الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ: الذي كثر في كُتُب أهْل العلم أنَّ فرقةً من اليهود قالَتْ هذه المقالة وروي أنه قالها نَفَرٌ يسير منهم فِنحْاص وغيره، قال النَّقَّاش: ولم يبق الآن يهودي يقولها، بل انقرضوا. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 23) .]] : فإِذا قالها ولو واحدٌ من رُؤسَائهم، توجَّهت شنعة المقالة علَى جماعتهم، وحكَى الطبريُّ وغيره أن بني إِسرائيل أصابتهم فتن وجلاء، وقيل: مَرَض، وأذهب اللَّه عنهم التَّوْراة في ذلك، ونَسُوها، وكان علماؤهم قد دَفَنُوها أول ما أحسُّوا بذلك البلاء، فلما طالَتْ المدة، فُقِدَت التوراة جملةً، فحفَّظها اللَّهُ عُزَيْراً كرامةً منه له، فقال لبني إِسرائيل: إِن اللَّهَ قد حفَّظني التوراةَ، فجعلوا يَدْرُسُونها من عنْده، ثم إِن التوراة المدْفُونَة وجدت، فإذا هي مساوية لما كان عزيز يدرِّس، فضَلُّوا عند ذلك، وقالوا: إِن هذا لم يتهيّأ لعزيز إِلاَ وهو ابن اللَّه، نعوذُ باللَّه من الضَّلال. وقوله: بِأَفْواهِهِمْ، أي: بمجرَّد الدعوَى من غير حجّة ولا برهان، ويُضاهِؤُنَ، قراءةُ الجماعة [[وقرأ عاصم وحده من «السبعة» «يضاهئون» ، وكذلك طلحة بن مصرف. وهي من «ضاهأ» بمعنى «ضاهى» ، وهي لغة ثقيف. ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 25) ، و «العنوان في القراءات السبع» (102) ، و «الحجة» (4/ 186) ، و «السبعة» (314) ، و «معاني القراءات» (1/ 451) .]] ، ومعناه: يحاكُون ويماثلون، والإشارة بقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ: إِما لمشركي العرب إِذ قالوا: الملائكة بناتُ اللَّهِ قاله الضَّحَّاك، وإِما لأممٍ سالفةٍ قبلها، وإِما للصَّدْر الأول من كَفَرة اليهودِ والنَصَارَى، ويكون يُضاهِؤُنَ لمعاصري النبيّ ﷺ، وإن كان الضمير في يُضاهِؤُنَ للنصارَى فقطْ، كانت الإِشارة ب الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ إلى اليهود وعلى هذا فسَّر الطبريُّ، وحكاه غيره عن قتادة [[أخرجه الطبري (6/ 352) برقم: (16639) نحوه، وذكره ابن عطية (3/ 25) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 415) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.]] . وقوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ: دعاءٌ عليهم عامٌّ لأنواع الشَّر، وعن ابن عباس أن المعنَى: لعنهم اللَّه [[أخرجه الطبري (6/ 353) برقم: (16643) ، وذكره ابن عطية (3/ 25) ، وابن كثير (2/ 348) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 415) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.]] . قال الداوديّ: وعن ابن عباس قاتلهم اللَّه: لعنهم اللَّه، وكلُّ شيء في القُرآن: قَتَلَ، فهو لَعْن. انتهى. وأَنَّى يُؤْفَكُونَ، أَي: يُصْرَفُون عن الخَيْر. وقوله سبحانه: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ ... الآية: هذه الآية يفسِّرها ما حكاه الطَّبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 354) .]] أن عدي بن حاتم قال: «جئت رسول الله ﷺ، وفي عُنُقي صَلِيبُ ذَهَب، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ/ اطرح هَذَا الصَّلِيبَ مِنْ عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ ذَلِكَ، وَنَحْنُ لَمْ نَعْبُدْهُمْ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ مَا أَحَلُّوا وَتُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمُوا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَذَلِكَ [[أخرجه الترمذي (5/ 278) كتاب «التفسير» باب: «ومن سورة التوبة» ، حديث (3095) من طريق عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم به. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث.]] » . ومعنى: سُبْحانَهُ تنزيها له، ونُورَ اللَّهِ في هذه الآية: هُدَاه الصادرُ عن القرآن والشَّرْع. وقوله: بِأَفْواهِهِمْ عبارةٌ عن قلَّةِ حيلتهم وضَعْفها. وقوله: بِالْهُدى: يعم القرآن وجميعَ الشَّرْع. وقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وقد فعل ذلك سبحانه، فالضمير في لِيُظْهِرَهُ: عائدٌ على الدِّين، وقيل: على الرسول، وهذا وإِنْ كان صحيحاً، فالتأويل الأول أبْرَعُ منه، وأَلْيَقُ بنظام الآية.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب