الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
وقوله سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ... الآية: إِنَّمَا في هذه الآيةِ حاصرةٌ تقتضي وقوفَ الصَدقاتِ على الثمانيةِ الأصناف، وإِنما أُخْتُلِفَ في صُورَة القِسْمَةِ، ومَذْهَب مالكٍ وغيره أَنَّ ذَلِكَ عَلى قَدْر الاجتهاد، وبحسب الحاجة، وأما الفقيرُ والمِسْكين، فقال ابن عبَّاس والحسن ومجاهدٌ والزُّهْرِيُّ وابن زَيْد وغيرهم: المَسَاكِينُ: الذين يَسْعَوْنَ وَيَسْأَلُونَ، والفقراء: الذين يتصَاوَنُون [[أخرجه الطبري في تفسيره (6/ 395) برقم: (16834- 16839) نحوه، وذكره ابن عطية (3/ 48) ، والبغوي في «تفسيره» (2/ 302) ، والسيوطي (3/ 449) ، عن ابن عباس نحوه، وزاد نسبته إلى ابن المنذر والنحاس (3/ 450) عن الزهري بنحوه، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة.]] ، وهذا القولُ أحسنُ ما قيل في هذا، وتحريره أن الفقيرَ هو الذي لا مَالَ له إِلا أنه لم يذلَّ نفسه، ولا يذلُّ وجهه وذلك إِما لتعفُّفٍ مفرط، وإِما لِبُلغَةٍ تكون له، كالحَلُوبة وما أشبهها، والمسكينُ هو الذي يقترن بفقره تذلُّل وخضوعٌ وسؤالٌ، فهذه هي المَسْكَنَة ويقوِّي هذا أن اللَّه سبحانه قد وَصَف بني إِسرائيل بالمَسْكَنة، وقَرَنها بالذِّلَّة مع غناهم، وإِذا تأمَّلت ما قلناه، بَانَ أنهما صِنْفان موجُودَان في المسلمين. ت: وقد أكْثر الناس في الفَرْق بين الفَقِير والمِسْكِين، وأوْلَى ما يعوَّل عليه ما ثبت في ذلك عن النبيّ ﷺ، وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الزِّنَادِ [[عبد الله بن ذكوان الأموي، مولاهم، أبو الزّناد المدني، يكنى: أبا عبد الرحمن، كان أحد الأئمة، عن أنس، وابن عمر، وعمر بن أبي سلمة مرسلا. قال البخاري: أصح الأسانيد أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال الواقدي: مات فجأة سنة ثلاثين ومائة. قال الحافظ شمس الدين الذهبي: ولي بعض أمور بني أمية فتكلم فيه لأجل ذلك، وهو ثقة حجة لا يعلق به جرح. ينظر: «الخلاصة» (2/ 53) ، «تهذيب الكمال» (2/ 679) ، «تهذيب التهذيب» (5/ 203) و «تقريب التهذيب» (1/ 413) ، «الكاشف» (2/ 84) ، «الثقات» (7/ 6) .]] عن الأعرج [[عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي، مولاهم، أبو داود المدني الأعرج، القارئ عن أبي هريرة، ومعاوية، وأبي سعيد، وعنه الزهري، وأبو الزّبير، وأبو الزّناد، وخلق، وثقه جماعة. قال أبو عبيد: توفي سنة سبع عشرة ومائة بالإسكندرية. ينظر ترجمته في: «الخلاصة» (2/ 53- 54) (3480) .]] عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ» [[ورد ذلك من حديث أبي هريرة، وابن مسعود: فأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (3/ 398) في «الزكاة» باب: قول الله تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً (1476، 1479) ، و (8/ 50) في «التفسير» باب: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً (4539) ، ومسلم (2/ 719- 720) في «الزكاة» ، باب: المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له، فيتصدق عليه (101- 102- 1039) ، وأبو داود (1/ 513) في «الزكاة» باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى (1631- 1632) ، والنسائي (5/ 86) في «الزكاة» باب: تفسير المسكين، ومالك (92312) في صفة النبي ﷺ باب: ما جاء في المساكين (7) ، وأحمد (2/ 260، 316، 393، 395، 457، 469) ، والدارمي (1/ 379) في «الزكاة» ، باب: المسكين الذي يتصدق عليه، وأبو يعلى (6337) ، والحميدي (1059) ، والبيهقي (7/ 11) من طرق عنه. وأما حديث ابن مسعود، فأخرجه أحمد (1/ 384، 446) ، وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 108) ، وأبو يعلى (5118) عن إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود مرفوعا به. قال الهيثمي (3/ 95) : رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.]] ، انتهى. وأوَّل أبو عمر في «التمهيد» هذا الحديثَ، فقال: كأنه أراد- واللَّه أعلم- ليس المسكينُ على تمامِ المَسْكَنة، وعلى الحقيقة، إِلا الذي لا يسأل النّاس. انتهى. وأَمَّا العاملون: فهم جُبَاتها يستنيبهم الإِمامُ في السعْي على الناس، وجَمْعِ صَدَقَاتهم، قال الجُمْهور: لَهُمْ قَدْر تعبهم ومؤنتهم، وأما الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فكانوا مُسْلِمين وكافرينَ مستَتِرِينَ مُظْهرين للإِسلام حتى وثَّقه الاستئلاف في أكثرهم، واستئلافهم إِنما كان لِتُجْلَبَ إلى الإِسلام مَنْفَعة، أو تُدْفَعَ عنه مَضَرَّة، والصحيحُ بَقَاءُ حكمهم إِن احتيج إِليهم، وأَما الرِّقابِ، فمذْهَبُ مالك وغيره هو ابتداء عِتْق مؤْمِن، وأما الغَارِمُ: فهو الرجُلُ يرْكَبه دَيْن في غير مَعْصِيَة ولا سَفَه، كذا قال العلماء، وأما فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فهو الغازِي، وإِن كانَ مَلِيًّا ببَلَده، وأمَّا ابْنِ السَّبِيلِ، فهو المسافِرُ، وإِن كان غنيًّا ببلده، وسمي المُسَافِرِ ابْنَ السبيلِ لملازمته السبيلِ. ومَنِ ادعى الفقْر صُدِّق إِلاَّ لريبة فيكلَّف حينئذٍ/ البيِّنة، وأمَّا إِن ادعى أنه غارمٌ أو ابن السبيل أو غازٍ، ونحو ذلك مما لا يُعْلَم إِلا منه، فلا يعطَى إِلا ببينة، وأهلُ بلد الصَّدقة أَحقُّ بها إِلا أن تَفْضُل فضلةٌ، فتنقل إِلى غيرهم. قال ابنُ حَبِيب: وينبغي للإِمام أن يأمِر السُّعَاة بتَفْريقها في المواضِعِ التي جُبِيَتْ فيها، ولا يحمل منها شيْءٌ إِلى الإِمام، وفي الحديثِ: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [[أخرجه البخاري (3/ 261) كتاب «الزكاة» باب: وجوب الزكاة، حديث (1395) ، ومسلم (1/ 50) كتاب «الإيمان» باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث (29/ 19) ، وأبو داود (2/ 242، 243) كتاب «الزكاة» باب: في زكاة السائمة، حديث (1584) ، والترمذي (2/ 69) كتاب «الزكاة» باب: ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة، حديث (621) ، والنسائي (2/ 5) كتاب «الزكاة» باب: وجوب الزكاة، وابن ماجه (1/ 568) ، كتاب «الزكاة» باب: فرض الزكاة، حديث (1873) ، وأحمد (1/ 233) ، من حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن، قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حجاب» .]] . وقوله سبحانه: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ: أي: موجبةً محدودةً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.