الباحث القرآني

سعيد بن سويد عن العرياض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ‎ في قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ الآية. وذلك إن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما إنّ الله عزّ وجلّ قال في التوراة: إنّي باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجرا أن يسلم فأنزل الله تعالى. وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أي يترك دينه وشريعته. يقال: رغب في الشيء إذا أردته ورغبت عنه إذا تركته. وأصل الرّغبة: رفع الهمّة عن الشيء وإليه يقال: رغب فلان في فلان وإليه إذا همّت نفسه إليه، والأصل فيه الكرة فمعنى قوله تعالى وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ أي يرفع همّته عنها إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ. قال ابن عبّاس: حيّر نفسه. حيّان عن الكلبي: ظلّ من [جهة] نفسه [[راجع زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 132 ونسبه للزجاج.]] . أبو روق: عجّز رأيه عن نفسه. يمان: حمق رأيه، ونفسه منصوب في هذه الأقاويل بنزع حرف الصّفة. وقال الفرّاء: نصب على التفسير، والأصل: سفهت نفسه فلمّا أضاف الفعل إلى صاحبها خرجت النفس مفسّرة ليعلم موضع السفه كما يقال: ضقت به ذرعا معناه: ضاق ذرعي به، ويقال: ألم زيد رأسه ووجع بطنه. وقال أبو عبيدة: سفه نفسه: أي أوبق نفسه وأهلكها. هشام وابن كيسان: جهل نفسه. وحكى المفضّل بن سلمة عن بعضهم سفه. حقّر نفسه. والنفس على هذه الأقوال نصب لوقوع الفعل عليه وهذا كما جاء في الخبر: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» [113] [[مناقب الخوارزمي: 375، وفيض القدير: 5/ 64 ح 6416.]] . وأصل السفه والسفاهة: الخفّة والجهل وضعف الرأي يقال سفه يسفه وسفه يسفه. وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ اخترناه فِي الدُّنْيا وأصل الطاء فيه تاء حوّلت طاء لقرب مخرجيها ولتطوع اللسان به. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ الفائزين. قال الزجّاج وقال ابن عبّاس: يعني مع آبائه الأنبياء في الجنّة بيانه قوله: خطابه عن يوسف تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [[سورة يوسف: 101.]] . وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها لقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة بأنّه لمن الصالحين نظيرها في سورة النحل. إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ أي استقم على الإسلام أو اثبت عليه لأنّه كان مسلما كقوله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [[سورة محمد: 19.]] أي أثبت على علمك. وقال ابن عبّاس: إنّما قال له ذلك حين ألقي في النّار، وعن ابن كيسان: أخلص دينك لله بالتوحيد. عطاء: أسلم نفسك إلى الله، وفوّض أمورك لله، وقيل: اخضع واخشع. قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَوَصَّى في مصحف عبد الله: فوصّى، وقال أهل المدينة والشام: وأوصى بالألف، وكذلك هو في مصاحفهم. قال أبو عبيد: وكذلك رأيت في مصحف عثمان، وقرأ الباقون «وَوَصَّى» مشددا، وهما لغتان، يقال: أوصيته قد وصيته به إذا أمرته به مثل: أنزل ونزّل. قال الله فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [[سورة الطارق: 17.]] ، وتصديق الإيصاء قوله يُوصِيكُمُ اللَّهُ [[سورة النساء: 11.]] ، وقوله يُوصِينَ [[سورة النساء: 12.]] ، ودليل التوصية قوله وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً [[سورة العنكبوت: 8.]] ، وقوله فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [[سورة يس: 50.]] . الكلبي ومقاتل: يعني كلمة الآحاد لا إله إلّا الله، وقال أبو عبيدة: إن شئت رددت الكناية إلى الملّة لأنّه ذكر ملّة إبراهيم وأن شئت رددتها إلى الوصية. وقال المفضل: بالطاعة كناية عن غير مذكور، كقوله حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [[سورة ص: 32.]] ، وقال طرفة: على مثلها الحواء إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك عنها وافتدي أي من الفلاة. بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ التمنية: إسماعيل وأمّه هاجر القبطية، وإسحاق وأمّه سارة، ومدين و [ ... سراين] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] ونقشان، وآتون، ويشبق، وشوخ، وأمّهم جميعا- قطورا بنت يقطن الكنعانية تزوّجها إبراهيم بعد وفاة سارة. وقوله تعالى وَيَعْقُوبُ وسمي بذلك لأنه والعيص كانا توأمين فتقدّم عيص في الخروج من بطن أمّه وخرج يعقوب على أثره فأخذ يعقبه. قاله ابن عبّاس وقد مضت القصّة. وقيل: سمّي يعقوب لكثرة عقبه، وعن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ‎: «بعثت على أثر ثمانية آلاف نبيّ أربعة آلاف من بني إسرائيل» [114] [[كنز العمال: 11/ 483 ح 32280، والبداية والنهاية: 2/ 183.]] . ومعنى الآية: ووصى بها أيضا، ويعقوب: بنيه الأثني عشر وهم روفيل أكبر ولده وشمعون ولاوي وهودا وفريالون وسجر ودان ومفتالي وجاد واشرب [[في تفسير الطبري (1/ 790) : لاوي ويهوذا وريالون ويشجر ونفثالي وجاد واشرب ويوسف ويعقوب وشمعون ودان وبنيامين.]] ويوسف وابن يافين. يا بَنِيَّ معناه أن يا بنيّ، وكذلك في قراءة أبي وابن مسعود، وقال الفراء: إنّما قال ذلك لأنّ الوصية قول وكان تقديره وقال: يا بنيّ كقوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [[سورة المائدة: 9.]] أي وقال لهم لأنّ العبرة بالقول وقال يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ [[سورة النساء: 11.]] معناه ويقول لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وقال الشاعر: إنّي سأبدي لك فيما أبدي ... من شجنان شجن نجد وشجن لي ببلاد الهند أي وأقول لأنّ الإبداء في المعنى كالقول باللسان. وحكى ابن مجاهد عن بعضهم ويعقوب أيضا نسقا على بنيه لأنه في جملة الموصين. إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ اختار لكم الإسلام. فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ مؤمنون وقيل: مخلصون وقيل: مفوضون وعن الفضيل ابن عياض في قوله: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي محسنون بربّكم الظن. أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ حضورا. إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ الآية نزلت في اليهود حين قالوا للنبيّ ﷺ‎: ألست تعلم إنّ يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية [[راجع زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 133.]] ؟ وعلى هذا القول [.......] [[كلمة غير مقروءة.]] بن الخطاب لليهود. وقال الكلبي: لمّا دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيّران فجمع ولده وخاف عليهم ذلك. إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قال عطاء: إنّ الله لم يقبض نبيّا حتّى يخيّره بين الموت والحياة فلمّا خيّر يعقوب قال: أنظرني حتّى أسأل ولدي وأوصيهم ففعل الله ذلك به، فجمع ولده وولد ولده وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي؟ أي من بعد موتي. قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ الآية، وقرأ أبي: إلهك وإله إبراهيم وإسماعيل. وقرأ يحيى بن يعمر الجحدري: وإله أبيك على الواحد، قالوا: لأنّ إسماعيل عم يعقوب لا أبوه. وقرأ العامّة: آبائِكَ على الجمع وقالوا: عم الرّجل صنو أبيه. قال النبيّ ﷺ‎: «هذا بقية آبائي» [115] ، وقال أيضا: «ردّوا عليّ أبي فإني أخشى أن يفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود» [116] . يعني العبّاس. والعرب تسمّي العمّ أبا وتسمّي الخالة أمّا قال الله تعالى وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ [[سورة يوسف: 12.]] يعني يعقوب وليّا وهي خالة يوسف. إِلهاً واحِداً أي نعرفه ونعبده إلها واحدا. وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ جماعة قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ من الدين والعمل. وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ منها. وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ وإنّما تسألون عمّا تعملون أنتم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب