الباحث القرآني

وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وذلك أنّ يعقوب لمّا بلغه خبر بنيامين تتامّ حزنه وبلغ جهده وجدّد حزنه على يوسف، فأعرض عنهم وَقالَ يا أَسَفى يا حزني عَلى يُوسُفَ وقال مجاهد: يا جزعاه، والأسف: شدّة الحزن والندم. وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ مقاتل: لم يبصر بهما ستّ سنين فَهُوَ كَظِيمٌ أي مكظوم مملوء من الحزن، ممسك عليه لا يبثّه، ومنه كظم الغيظ، عطاء الخراساني: كَظِيمٌ: حزين، مجاهد: مكبود، الضحّاك: كميد، قتادة: تردّد حزنه في جوفه، ولم يتكلّم بسوء، ولم يتكلّم إلّا خيرا، ابن زيد: بلغ به الجزع حتى كان لا يكلّمهم، ابن عباس: مهموم، مقاتل: مكروب، وكلّها متقاربة. سعيد بن جبير: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لم يعط أمّة من الأمم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ عند المصيبة إلّا أمّة محمّد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه لم يسترجع: إنّما قال يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ؟» [123] [[جامع البيان للطبري: 13/ 53، تفسير مجمع البيان: 5/ 444 بتفاوت ويوجد بتمامه في التفسير الصافي للفيض الكاشاني: 3/ 38.]] . وأخبرني ابن فنجويه [قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك] القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، [قال: حدّثني] أبي، عن هشام [بن القاسم] عن الحسن، قال: كانت بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانين عامّا لا تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب. قالُوا يعني ولد يعقوب تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ أي لا تزال تذكر يوسف، لا تفتر من حبّه، يقال: ما فتئت أقول ذلك، وما فتأت أو أفتؤ، فتأ وفتوّا، قال أوس بن حجر: فما فتئت حيّ كأن غبارها ... سرادق يوم ذي رياج ترفع [[تفسير الطبري: 13/ 55، لسان العرب: 12/ 322 وفيه: وما فتئت خيل.]] وقال آخر: فما فتئت خيل تثوب وتدّعي ... ويلحق منها لا حق وتقطع [[تفسير الطبري: 13/ 55، زاد المسير: 4/ 205.]] أي فما زالت. وحذف (لا) قوله فتئ كقول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي [[الصحاح: 6/ 2222.]] أي: لا أبرح. وقال خداش بن زهير: وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقا مجيدا [[تفسير القرطبي: 11/ 9، ولسان العرب: 10/ 354 وفيه: على الأعداء، بدل بحمد الله.]] أي لا أبرح ومثله كثير. حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً اختلف ألفاظ المفسّرين فيه، فقال ابن عباس: دنفا، العوفي: يعني الهد في المرض، مجاهد: هو ما دون الموت، يعني قريبا من الموت، قتادة: هرما، الضحّاك: باليا مدبرا، ابن إسحاق: فاسدا لا عمل لك، ابن زيد: الحرض: الذي قد ردّ إلى أرذل العمر حتى لا يعقل، الربيع بن أنس: يابس الجلد على العظم، مقاتل: مدنفا، الكسائي: الحرض: الفاسد الذي لا خير فيه، الأخفش: يعني ذاهبا، المخرج: ذائبا من الهمّ، الفرّاء عن بعضهم: ضعيفا لا حراك بك، الحسن: كالشنّ المدقوق المكسور، علام تعبا مضنى، ابن الأنباري: هالكا فاسدا، القتيبي: ساقطا، وكلّها متقاربة. ومعنى الآية: حتى يكون دنف الجسم مخبول العقل، وأصل الحرض: الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم، ومنه قول العرجي: إنّي امرؤ لجّ بي حبّ فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم [[الصحاح: 3/ 107.]] يقال: منه رجل حرض وامرأة حرض ورجلان وامرأتان حرض، ورجال ونساء حرض يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والمذكّر والمؤنّث، لأنّه مصدر وضع موضع الاسم، ومن العرب من يقول للذكر حارض وللأنثى حارضة، فإذا وصف بهذا اللفظ ثنّى وجمع وانّث، ويقال: حرض، يحرّض، حرضا وحراضة فهو حرض، ويقال: رجل محرّض وأنشد في ذلك: طلبته الخيل يوما كاملا ... ولو آلفته لأضحى محرضا [[تفسير الطبري: 13/ 57.]] وقال امرؤ القيس: أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا ... كإحراض بكر في الدّيار مريض [[لسان العرب: 7/ 134.]] أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ أي الميّتين، وقال يعقوب عند ذلك لمّا رأى غلظتهم وسوء لفظهم، نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ لا إليكم، قال المفسّرون دخل على يعقوب جار له فقال: يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من مصاب يوسف، فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟ قال: يا ربّ خطيئة أخطأتها فاغفر لي، قال: فإنّي قد غفرتها لك وكان بعد ذلك إذا سئل الَ: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ. وقال حبيب بن أبي ثابت: بلغني أنّ يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على عينيه، وكان يرفعهما بخرقة، فقال له رجل: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله إليه: يا يعقوب تشكوني، فقال: خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. وعن عبد الله بن قميط، قال: سمعت أبي يقول: بلغنا أنّ رجلا قال ليعقوب (عليه السلام) : ما الذي أذهب بصرك؟ قال: حزني على يوسف، قال: فما الذي قوّس ظهرك؟ قال: حزني على أخيه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ وعزّتي وجلالي لو كانا ميّتين لأخرجتهما لك حتى تنظر إليهما، وإنّما وجدت عليكم أنّكم ذبحتم شاة فأتاكم مسكين فلم تطعموه شيئا، وأنّ أحبّ خلقي إليّ الأنبياء ثمّ المساكين، فاصنع طعاما وادع إليه المساكين، فصنع طعاما، ثمّ قال: من كان صائما فليفطر الليلة عند آل يعقوب. وروى أبو عمران عن أبي الخلد ووهب بن منبه، قالا: أوحى الله تعالى إلى يعقوب: تدري لم عاقبتك وغيّبت عنك يوسف وبنيامين؟ قال: لا إلهي، قال: لأنّك شويت عتاقا وقترت على جارك، وأكلت ولم تطعمه، ويقال: إنّ سبب ابتلاء يعقوب بفقد يوسف، أنّه كانت له بقرة ولها عجول فذبح عجولها بين يديها، وإنّما كانت تخور فلم يرحمها، فأخذه الله به وابتلاه بفقد يوسف أعزّ ولده. وقال وهب بن منبه والسدّي وغيرهما: أتى جبرئيل يوسف وهو في السجن، فقال: هل تعرفني أيّها الصدّيق؟ قال: أرى صورة طاهرة وريحا طيّبة، قال: فإنّي رسول ربّ العالمين، وأنا الروح الأمين، قال: فما الذي أدخلك حبس المذنبين وأنت أطيب الطيّبين، ورأس المقرّبين، وأمين ربّ العالمين؟ قال: ألم تعلم يا يوسف أنّ الله يطهّر البيوت لهؤلاء الطيّبين، وأنّ الأرض التي تدخلونها هي أطهر الأرضين، وأنّ الله قد طهّر بك السجن وما حوله يا أطهر الطاهرين وابن الصالحين؟ قال: كيف لي بابن الصدّيقين وتعدّني من المخلصين، وقد أدخلت مدخل المذنبين، وسمّيت باسم المفسدين؟ قال: لأنّه لم يفتتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربّك فلذلك سمّاك الله في الصدّيقين، وعدّك مع المخلصين وألحقك بآبائك الصالحين، قال: هل لك علم بيعقوب أيّها الروح الأمين؟ قال: نعم وهب الله له البلاء الجميل وابتلاه بالحزن عليك فَهُوَ كَظِيمٌ، قال: فما قدر حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فماذا له من الأجر يا جبرئيل؟ قال: أجر مائة شهيد، قال: أفتراني لاقيه؟ قال: نعم، فطابت نفس يوسف، قال: ما أبالي ما ألفيته أن رأيته. وأمّا قوله ثِّي فالبثّ: أشدّ الحزن سمّي بذلك لأنّ صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثّه أي يظهره، يقال: بثّ، يبثّ فهو باثّ وأبثّ [يأبثه أبثا] [[زيادة لتقويم النصّ من تاج العروس: 1/ 598، وعبارة المخطوط غير مقروءة.]] يبثّ فهو مبثّ إذا أظهره قال ذو الرمّة: وقفت على ربع لميّة ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبة [[تفسير القرطبي: 9/ 251، لسان العرب: 14/ 391، وفيه: أسقي ربعها بدل أبكي عنده.]] وقال الحسن: ثِّي أي حاجتي، وقال محمّد بن القاسم الأنباري: البثّ: التفرق، وقال محمّد بن إسحاق: معناه: إنّما أشكو حزني الذي أنا فيه إلى الله، وهو من بثّ الحديث. أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قال ابن عباس: يقول أعلم أنّ رؤيا يوسف صادقة وأني وأنتم سنسجد له، وقال آخرون: وأعلم أنّ يوسف حيّ. قال السدّي: لما أخبره ولده بسيرة الملك وقوله أحسّت نفس يعقوب فطمع وقال: لعلّه يوسف، ويروى أنّه رأى الملك في المنام فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا والله، وهو حيّ. ويقال: أرسل الله إليه ذئبا فسلّم عليه وكلّمه، فقال له يعقوب: أكلت ابني وقرّة عيني وثمرة فؤادي؟ قال: قد والله علمت يا يعقوب أنّ لحوم الأنبياء وأولاد الأنبياء علينا حرام، فلذلك قال لبنيه: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ سيروا واطلبوا الخبر، من يوسف وأخيه: وهو تفعّلوا من الحسّ يعني تتّبعوا، قال ابن عباس: التمسوا، وَلا تَيْأَسُوا، أي لا تقنطوا، مِنْ رَوْحِ اللَّهِ: من فرج الله، قال ابن زيد وقتادة، والضحّاك: من رحمة الله، ف إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ. يقال: سئل ابن عباس عن الفرق بين التجسّس والتحسّس فقال: لا يبعد أحدهما عن الآخر إلّا أنّ التحسّس في الخير والتجسّس في الشرّ، الحسن وقتادة: ذكر لنا أنّ نبي الله يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلّا أتى حسن ظنّه بالله من ورائه، وما ساء ظنّه بالله ساعة قط من ليل أو نهار، الحسن عن الأحنف بن قيس عن ابن عباس بن عبد المطّلب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «قال داود: (إلهي) [[في المصدر: يا رب.]] أسمع الناس يقولون إله [[في المصدر: رب.]] إبراهيم وإسحاق ويعقوب فاجعلني رابعا: فقال: لست هناك، إنّ ابراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلّا اختارني، وإنّ إسحاق جاد لي بنفسه، وإنّ يعقوب في طول ما كان لم ييأس من يوسف» [124] [[الدرّ المنثور: 5/ 281.]] . قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ في الآية متروك يستدلّ بسياق الكلام عليه تقريره: فجاؤوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف، فقالوا له: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ، يا أيّها الملك بلغة حمير، مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ الشدّة والجوع وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ قليلة، رديئة ناقصة، كاسدة. لا تنفق في شيء من الطعام إلّا [يتوجبن] من البائع فيها، وأصل الإزجاء السوق والدفع، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً [[سورة النور: 43.]] قال النابغة الذبياني: وهبّت الريح من تلقاء ذي أزل ... تزجي مع الليل من صرّادها [[الصراد جمع الصارد: وهو سحاب بارد ندي ليس فيه ماء.]] صرما [[صرم جمع الصرمة: القطعة من السحاب.]] [[لسان العرب: 11/ 13.]] وقال حاتم الطائي: ليبك على ملحان ضيف مدفّع ... وأرملة تزجي مع الليل أرملا [[لسان العرب: 11/ 297.]] وإنّما قيل للبضاعة: مزجاة لأنّها غير نافقة وإنّما يجوز تجويزا على دفع من أخذها. وأمالها حمزة والكسائي وفخّمها الباقون. واختلف المفسّرون في هذه البضاعة ما هي؟ عكرمة عن عباس: كانت دراهم رديئة زيوفا لا تنفق إلّا بوضيعه بإذن عنه، يعني لا تنفق في الطعام لأنّه لا يؤخذ في ثمن الطعام إلّا الجيّد، ابن أبي مليكة: حبل خلق الغرارة والحبل ورثة المتاع، عبد الله بن الحرث: متاع الأعراب، الصوف والسّمن، الكلبي ومقاتل وابن حيّان: الصنوبر وحبّة خضراء، سعيد بن جبير: دراهم [قليلة] ، ابن إسحاق: قليلة لا تبلغ ما كان يشترى به إلّا أن تتجاوز لنا فيها أحسن كانت أو أوطأ، جويبر عن الضحّاك: النعال والأدم، وروي عنه أنّها سويق المقل. فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ أي أعطنا بها ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيّد الوافي وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا وتفضّل علينا بما بين الثمنين الجيّد والرديء. ولا تنقصنا من السعر، هذا قول أكثر المفسّرين، وقال ابن جريج والضحّاك: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بردّ أخينا إلينا. إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قال الضحّاك: لم يقولوا: إنّ الله يجزيك أن تصدّقت علينا لأنّهم لم يعلموا أنّه مؤمن، قال عبد الجبار بن العلاء: سئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبيّنا ﷺ‎؟ قال سفيان: ألم تسمع قوله: فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا أراد سفيان أنّ الصدقة كانت لهم حلالا وأنّها إنّما حرّمت على نبيّنا ﷺ‎، وروي أنّ الحسن البصري سمع رجلا يقول: اللهمّ تصدّق عليّ، فقال: يا هذا إنّ الله لا يتصدّق إنّما يتصدّق من يبغي الثواب، قل: اللهمّ أعطني أو تفضّل عليّ. قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ اختلفوا في السبب الذي حمل يوسف على هذا القول، فقال ابن إسحاق: ذكر لي أنّهم لمّا كلّموه بهذا الكلام غلبته نفسه وأدركته الرقّة فانفضّ دمعه باكيا ثمّ باح لهم بالذي كان يكتم فقال: قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ. وقال الكلبي: إنّما قال ذلك حين حكى لإخوانه: أنّ مالك بن أذعر قال: إنّي وجدت غلاما في بئر حاله كيت وكيت وابتعته من قوم بألف درهم فقال: أيّها الملك نحن بعنا ذلك الغلام منه، فغاظ يوسف ذلك وأمر بقتلهم فذهبوا بهم ليقتلوهم، فولّى يهوذا وهو يقول: كان يعقوب يحزن لفقد واحد منّا حتى كفّ بصره فكيف به إذا لو قتل بنوه كلّهم، ثمّ قالوا: إن فعلت ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا وإنّه في مكان كذا وكذا، فذاك حين رحمهم وبكى وقال لهم ذلك القول. وقال بعضهم: إنّما قال ذلك حين قرأ كتاب أبيه إليه وذلك أنّ يعقوب لما قيل له: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ، كتب إليه: من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله، بن ابراهيم خليل الله أمّا بعد فإنّا أهل بيت موكّل بنا البلاء، فأمّا جدّي فشدّت يداه ورجلاه وألقي في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وأمّا أبي فشدّت يداه ورجلاه ووضع السكّين على قفاه، ليقتل، ففداه الله، وأمّا أنا فكان لي ابن وكان أحبّ أولادي إليّ فذهب به إخوته إلى البريّة ثمّ أتوني بقميصه ملطّخا بالدم وقالوا: قد أكله الذئب وذهب [..........] [[كلمة غير مقروءة.]] ثمّ كان لي ابن وكان أخاه من أمّه وكنت أتسلّى به، فذهبوا به ثمّ رجعوا وقالوا: إنّه سرق، وإنّك حبسته بذلك وإنّا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فإن رددته إليّ وإلّا دعوت عليك دعوة تنزل بالسابع من ولدك، فلمّا قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك البكاء وعيل صبره فقال لهم ذلك. وقال بعضهم: إنّما قال ذلك حين سأل أخاه بنيامين: هل لك ولد؟ قال: نعم، ثلاثة بنين، قال: فما سمّيتهم؟ قال: سمّيت الأكبر يوسف قال: ولم؟ قال: محبّة لك، لأذكرك به، قال: فما سمّيت الثاني؟ قال: ذئبا، قال: ولم سمّيته بالذئب وهو سبع عاقر؟ قال: لأذكرك به، قال: فما سمّيت الثالث؟ قال: دماء، قال: ولم؟ قال لأذكرك به، فلمّا سمع يوسف المقالة خنقته العبرة، ولم يتمالك، فقال لإخوته: لمّا دخلوا عليه: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إذ فرّقتم بينهما وصنعتم ما صنعتم إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، بما يؤول إليه أمر يوسف. وقيل: يكون المذنب جاهل وقت ذنبه. قال ابن عباس: إذا أنتم صبيّان، الحسن: شبان وهذا غير بعيد من الصواب لأنّ مظنّة الجهل الشباب. فإنّ سئل عن معنى قول يوسف ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ وقيل ما كان عنهم إلى أخيه وهم لم يسعوا في حبسه، فالجواب أنّهم لمّا أطلقوا ألسنتهم على أخيهم بسبب الصاع [حبس] وقالوا: ما رأينا منكم يا بني راحيل كما ذكرناه، فعاتبهم يوسف على ذلك. وقيل: إنّهما لمّا كانا من أمّ واحدة وكانوا يؤذونه بعد فقد يوسف فعاتبهم على ذلك. قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ: قرأ ابن محصن وابن كثير: إنّك على الخبر، وقرأ الآخرون على الاستفهام، ودليلهم قراءة أبي بن كعب أو أنت يوسف، قال ابن إسحاق: لمّا قال يوسف لأخوته هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ الآية، كشف عنهم الغطاء ورفع الحجاب فعرفوه، فقالوا: إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ، جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس، قال: قالَ يوسف: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ؟ ثمّ تبسّم، وكان إذا تبسّم كأنّ ثناياه اللؤلؤ المنظوم، فلمّا أبصروا ثناياه شبّهوه بيوسف، فقالوا له استفهاما: إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ؟، ابن سمعان عن عطاء عن ابن عباس قال: إنّ إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان في قرنه علامة، وكان ليعقوب مثلها، وكان لإسحاق مثلها، وكان لسارة مثلها شبه الشامة البيضاء، فلمّا قال لهم: [هَلْ] عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ورفع التاج عنه، فعرفوه فقالوا: إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ [[تفسير القرطبي: 9/ 256.]] . قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بأن جمع بيننا بعد ما فرّقتم إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، وَيَصْبِرْ عمّا حرّم الله عليه، قال ابن عباس: يَتَّقِ الزنا وَيَصْبِرْ على العزوبة، مجاهد: يَتَّقِ معصية الله وَيَصْبِرْ على السجن فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، ف قالُوا مقرّين معتذرين: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا اختارك الله علينا بالعلم والحكم والعقل والفضل والحسن والملك وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ وإن كنّا في صنيعنا بك لمخطئين، مذنبين، يقال: خطئ، يخطأ، خطأ وخطأ وأخطأ إذا أذنب، قال أميّة بن الأكسر: وإنّ مهاجرين تكنّفاه ... لعمر الله قد خطئا وخابا [[جامع البيان للطبري: 13/ 73 وفيه حابا بدل خابا.]] وقيل لابن عباس: كيف قالوا: إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ وقد تعمّدوا لذلك؟ فقال: أخطئوا الحقّ وإن تعمّدوا، وكلّ من أتى ذنبا كذلك يخطئ المنهاج الذي عليه من الحقّ حتى يقع في الشبهة والمعصية ف قالَ يوسف وكان حليما موفّقا: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ لا تعيير ولا تأنيب عليكم، ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم، وأصل التثريب: الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز، ومنه قول النبي ﷺ‎: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها» [125] [[كنز العمّال: 5/ 338، ح 13116.]] أي لا يعيّرها، ثمّ دعا لهم يوسف وقال: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. عطاء عن ابن عباس قال: أخذ النبي ﷺ‎ بعضادتي الباب يوم فتح مكّة وقد لاذ الناس بالبيت، وقال: «الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» [[مسند أحمد: 2/ 11، تفسير القرطبي: 9/ 258.]] [126] ثمّ قال: «ما [[في المصدر: ماذا تظنون يا معشر قريش.]] تظنون؟» قالوا: نظنّ خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، قال: «وأنا أقول كما قال أخي يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» [127] [[تفسير القرطبي: 9/ 256.]] . قال السدي وغيره: فلمّا عرّفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل؟ قالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه وقال لهم: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً يعود مبصرا، لأنّه كان دعاء. قال الضحاك: كان ذلك القميص من نسج الجنّة، روى السدّي عن أبيه عن مجاهد عن هذه الآية قال: كان يوسف أعلم بالله عزّ وجل من أن يعلم أنّ قميصه يردّ على يعقوب بصره، ولكنّ ذلك قميص إبراهيم الذي ألبسه الله عزّ وجل في النار من حرير الجنّة، وكان كساه إسحاق، وكان إسحاق كساه يعقوب وكان يعقوب، أدرج القميص وجعله في قصبة وعلّقه في عنق يوسف لما كان يخاف عليه من العين، ثمّ أمره جبرئيل (عليه السلام) أن أرسل بقميصك فإنّ فيه ريح الجنّة لا يقع على مبتل ولا سقيم إلّا صحّ وعوفي. وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب