الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ... الآية: قالتْ فرقة: إِن المؤمنين الذين/ كانوا بالبادية سكَّاناً ومبعوثين لتعليم الشَّرْع، لما سمعوا قولَ اللَّهَ عَزَّ وجلَّ: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ ... الآية [التوبة: 120] ، أهمّهم ذلك، فنفروا إلى النبيّ ﷺ خشية أنْ يكونُوا عُصَاةً في التخلُّف عن الغَزْوِ، فنزلَتْ هذه الآية في نَفْرِهِمْ ذلك. وقالتْ فرقة: سَبَبُ هذه الآية أن المنافقين، لما نزلَتِ الآيات في المتخلِّفين، قالوا: هَلَكَ أَهْلُ البوادِي، فنزلَتْ هذه الآية مقيمةً لعُذْرِ أهل البوادي. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 96) .]] : فيجيء قوله: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ: عمومٌ في اللفظ، والمراد به في المَعنَى الجمهورُ والأكْثَرُ، وتجيءُ هذه الآية مبيِّنة لذلك. وقالتْ فرقةٌ: هذه الآية ناسِخَةٌ لكُلِّ ما ورد من إِلزام الكافَّة النَّفير والقِتَال، وقال ابنُ عبَّاس ما معناه: أَنَّ هذه الآية مختصَّة بالبعوثِ والسَّرايا [[أخرجه الطبري (6/ 514) برقم: (17485) نحوه، وذكره ابن عطية (3/ 96- 97) ، والبغوي في «تفسيره» (2/ 339) نحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 521) نحوه، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «المدخل» .]] والآية المتقدِّمة ثابتةُ الحُكْم مع خروج رسول الله ﷺ في الغَزْو، وقَالَتْ فرقةٌ: يشبه أنْ يكون التفقّه في الغزو وفي السرايا، لِمَا يَرَوْنَ من نُصْرَةِ اللَّه لدينِهِ، وإِظهارِهِ العَدَد القليلَ من المؤمنين على الكثير من الكافرين، وعِلْمِهم بذلك صحَّة دِينِ الإِسلام ومكانَتِهِ. ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 97) .]] : والجمهور على أن التفقُّه إِنما هو بمشاهدة رسول الله ﷺ وصُحْبَته، وقيل غير هذا. ت: وَصحَّ عنه ﷺ، أنه قَالَ: «لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وإذا استنفرتم فانفروا» [[ورد ذلك من حديث ابن عباس، وعائشة، ومجاشع بن مسعود، وصفوان بن أمية، ويعلى بن أمية التيمي، وقول ابن عمر، وقول عمر، وحديث أبي سعيد الخدري. فأما حديث ابن عباس: فأخرجه البخاري (6/ 45) في «الجهاد» باب: وجوب النفير (2825) ، (6/ 219) باب: لا هجرة بعد الفتح (3077) ، ومسلم (3/ 1487) في «الإمارة» باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام، والجهاد، والخير، وبيان معنى: لا هجرة بعد الفتح (85/ 1353) ، وأبو داود (2/ 6) في «الجهاد» باب: في الهجرة، هل انقطعت؟ (2480) ، والنسائي (7/ 146) في «البيعة» باب: الاختلاف في انقطاع الهجرة، والترمذي (1590) ، وأحمد (1/ 266، 315، 316، 344) ، وعبد الرزاق (5/ 309) برقم: (9713) ، والدارمي (2/ 239) في «السير» باب: لا هجرة بعد الفتح، وابن حبان (7/ 4845) ، والطبراني في «الكبير» (11/ 30- 31) برقم: (10944) ، وابن الجارود في «المنتقى» (1030) ، والبيهقي (5/ 195) ، (9/ 16) ، وفي «دلائل النبوة» (5/ 108) ، والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (4/ 179) برقم: (1996) ، و (5/ 520) برقم: (2630) من طريق منصور، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس مرفوعا به. وتابعه إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، أخرجه الطبراني (11/ 18) برقم: (10898) . وأخرجه الطبراني (10/ 413) برقم: (10844) عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأما حديث عائشة: فأخرجه البخاري (6/ 220) في «الجهاد» باب: لا هجرة بعد الفتح (3080) ، (7/ 267) في «مناقب الأنصار» باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة (3900) ، وفي (7/ 620) في «المغازي» باب: (53) برقم: (4312) ، ومسلم (3/ 1488) في «الإمارة» باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام، والجهاد، والخير ... (86- 1864) ، وأبو يعلى (4952) ، واللفظ لمسلم، ولأبي يعلى من طريق عطاء، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الهجرة؟ فقال: «لا هجرة بعد الفتح ... » الحديث، وفي لفظ البخاري عن عطاء قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير فسألتها عن الهجرة؟ فقالت: «لا هجرة اليوم، كان المؤمن يفر أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية» . وهكذا أخرجه البيهقي (9/ 17) . وأما حديث مجاشع بن مسعود فأخرجه البخاري (6/ 137) في «الجهاد» باب: البيعة في الحرب ألا]] ، وقد استنفر رسول الله ﷺ الناس في غزوة تَبُوكَ، وأعلن بها حَسَبَ ما هو مصرَّح به في حديث كَعْب بن مالِكٍ في «الصِّحَاح» ، فكان العَتَبُ متوجِّهاً على من تأخَّر عنه بعد العِلْمِ، فيظهر واللَّه أعلم، أنَّ الآية الأولَى باقٍ حكمها كما قال ابن عباس، وتكون الثانية ليستْ في معنى الغَزْو، بل في شأن التفقُّه في الدِّين على الإِطلاق [[أخرجه الطبري (6/ 514) برقم: (17488) ، وابن كثير (2/ 401) ، والبغوي في «تفسيره» (2/ 522) .]] وهذا هو الذي يُفْهَمُ من استدلالهم بالآية علَى فَضْلِ العلْم، وقد قالت فرقة: إِن هذه الآية لَيْسَتْ في معنى الغَزْو، وإِنما سببها قبائلٌ مِنَ العرب أصابتهم مجاعةٌ، فنفزوا إلى المدينة لِمَعْنَى المعاشِ، فكادوا يُفْسِدونها، وكان أكثرهم غَيْرَ صحيحِ الإِيمانِ، وإِنما أَضْرَعَه الجُوع، فنزلَتِ الآية في ذلك، والإِنذارُ في الآية عامٌّ للكفر والمعاصي، والحذرِ منها أيضاً كذلك قال ابن المبارك في «رقائقه» أخبرنا موسَى بْنُ عُبَيْدَة، عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ، قال: إِذا أراد اللَّه تبارك وتعالَى بِعَبْدٍ خيراً، جعل فيه ثلاثَ خصالٍ: فقْهاً في الدِّينِ، وزَهَادةً في الدنيا، وبَصَّرَهُ بعيوبه [[أخرجه ابن المبارك في «الزهد» ص: (95- 96) رقم: (282) ومن طريقه أبي نعيم في «حلية الأولياء» (3/ 213) .]] . انتهى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.