الباحث القرآني

وقوله سبحانه: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، هذه مخاطبةٌ لجميع المؤمنين يعدِّد الله تعالى نِعَمَهُ عليهم، والمواطِنُ المُشَارُ إلَيْها بَدْرٌ والخَنْدَق والنَّضير وقُرَيْظة وخَيْبَر وغيرها، وحُنَيْنٌ وادٍ بين مكَّة والطائِف. وقوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، روي أن النبيّ ﷺ قال حين رأى جملته اثني عشر أَلْفاً: «لَنْ تُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ» [[ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 404) ، وعزاه للبيهقي في «دلائل النبوة» .]] ، وروي أَنَّ رجلاً من أصحابه قالها فأَراد الله تعالى إظهار العجز فظهر حين فَرَّ الناسُ. ت: العجب جائزٌ في حقِّ غير النبيِّ ﷺ، وهو معصوم منه ﷺ، والصوابُ في فَهْمِ الحديث، أَنه خَرَجَ مَخْرَجَ الإِخبار، لا على وجه العُجْب وعلى هذا فَهِمُه ابنُ رُشْدٍ وغيره، وأَنه إِذا بلغَ عَدَدُ المسلمين اثني عشر ألفاً حُرِمَ الفِرَارُ، وإن زاد عددُ المُشْرِكين على الضِّعْف وعليه عَوَّلَ في الفتوى، وقوله تعالى: وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، معناه: بِرُحْبها كأنه قال: عَلَى ما هي عليه في نَفْسها رَحْبةً واسعة، لشدّة الحال وصعوبتها ف «ما» : مصدرية. وقوله سبحانه: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، أي: فرارا عن النبيّ ﷺ واختصار هذه القصّة: أنّ رسول الله ﷺ لمّا فتح مكّة، وكان في عشرة آلاف منْ أصحابه، وانضاف إِليهم ألفانِ من الطُّلَقَاءِ، فصار في اثني عشر ألفا، سمع بذلك كفَّار العرب، فشَقَّ عليهمِ، فجمعتْ له هوازنُ وألفافها، وعليهم مَالِكُ بن عوفٍ النصريُّ، وثقيفٌ، وعليهم عبْد يَالِيلَ بْنُ عَمْرُو/ وانضاف إِليهم أَخلاطٌ مِنَ الناس حتى كانوا ثلاثين ألفا، فخرج إليهم رسول الله ﷺ حين اجتمعوا بحُنَيْنٍ، فلما تصافَّ الناسُ، حمل المشركون من مَحَانِي الوادِي، وانهزم المُسْلِمون، قال قتادة: وكان يقال: إِن الطلقاء مِنْ أَهْل مكَّةَ فرُّوا، وقصدوا إِلقَاءَ الهَزيمة في المُسْلمين [[أخرجه الطبري (6/ 340) برقم: (16588) نحوه، وذكره ابن عطية (2/ 19) .]] ، وكان رسول الله ﷺ عَلَى بغلته البَيْضَاء قد اكَتَنَفَهُ العَبَّاس عمُّه، وابنُ عَمِّه أبو سفيانَ بْنُ الحارثِ بنِ عبد المُطَّلبِ، وبَيْنَ يدَيْهِ أَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أيمن، وثمّ قتل رحمه الله والنبيّ ﷺ يقولُ: أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ ... أَنا ابن عبد المطّلب فلما رأى نبيّ الله ﷺ شدَّةَ الحالِ، نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إِلى الأرض قاله البَرَاءُ بنُ عازب [[أخرجه الطبري (6/ 343) برقم: (16595) وذكره ابن عطية (3/ 19) .]] ، واستنصر اللَّه عَزَّ وجلَّ، فأَخَذَ قبضةً مِنْ ترابٍ وحصًى، فرمَى بها في وُجُوه الكُفَّار، وقال: «شَاهَت الوُجُوه» ، ونادى رسول الله ﷺ بالأنصارِ، وأمَرَ العبَّاسَ أنْ ينادِيَ: «أَيْنَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ؟ أَيْنَ أَصْحَابُ سُورَةِ البَقَرةِ؟» فَرَجَعَ النّاسُ عَنَقاً واحداً للحَرْبِ، وتصافحوا بالسُّيوفِ والطَّعْنِ والضرب، وهناك قال عليه السلام: «الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» [[تقدم في: سورة الأنفال.]] وهزم اللَّهُ المشركين، وأَعْلَى كلمةَ الإِسلام إِلى يَوْمِ الدينِ، قال يَعْلَى بن عطاءٍ: فحدَّثني أبناءُ المنهزمين عَنْ آبائهم، قالوا: لم يَبْقَ منَّا أحَدٌ إِلا دخَلَ عينيه مِنْ ذلك التُّرَابِ واستيعابُ هذه القصة في كتب «السِّيَر» . ومُدْبِرِينَ: نصب على الحال المؤكِّدة كقوله: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً [البقرة: 91] ، والمؤكِّدة هي التي يدلُّ ما قبلها عليها كدلالة التولِّي على الإِدبار. وقوله سبحانه: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ... الآية: السكينةُ: النَّصْر الذي سَكَنَتْ إِليه ومعه النفُوسُ، والجنودُ: الملائكةُ، والرُّعْبُ قال أبو حاجز يزيدُ بنُ عامرٍ: كان في أجوافنا مثلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَّسْتِ من الرُّعْبِ، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: بالقتل والأسْرِ، وروَى أبو داود، عن سهل بن الحَنْظَلِيَّة [[هو: سهل بن الربيع بن عمرو بن عدي بن زيد، الأوسي، الأنصاري. قال ابن الأثير في «الأسد» : كان ممن بايع تحت الشجرة، وكان فاضلا معتزلا عن الناس، كثير الصلاة والذكر، كان لا يزال يصلي مهما هو في المسجد، فإذا انصرف لا يزال ذاكرا، روى عن النبي ﷺ، وروى عنه أبو كبشة. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 469) ، «الإصابة» (3/ 138) ، «الثقات» (3/ 170) ، «نقعة الصديان» (192) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 243) ، «الاستيعاب» (2/ 662) ، «بقي بن مخلد» (391) ، «تقريب التهذيب» (1/ 336) ، «تهذيب التهذيب» (4/ 251) ، «تهذيب الكمال» (1/ 554) ، «الجرح والتعديل» (4/ ت 841) ، «التاريخ الكبير» ، (4/ 98) ، «الطبقات الكبرى» (8/ 328) .]] أنهم سَارُوا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عشِيَّةً، فحضرت الصّلاة مع رسول الله ﷺ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي انطلقت بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حتى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِم بظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ، وشِيَاهِهِمْ، اجتمعوا إِلَى حُنَيْنٍ، فتبسّم رسول الله ﷺ، وقال: «تلك غنيمة المسلين غَداً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ... » الحديثَ. انتهى [[أخرجه أبو داود (2/ 12- 13) كتاب «الجهاد» باب: في فضل الحرس في سبيل الله عز وجل، حديث (2501) ، والحاكم (2/ 83- 84) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (5/ 125- 126) ، والطبراني في «الكبير» (6/ 96) ، رقم: (5619) من حديث سهل بن الحنظلية.]] ، فكانوا كذلك غنيمة بحمد الله، كما أخبر ﷺ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب