الباحث القرآني

وقوله سبحانه: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ... الآية: سِقايَةَ الْحاجِّ: كانَتْ في بني هَاشِمٍ، وكان العبَّاس يتولاَّها، قال الحسن: ولما نزلَتْ هذه الآيةُ، قال العبَّاس: ما أَراني إلاَّ أتركُ السقاية، فقال النبيّ ﷺ: «أُقِيمُوا عَلَيْهَا فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ» [[ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 396) ، وعزاه لأبي الشيخ عن الحسن.]] وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: قيلَ: هي حِفْظه ممَّن يظلم فيه، أو يقول هُجْراً، وكان ذلك إِلى العبَّاس، وقيل: هي السّدَانَة [[سدانة الكعبة: خدمتها، وتولي أمرها، وفتح بابها وإغلاقه. ينظر: «النهاية» (2/ 355) .]] وَخِدْمَةِ البَيْت خَاصَّة، وكان ذلك في بني عَبْد الدَّار، وكان يتولاَّها عثمانُ بنُ طَلْحَة، وابنُ عمه شَيْبَةُ، وأقرَّها النبيّ ﷺ لهما ثَانِيَ يَوْمِ الفتحِ، وقال: «خُذَاهَا خَالِدَةً تالدة لاَ يُنَازِعُكُمُوهَا إِلاَّ ظَالِمٌ» . واختلف الناس في سبب نزولِ هذه الآية، فقال مجاهدٌ: أُمرُوا بالهجرة، فقال العبَّاس: أنا أسقي الحاجَّ، وقال عثمانُ بن طلحة: أنا حاجبُ الكَعْبَة، وقال محمدُ بنُ كَعْب: إِن العبَّاس وعليًّا وعثمان بن طلحة تَفَاخَرُوا فنزلَتِ الآية، وقيل غير هذا. / وقوله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ... الآية: لما حكم سبحانه في الآية المتقدِّمة بأن الصِّنفين لا يستوون، بيَّن ذلك في هذه الآية الأخيرة، وأوضحه، فعدَّد الإِيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفْس، وحَكَم عَلَى أنَّ أهل هذه الخصالِ أَعظمُ درجةً عند اللَّه مِنْ جميع الخَلْقِ، ثم حَكَمَ لهم بالفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ ورضْوانه، والفَوْزُ: بلوغُ البُغْيَةْ، إمَّا في نيل رَغِيبَة، أو نجاةٍ من هَلَكَة، ويَنْظُرُ إِلى معنَى هذه الآية الحديثُ: «دَعُوا لي أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نِصِيفَهُ» [[ورد ذلك من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس بن مالك: فأمّا حديث أبي سعيد، فرواه البخاري (2517) في «فضائل الصحابة» باب: قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا» (3673) ، ومسلم (4/ 1967) في «فضائل الصحابة» باب: تحريم سب الصحابة (222/ 2541) ، وأبو داود (2/ 626) في «السنة» باب: في النهي عن سب أصحاب رسول الله ﷺ (4658) ، والترمذي (5/ 653) في المناقب (3861) ، وأحمد (3/ 11، 54، 63) ، وابن أبي عاصم في «السنة» (2/ 478- 479) (990- 991) ، والبيهقي (10/ 209) والخطيب في «التاريخ» (7/ 144) عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأما حديث أبي هريرة، فرواه مسلم (221- 2540) ، وابن ماجه (1/ 57) في «المقدمة» باب: فضل أهل بدر (161) عن الأعمش، عن أبي صالح عنه مرفوعا به. وأما حديث أنس فرواه أحمد (3/ 266) .]] ولأن أصحاب هذه الخِصَال علَى سيوفهم انبنى الإِسلام، وتمهَّد الشرْعُ. وقوله سبحانه: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ، هذا وعْدٌ كريمٌ مِنْ ربٍّ رحيمٍ، وفي الحديث الصحيح: «إِذَا استقر أَهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّة، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَكَيْفَ لا نرضى، يا ربنا؟ فيقول: إني سأعطيكم أَفْضَلَ مِنْ ذَلِك! رِضْوَانِي أَرْضَى عَلَيْكُمْ فَلاَ أسخط عليكم أبدا ... » [[تقدم تخريجه.]] الحديث.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.