الباحث القرآني

وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ قرأ العامّة بالجمع لأنها موصوفة وهو قوله: لَواقِحَ، وقرأ بعض أهل الكوفة: الريح على الواحد وهو في معنى الجمع أيضا وإن كان لفظها لفظ الواحد، لأنه يقال: جاءت الريح من كل جانب، وهو مثل قوله: أرض سباسب وثوب أخلاق، وكذلك تفعل العرب في كل شيء اتّسع، وقول العلماء في وجه وصف الرياح: باللقح، وإنما هي ملقّحة لأنها تلقح السحاب والشجر. فقال قوم: معناها حوامل لأنها تحمل الماء والخير والنفع لاقحة كما يقال: ناقة لاقحة إذا حملت الولد، ويشهد على هذا قوله: الرِّيحَ الْعَقِيمَ فجعلها عقيما إذا لم تلقح ولم يكن فيها ماء ولا خير، فمن هذا التأويل قول ابن مسعود في هذه الآية قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء فيمري السحاب فتدرّ كما تدرّ اللقحة ثمّ يمطر. قال الطرماح: لأفنان الرياح للاقح ... قال منها وحائل [[انظر: زاد المسير: 4/ 288.]] وقال الفراء: أراد ذات لقح. كقول العرب: رجل نابل ورامح وتامر. قال أبو عبيدة: أراد ملاقح جمع ملقحة كما في الحديث «أعوذ بالله من كل لامّة» أي ملمّة. قال النابغة: كليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب [[الصحاح: 3/ 904.]] أي منصب. قال زيد بن عمر: يبعث الله المبشرة فتقمّ الأرض قمّا، ثمّ يبعث الله المثيرة فتثير السحاب، ثمّ يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب، ثمّ يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، ثمّ تلا: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ. وقال أبو بكر بن عياش: لا يقطر قطرة من السحاب إلّا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيه: فالصبا تهيّجه، والدبور تلقحه، والجنوب تدرّه، والشمال تفرقه. ويروي أبو المهزم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الريح الجنوب من الجنة وهي الرياح اللواقح التي ذكر الله في كتابه وفيها منافع للناس» [[تفسير الطبري: 14/ 30.]] . فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي جعلنا المطر لكم سقيا، ولو أراد أنزلناه ليشربه لقال: فسقيناكموه، وذلك أن العرب تقول: سقيت الرجل ماء ولبنا وغيرهما ليشربه، إذا كان لسقيه، فإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه أو ماشيته قالوا: أسقيته وأسقيت أرضه وماشيته، وكذلك إذا استسقت له، قالوا: أسقيته واستسقيته، كما قال ذو الرمة: وقفت على رسم لميّة ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتّى كاد مما أبثّه ... تكلمني أحجاره وملاعبة [[المصدر السابق.]] قال المؤرخ: ما تنال الأيدي والدلاء فهو السقي وما لا تنال الأيدي والدلاء فهو الإسقاء. وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ يعني المطر. قال سفيان: بما نعين. وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ بأن نميت جميع الخلق فلا يبقى من سوانا، نظيره قوله: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ [[سورة مريم: 40.]] . وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ. ابن عبّاس: أراد ب الْمُسْتَقْدِمِينَ: الأموات، والْمُسْتَأْخِرِينَ: الأحياء. عكرمة: الْمُسْتَقْدِمِينَ: من خلق، والْمُسْتَأْخِرِينَ: من لم يخلق، قد علم من خلق إلى اليوم وقد علم من هو خالقه بعد اليوم. قتادة: المستقدمون: من مضى، والمستأخرون: من بقي في أصلاب الرجال. الشعبي: من استقدم في أول الخلق، ومن استأخر في آخر الخلق. مجاهد: المستقدمون: القرون الاولى، والمستأخرون: أمة محمّد (ﷺ‎) . الحسن: المستقدمون بالطاعة والخير، والمستأخرون المبطئون عن الطاعة والخير. وقيل: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ في الصفوف في الصلاة، والْمُسْتَأْخِرِينَ فيها بسبب النساء. وروى أبو الجوزاء وابن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: كانت النساء يخرجن إلى الجماعات فيقوم الرجال صفوفا [خلف] النبي ﷺ‎ والنساء صفوفا خلف صفوف الرجال، وربما كان في الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى الصف الأخير من صفوف الرجال، وربما كان في النساء من في قلبها ريبة فتتقدّم إلى أول صف النساء لتقرب من الرجال، وكانت امرأة من أحسن الناس لا والله ما رأيت مثلها قط، تصلي خلف النبي ﷺ‎ وكان بعض الناس ويتقدّم في الصف الأوّل لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتّى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع وسجد نظر إليها من تحت يديه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال النبي ﷺ‎: «خير صفوف الرجال أوّلها وشرّها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أولها» [[مسند أحمد: 2/ 247، صحيح مسلم: 2/ 32.]] . وقال الربيع بن أنس: حضّ رسول الله ﷺ‎ على الصف الأوّل في الصلاة فازدحم الناس عليه، وكانت بنو عذرة دورهم قاصية عن المسجد. فقالوا: نبيع دورنا ونشتري دورا قريبة من المسجد، فأنزل الله تعالى هذه الآية وفيهم نزلت: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ [[سورة يس: 12.]] . الأوزاعي: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ يعني المصلين في أوّل الأوقات، وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ يعني المؤخرين صلاتهم إلى آخر الأوقات. مقاتل بن حيان: يعني المستقدمين والمستأخرين في صف القتال. ابن عيينة: يعني من يسلم ومن لا يسلم. وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ. قال ابن عبّاس: وكلهم ميت ثمّ يحشرهم ربهم جميعا الأوّل والآخر إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني آدم (عليه السلام) ، قال إنسانا لأنه عهد إليه فنسي. وذهب إلى هذا قوم من أهل اللغة وقالوا: وزنه إنسيان على وزن إفعلان فأسقط الياء منه لكثرة جريانه على الألسن، فإذا صغّر ردت الياء إليه فيقول أنيسان على الأصل لأنه لا يكثر صغرا كما لا يكبر مكبرا. وقال آخرون: إنما سمّي إنسانا لظهوره وإدراك البصر إياه وإليه ذهب نحاة البصرة وقالوا: هو على وزن فعلان فزيدت الياء في التصغير كما زيدت في تصغير رجل فقالوا: رويجل وليلة فقالوا: لويلة. مِنْ صَلْصالٍ وهو الطين اليابس إذا نقرته سمعت له صلصلة أي صوتا من يبسه، قيل: أن تمسه النار فإذا أصابته النار فهو فخار، هذا قول أكثر المفسرين. وروى أبو صالح عن ابن عبّاس: هو الطين الحرّ الطيب الذي إذا نضب عنه الماء تشقق وإذا حرّك تقعقع. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هو الطين المنتن، واختاره الكسائي وقال هو من قول العرب: صل اللحم وأصلّ إذا أنتن. مِنْ حَمَإٍ جمع حمأة مَسْنُونٍ. قال ابن عبّاس: هو التراب المبتل المنتن، يجعل صلصالا كالفخار ومثله، قال مجاهد وقتادة: المنتن المتغير. قال الفرّاء: هو المتغير وأصله من قول العرب: سننت الحجر على الحجر أي أحككته وما يخرج من بين الحجرين يقال له السنن والسنانة ومنه المسن. أبو عبيدة: هو المصبوب، وهو من قول العرب: سننت الماء على الوجه وغيره إذا صببته. [سيبويه] : المسنون: المصور، مأخوذ من سنة الوجه وهي صورته. قال ذو الرمة: [تريك] سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب [[لسان العرب: 9/ 281.]] . وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ. قال ابن عبّاس: هو أب الجن. قتادة ومقاتل: هو إبليس، خلق قبل آدم. مِنْ نارِ السَّمُومِ. قال ابن عبّاس: السموم: الحارة التي تقتل. الكلبي عن أبي صالح عنه: هي نار لا دخان لها والصواعق تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله له أمرا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت، فالهدّة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب. أبو روق عن الضحاك عن ابن عبّاس قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ. روى سعيد عن أبي إسحاق قال: دخلت على عمرو بن الأصم أعوده فقال: ألا أحدثك حديثا سمعته من عبد الله [قال: بلى، قال:] سمعت عبد الله يقول: هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان وتلا: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب