القرآني

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ هذا خطابٌ لجميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخياناتِ كلَّها قليلَهَا وكثيرَهَا، والخيانةُ: التنقُّص للشيءِ باختفاء، وهي مستعْمَلَةٌ في أنْ يفعل الإِنسان خلاف ما يَنْبَغِي مِنْ حفظ أمْرٍ مَّا، مالاً كان أو سرًّا أو غير ذلك، والخيانة للَّه عَزَّ وجل: هي في تنقّص أوامره في سِرٍّ. وقوله: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ. قال الطبريُّ [[ينظر: «الطبري» (6/ 221) .]] : يحتمل أن يكون داخلاً في النهيْ كأنه قال: لا تخونوا اللَّه والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكُمْ، ويحتمل أن يكون المعنَى: لا تخونوا اللَّه والرسول فذلك خيانةٌ لأماناتكم. وقوله: فِتْنَةٌ ، يريد: محنةً واختبارا وامتحانا ليرى كَيْفَ العملُ في جميع ذلك. وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ، يريد: فوز الآخرة، فلا تَدَعُوا حظَّكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإِن المذخور للآخرة أعظم أجرا. قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ... الآية: وعْدٌ للمؤمنين بشرط التقوى والطاعة لله سبحانه، ويَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً: معناه: فرْقاً بين حقِّكم، وباطل مَنْ ينازعكم بالنصْر والتأييد، وعبَّر قتادة، وبعضُ المفسّرين عن «الفرقان» هاهنا بالنجاةِ [[أخرجه الطبري (6/ 224) برقم: (15963) ، وذكره ابن عطية (2/ 518) ، والبغوي عن عكرمة (2/ 243) ، وابن كثير (2/ 301) ، والسيوطي (3/ 324) .]] ، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: معناه: مَخْرَجاً [[أخرجه الطبري (223) برقم: (1590، 15958) ، وذكره ابن عطية (2/ 518) .]] ، ونحو هذا مما يعمه ما ذكَرْناه، وقد يوجَدُ للعرب استعمال «الفرقان» ، كما ذكر المفسِّرون وعلى ذلك شواهد منها قول الشاعر: [الطويل] وَكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طَالِبِي ... وَمَاليَ مِنْ كَأْسِ المَنيِّةِ فُرْقَانُ [[ينظر البيت في: «البحر المحيط» (4/ 481) ، و «الدر المصون» (414) ، و «القرطبي» (7/ 396) .]] ت: قال ابن رُشْد: وأَحْسَنُ ما قيلَ في هذا المعنى قوله تعالى: يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً أي: فصلا بين الحق والباطل حتى يعرفوا ذلك بقلوبهم، ويهتدوا إليه. انتهى من «البيان» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.