الباحث القرآني

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ اقرأ يا محمد على أهل مكة نَبَأَ خبر نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ ولد وأهل يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عظم وثقل وشق عَلَيْكُمْ مَقامِي فلو شق مكثي بين أظهركم وَتَذْكِيرِي ووعظي إياكم بِآياتِ اللَّهِ بحججه وبيناته فعزمتم على قتلي أو طردي فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فبالله وثقت فَأَجْمِعُوا قرأه العامة بقطع الألف وكسر الميم أي فأعدوا وأبرموا وأحكموا أَمْرَكُمْ فاعزموا عليه. قال المؤرخ: أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه، وأنشد: يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع [[لسان العرب: 8/ 57.]] وقرأ الأعرج والجحدري موصولة مفتوحة الميم من الجمع اعتبارا بقوله فَجَمَعَ كَيْدَهُ، وقال أبو معاذ: ويجوز أن يكون بمعنى وأجمعوا أي فأجمعوا واحد يقال: جمعت وأجمعت بمعنى واحد. قال أبو ذؤيب: [عزم عليه كأنه جمع نفسه له، والأمر مجمع] » وَشُرَكاءَكُمْ فيه إضمار أي: وادعوا شركاءكم أي آلهتكم فاستعينوا، وكذلك في مصحف أبي وادعوا شركاءكم، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وسلام ويعقوب: وشركاؤكم رفعا على معنى: فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم، أي وليجمع معكم شركاؤكم، واختار أبو عبيد وأبو حاتم النصب لموافقة الكتاب وذلك أنه ليس فيه واو. ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً أي خفيا مظلما ملتبسا مبهما من قولهم: غمّ الهلال على الناس إذا أشكل عليهم فلم يتبيّنوه، قال طرفة: لعمرك ما أمري عليّ بغمّة ... نهاري وما ليلي عليّ بسرمد [[لسان العرب: 12/ 442.]] وقيل: هو من الغمّ لأن الصدر يضيق فلا يتبين صاحبه لأمره مصدرا ينفرج عنه ما بقلبه، قالت الخنساء: وذي كربة راخى ابن عمرو خناقه ... وغمته عن وجهه فتجلت [[تفسير الطبري: 11/ 186.]] ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ أي آمنوا إلى ما في أنفسكم أو افرغوا منه، يقال: قضى فلان إذا مات ومضى وقضى منه إذا فرغ منه. وقال الضحاك: يعني انهضوا إليّ، وحكى الفراء عن بعض القرّاء: افضوا إليّ بالفاء، أي توجهوا حتى تصلوا إليّ، كما يقال أنصت [الخلائق] إلى فلان وأفضى إلى الوجه وَلا تُنْظِرُونِ ولا تؤمرون، وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح (عليه السلام) أنه كان من نصر الله واثقا ومن كيد قومه وبوائقهم غير خائف علما منه بأنهم وآلهتهم لا تنفع ولا تضر شيئا إلّا أن يشاء الله، وتعزية لنبيه محمد ﷺ‎ وتقوية لقلبه فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن قولي وأبيتم أن تقبلوا نصحي فَما سَأَلْتُكُمْ على الدعوة وتبليغ الرسالة مِنْ أَجْرٍ جعل وعوض إِنْ أَجْرِيَ ما جزائي وثوابي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَكَذَّبُوهُ يعني نوحا فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ سكان الأرض خلفا عن الهالكين وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يعني [أخزى] من الذين أنذرتهم الرسل ولم يؤمنوا ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد نوح رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالآيات والأمر والنهي فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ليصدقوا بِما كَذَّبُوا بما كذبت بِهِ وأنّهم مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ نختم عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ المجاوزين الحلال إلى الحرام ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد نوح (مُوسى) وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعني أفراد قومه بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ. فَلَمَّا جاءَهُمُ يعني فرعون وقومه الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ. قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا تقدير الكلام: أتقولون للحق لما جاءكم سحرا سحر هذا الحذف السحر الأول، فدلالة الكلام عليه كقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ [[سورة الإسراء: 7.]] المعنى: يغشاكم ليسوؤا وجوهكم. وقال ذو الرمّة: فلما لبسن الليل أو حين نصبت ... له من خذا آذانها وهو جانح [[جامع البيان للطبري: 11/ 189.]] أي: أو حين أقبل وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ. قالُوا يعني فرعون وقومه أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا لتلوينا وتصرفنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الدين وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ الملك والسلطان فِي الْأَرْضِ أرض [مصر] وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ. وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ. فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ. فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أي الذي جئتم به السحر. وقراءة مجاهد وأبو عمر وأبو جعفر: آلسحر بالمد على الاستفهام، ودليل قراءة العامة قراءة ابن مسعود: ما جئتم به سحر وقراءة أبيّ: ما أتيتم به سحر إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. فَما آمَنَ لِمُوسى لم يصدق موسى مهما آتاهم من الحجج إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ فقال قوم: هي راجعة إلى موسى وأراد بهم مؤمني بني إسرائيل. قال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف وذلك أن يعقوب (عليه السلام) دخل مصر في اثني وسبعين إنسانا فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف. وقال مجاهد: أراد بهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى إلى بني إسرائيل لطول الزمان هلك الآباء وبقي الأبناء، وقال آخرون: الهاء راجعة إلى فرعون. روى عطية عن ابن عباس: هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه وماشطته. وروي عن ابن عباس من وجه آخر: أنهم سبعون أهل بيت من القبط من آل فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله. قال الفراء: وإنما سموا ذرية لأن آباءهم كانوا من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل، كما يقال لأولاد أهل فارس الذين انتقلوا إلى اليمن الأبناء، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم والذرية العقب من الصغار والكبار عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ يريد الكناية في قومه إلى فرعون، ردّ الكناية في قوله: وَمَلَائِهِمْ، إلى الذرية، ومن رد الكناية إلى موسى يكون: إلى ملأ فرعون. قال الفراء: وإنما قال: وَمَلَائِهِمْ بالجمع وفرعون واحد لأن الملك إذا ذكر ذهب الوهم إليه وإلى أصحابه [[راجع زاد المسير لابن الجوزي: 4/ 46.]] . [فيكون من باب حذف المضاف] وذكر وهب بن منبه، [أنه] إليه وإلى عصابته كما يقال: قدم الخليفة تريد والذين معه، ويجوز أن يكون أراد بفرعون آل فرعون [كقوله تعالى] : سْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ [[سورة الطلاق: 1.]] أَنْ يَفْتِنَهُمْ بصرفهم عن دينهم، ولم يقل: يفتنوهم لأنّه أخبر أنّ فرعون وقومه كانوا على [الضلال] . وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ [من المجاوزين الحدّ في العصيان والكفر] لأنّه كان قد ادّعى الربوبية وَقالَ مُوسى لمؤمني قومه: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا. ثم دعوا فقالوا: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قال أبو مجلز: ربّنا لا تظهر فرعون وقومه علينا فيروا أنّهم خير منا فيزدادوا طغيانا. وقال عطية: لا تسلّطهم علينا فيسيئون ويقتلون. وقال مجاهد: لا تعذّبنا بأيدي قوم [ظالمين ولا تعذّبنا] بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق لما عذّبوا، ولا تسلّطنا عليهم فيفتتنوا وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ [أمرناهما] أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً يقال: تبوّأ فلان لنفسه بيتا [والمبوأ المنزل ومنه بوّأه الله منزلا] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 8/ 371.]] إذا اتخذه له. وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً قال أكثر المفسّرين: كانت بنو إسرائيل لا يصلّون إلّا في كنائسهم وبيعهم، وكانت ظاهرة، فلما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخرّبت، ومنعهم من الصلاة، فأمروا أن يتّخذوا مساجد لهم يصلّون فيها خوفا من فرعون، وهذا قول إبراهيم وابن زيد والربيع وهي كذلك، ورواية عكرمة عن ابن عباس. قال مجاهد وخلف: [قال موسى] لمن معه من قوم فرعون أن صلّوا إلى الكنائس الجامعة، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة للكعبة فيصلّون فيها سرّا. ومعنى البيوت هنا [يكون] المساجد. وتقدير الآية: واجعلوا بيوتكم إلى القبلة. وهذا رواية ابن جريج عن ابن عباس، قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه. قال سعيد بن جبير: معناه: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا، والقبلة الوجهة. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يا محمد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب