الباحث القرآني

وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ تخوف كفار مكة وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً وقد اختلفوا في مبلغ مدة القرن: قال عبد الله بن أبي: وفي القرن عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله ﷺ‎ في أول قرن كان وآخرهم يزيد بن معاوية. وروى محمّد بن القاسم عن عبد الله بن بشير المازني أن النبي ﷺ‎ وضع يده على رأسه وقال: «سيعيش هذا الغلام قرنا» فقلت: كم القرن؟ قال: «مائة سنة» . قال محمّد بن القاسم: ما زلنا نعدّ له حتّى [تمت] مائة سنة ثمّ مات. وقال الكلبي: القرن ثمانون سنة. وروى عمر بن شاكر عن ابن سيرين قال: قال رسول الله ﷺ‎: «القرن أربعون سنة» [23] . مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ يعني الدنيا فعبرنا بحرف عن الاسم، أراد بالدار العاجلة عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ من البسط والتقدير لِمَنْ نُرِيدُ أن يفعل به ذلك [أوّل] إهلاكه، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ في الآخرة يَصْلاها يدخلها مَذْمُوماً مَدْحُوراً مطرودا مبعدا وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وعمل لها عملها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً مقبولا غير مكفور كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ أيّ نمد كل الفريقين، من يريد العاجلة ومن يريد الآخرة فيرزقهما جميعا مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ثمّ يختلف بهما الحال في المال وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ممنوعا [محبوسا] [[هكذا في الأصل.]] عن عباده انْظُرْ يا محمّد كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في الرزق والعمل، يعني طالب العاجلة وطالب الآخرة وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الخطاب إلى النبي ﷺ‎ والمراد به غيره فَتَقْعُدَ فتبقى مَذْمُوماً مَخْذُولًا وَقَضى أمر رَبُّكَ. قال ابن عبّاس وقتادة والحسن قال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن وقال إنه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنك عصيت ربك وبانت منك امرأتك، فقال الرجل: قضى الله ذلك عليّ. قال الحسن وكان فصيحا: ما قضى الله، أي ما أمر الله وقرأ هذه الآية وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فقال الناس: تكلم الحسن في [القدر] . وقال مجاهد وابن زيد: وأوصى ربك، ودليل هذا التأويل قراءة علي وعبد الله وأبيّ: ووصى ربك. وروى أبو إسحاق [الكوفي] عن شريك بن مزاحم أنه قرأ: ووصى ربك وقال: إنهم [ادنوا] الواو بالصاد فصارت قافا. وقال الربيع بن أنس: [وأوجب] [[هكذا في الأصل.]] رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي وأمر بالأبوين إحسانا برا بهما وعطفا عليهما إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ الكسائي بالألف، وقرأ الباقون: يَبْلُغَنَّ بغير الألف على الواحدة وعلى هذه القراءة قوله أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما كلام [مستأنف] كقوله عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ [[سورة المائدة: 71.]] وقوله وَأَسَرُّوا النَّجْوى [[سورة طه: 62.]] ثمّ ابتدأ فقال: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ فيه ثلاث لغات بفتح الفاء [حيث قد رفع] [[هكذا في الأصل.]] وهي قراءة أهل مكة والشام واختيار يعقوب وسهيل. و (أُفٍّ) بالكسر والتنوين وهي قراءة أهل المدينة وأيوب وحفص. و (أُفِّ) مكسور غير منون وهي قراءة الباقين من القراء، وكلها لغات معروفة معناها واحد. قال ابن عبّاس: هي كلمة كراهة. مقاتل: الكلام الرديء الغليظ. أبو عبيد: أصل الأف والتف الوسخ على الأصابع إذا فتلته وفرق الآخرون بينهما فقيل الأف ما يكون في المغابن من العرق والوسخ، والتف ما يكون في الأصابع، وقيل: الأف وسخ الأذن والتف وسخ [الأظفار] وقيل: الأف وسخ الظفر والتف ما رفعت يدك من الأرض من شيء حقير. وَلا تَنْهَرْهُما لا تزجرهما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً حسنا جميلا. وقال ابن المسيب: كقول العبد المذنب للسيد الفظ [[راجع تفسير الطبري: 15/ 84.]] . وقال عطاء: لا تسمهما ولا تكنّهما وقل لهما: يا أبتاه ويا أماه. مجاهد في هذه الآية: إن بلغا عندك من الكبر ما يبولان ويحدثان فلا تتعذرهما [[هكذا في الأصل.]] . ولا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ حين ترى الأذى وتميط عنهما الخراء والبول كما كانا يميطانه عنك صغيرا [ولا تؤذهما] [[هكذا في الأصل.]] [وروى سعيد بن المسيب: أن [العاق] يموت ميتة سوء، وقال رجل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن أبوي بلغا من الكبر أني أوليهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما؟ قال (صلى الله عليه وآله) : [ «لا فإنهما كانا يفعلان لك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل وأنت تريد موتهما» ] [[عن هامش المخطوط.]] [24] . وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ. قال عروة بن الزبير: إن لهما حتّى لا يمتنع من شيء أحياه. مقاتل: ألن لهما جانبك فاخضع لهما. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير وعاصم الجحدري: جَناحَ الذِّلِّ بكسر الذال أي [لا تستصعب معهما] . وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً. قال ابن عبّاس: هو منسوخ بقوله ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى الآية. روى شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ‎: «رضى الله تعالى مع رضا الوالدين وسخط الله مع سخط الوالدين» [25] [[سبل السلام للعسقلاني: 4/ 164، والدر المنثور: 4/ 172.]] . عطاء عن عائشة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «يقال للعاق اعمل ما شئت إني لا أغفر لك ويقال للبار اعمل ما شئت وإني أغفر لك» [26] [[كنز العمال: 16/ 476.]] . روى عطاء عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ‎ «من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح أمسى وأصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة، وإن أمسى وأصبح مسخطا لوالديه أصبح وله بابان إلى النار وان واحدا فواحد» [27] [[تفسير القرطبي: 10/ 245.]] . فقال رجل: يا رسول الله وإن ظلماه؟ قال: «وإن ظلماه» ، ثلاث مرات. وروى رشيد بن سعد عن أبي هاني الخولاني عن أبي عمر [القصبي] [[هكذا في الأصل.]] قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: يا رسول الله دلني على عمل أعمله يقربني إلى الله؟ قال: «هل لك والدة ووالد؟» قال: نعم. قال: «فإنما يكفي مع البر بالوالدين العمل [اليسير] » [28] . رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ من بر الوالدين وعقوقهما إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ أبرارا مطيعين فيما أمركم الله به بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين، وغير ذلك من فرائض الله فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ بعد المعصية والهفوة غَفُوراً. وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: هو الرجل يكون منه المبادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلّا الخير، فإنه لا يؤخذ به. واختلف المفسرون في معنى الأوابين: فقال سعيد بن جبير: الراجعين إلى الخير، سعيد بن المسيب: الذي يذنب ثمّ يتوب ثمّ يذنب ثمّ يتوب. مجاهد عن عبيد بن عمر: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا فيستغفر الله تعالى عنها. عمرو بن دينار: هو الذي يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في [مجلسي] هذا. ابن عبّاس: الراجع إلى الله فيما [لحق به وينويه] [[هكذا في الأصل.]] والأبواب فعال من أوب إذا رجع. قال عبيد بن الأبرص: وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب. وقال عمرو بن شرحبيل: وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس دليله قوله يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [[سورة سبأ: 10.]] . الوالبي: عنه المطيعين المخبتين. قتادة: المصلين. عون العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى. ابن المنكدر: بين المغرب والعشاء. روى ابن إدريس عن أبيه عن سعيد بن جبير قال: الأوابين الرغابين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب