الباحث القرآني

لِكُلٍّ وِجْهَةٌ أي ولكلّ أهل ملّة قبلة. َ مُوَلِّيها مستقبلها ومقبل إليها يقال: ولّيته، وولّيت إليه. إذا أقبلت إليه وولّيت عنه إذا أدبرت عنه. وأصل التولية: الانصراف، وقرأ ابن عبّاس وابن عامر وأبو رجاء وسليمان بن عبد الملك: هو مولاها: أي مصروف إليها. وفي حرف أبي: ولك قبلة هو مولّيها، وفي حرف عبد الله: ولكلّ جعلنا قبلة هو موليها. سْتَبِقُوا الْخَيْراتِ وبادروا فعل الخيرات، ومجازه فاستبقوا إلى الخيرات: أي يسبق بعضكم بعضا فحذف حرف الخبر. كقول الشاعر: وهو الداعي [......] [[كلمة سقط في المخطوط.]] عليكم بالحرب ... ومن يمل سواكم فإني منه غير مائل أراد من يمل إلى سواكم. ْنَ ما تَكُونُوا يريد أهل الكتاب. ْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم. َّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ حيث حرف بدل على الموضع، وفيه ثلاث لغات: بالياء وحرف الثاء وهي لغة قريش، وقراءة العامّة، واختلفوا في وضع رفعها فقيل: هو مبني على الضم مثل: منذ وقط، وقيل: رفع على الغاية كقوله لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [[سورة الروم: 4.]] . وحيثَ: بالياء ونصب الثاء وهي قراءة عبيد بن عمير. قال الكسائي: إنّما نصب بسبب الياء لأنّها ساكنة وإذا اجتمع ساكنان في حرف حركوا الثاني إلى الفتح لأنّه أخف الحركات مثل: ليت وكيف. وحوث: بالواو والضم وهي لغة ابن عمر. يروى إنّه سئل أين يضع المصلّى يده في الصلاة، فقال: ارم بهما حوث وقعتا. فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ إلى وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ أيّها المؤمنون. فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ هي لام كي دخلت على أن فكتبت بالكسرة ما قبلها، وترك بعضهم همزها تخفيفا، والحجة فعلة من الحج وهو الفصل، ومنه المحجة وهي الطريق الواضح المسلوك لأنّه مقصود، ويقال: للمخاصمة محاجة لقصد كلّ واحد من الخصمين إلى إقامة بينته، وإبطال ما في يد صاحبه. واختلفوا في تأويل هذه الآية ووجه قوله إِلَّا فقال بعض أهل التأويل: ومعنى الآية حوّلت القبلة إلى الكعبة لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إذا صلّيتم إليها فيحتجّون عليكم ويقولون: لم تركتم التوجه إلى الكعبة وتوجهتم إلى غيرها لولا إنّه ليست لكم قبلة؟ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم قريش واليهود وأمّا قريش فتقول إنّما رجع إلى الكعبة لأنّه عليم أنّها قبلة آبائه وهي الحقّ وكذا يرجع إلى ديننا ويعلم أنّه الحقّ، وأمّا اليهود فإنّهم يقولون لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنّه حق إلّا إنّه إنّما يفعل برأيه فيزعم إنّه أمر به، وهذا القول اختيار المفضّل بن سلمة الضبي وهو قول صحيح مرضي. وقال قوم: معنى الآية لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ يعني لأهل الكتاب عليكم حُجَّةٌ وكانت حجّتهم على رسول الله ﷺ‎ وأصحابه في صلاتهم نحو بيت المقدّس إنّهم كانوا يقولون: ما درى محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم نحن، وقولهم: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا فهذه الحجّة التي كانوا يحتجّون بها على المؤمنين على وجه الخصومة والتمويه بها على الجّهال من المشركين ثمّ قال إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم مشركوا مكّة وحجّتهم إنّهم قالوا: لمّا صرفت القبلة إلى الكعبة أنّ محمّدا قد تحيّر في دينه فتوجّه إلى قبلتنا وعلم إنّا أهدى سبيلا منه وانّه لا يستغني عنّا ويوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والربيع والسّدي واختيار محمد بن جرير. وعلى هذين القولين إلّا استثناء صحيح على وجه نحو قولك: ما سافر أحد من النّاس إلّا أخوك فهو إثبات للأخ من السفر، وما هو منفي عن كلّ أحد من النّاس، وكذلك قوله تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا من قريش نفي عن أن يكون لأحد حجة قبل رسول الله ﷺ‎ وأصحابه بسبب تحولهم إلى الكعبة إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا من قريش فإن لهم قبلهم حجة لما ذكرنا. ومعنى الحجة في هذين القولين: الخصومة والجدل، والدعوى بالباطل كقوله لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ [[سورة الشورى: 15.]] : أي لا خصومة، وقوله أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ [[سورة البقرة: 139.]] ولِيُحَاجُّوكُمْ وتُحَاجُّونَ وحاجَجْتُمْ كلّها بمعنى المجادلة. والمخاصمة لا بمعنى الدليل والبرهان، وموضع الّذين خفض كأنه قال: إلّا للذين ظلموا. فلما سقطت اللام حلّت (الّذين) محلها قاله الكسائي. قال الفراء: موضعه نصب بالاستثناء، وإنّما [......] [[كلمة غير مقروءة.]] منهم ردّ إلى لفظ الناس لأنّه عام، وإن كان كلّ واحد منهم غير الآخر والله أعلم، وقال بعضهم: هو استثناء منقطع من الكلام الأول ومعناه إلّا يكون للنّاس كلّهم عليكم حجة اللهمّ إلّا الّذين ظلموا فإنّهم يحاجونكم في الباطل ويجادلونكم بالظلم، وهذا كما يقول للرجل: النّاس كلّهم لك سامرون إلّا الظالم لك: يعني لا [......] [[سقط في أصل المخطوط.]] ذلك بتركه حمدك لعداوته لك، وكقولك للرجل: مالك عندي حق إلّا أن تظلم، وما لك حجة إلّا الباطل، والباطل لا يكون حجّة، وهذا استثناء من غير الحسن. كقول القائل: ليس في الدّار أحد إلّا الوحش. كقول النابغة: وما بالرّبع من أحد إلّا وأرى لأيا ما ... أمنّها وننوي كالحوض بالمظلومة الجلد وهذا قول الفراء والمؤرخ. وقال أبو روق: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ يعني اليهود عليكم حجة وذلك إنّهم كانوا قد عرفوا إنّ الكعبة قبلة إبراهيم وقد كانوا وجدوا في التوراة أنّ محمّدا سيحوّل إليها. فحوّله الله إليها لئلا يكون لهم حجة فيحتجون. بأن هذا النبيّ الّذى نجده في كتابنا سيحوّل إليها ولم تحوّل أنت فلمّا حوّل النبيّ ﷺ‎ ذهبت حجّتهم ثمّ قال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم يعني إلّا أن يظلموكم فيكتموا ما عرفوا. وقال الأخفش: معناه لكفى الّذي ظلموا ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ يعني: لكن يتبعون الظّن، قوله: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ [[سورة الليل: 19.]] يعني لكن تبتغى وجه ربّك فيكون منفردا من الكلام الأوّل. وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة إنّه قال: ليس موضع إلّا هاهنا موضع الاستثناء لأنّه لا يكون للظالم حجّة إنّما هو في موضع واو العطف كأنّه قال: ولا الّذين ظلموا يعني والّذين ظلموا لا يكون لهم أيضا حجّة. وأنشد المفضل: ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلّا دار مروانا [[مجمع البيان: 1/ 427.]] وأنشد أيضا: وكلّ أخ مفارقة أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان يعني والفرقدان أيضا متفرقان وأنشد الأخفش: وارى لها دارا بأغدرة السيدان ... لم يدرس لها رسم إلّا رمادا هامدا دفعت ... عنه الرياح خوالد سحم [[مجمع البيان: 1/ 427.]] أي: وأرى دارا ورمادا، يؤيّد هذا القول ما روى أبو بكر بن مجاهد عن بعضهم إنّه قرأ بعضهم: (إلى الّذين ظلموا) مخفّفا يعني مع الّذين ظلموا. ومعنى الآية: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ، يعني اليهود عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ في أمر الكعبة حيث لا يستقبلونها وهي قبلة إبراهيم فيقولون لكم تزعمون إنّكم على دين إبراهيم ولم تستقبلوا قبلته ولا للذين ظلموا وهم مشركوا مكّة لأنّهم قالوا: إنّ الكعبة قبلة جدّنا إبراهيم فما بال محمّد تحوّل عنها فلا يصلّي إليها ويصلّي إلى قبلة اليهود. وقال قطرب: معناها إلّا على الّذين ظلموا فيكون ردّه على الكاف والميم أي إلّا على الّذين ظلموا فإنّ عليهم الحجّة فحذف حرف الجر وهذا إختيار أبي منصور الأزهري. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحبيبي يحكيها عنه وحكى محمّد بن جرير عن بعضهم إنّه قال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا هاهنا ناس من العرب كانوا يهودا ونصارى وكانوا يحتجّون على النبيّ ﷺ‎ فأمّا سائر العرب فلم يكن لهم حجّة وكانت حجّة من احتجّ أيضا داحضة باطلة لأنّك تقول لمن تريد أن تكسر حجّته عليه: أنّ لك عليّ حجّة ولكن منكسرة إنك لتحتجّ بلا حجّة وحجّتك ضعيفة، فمعنى الآية: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ من أهل الكتاب فإنّ لهم عليكم حجّة واهية. فَلا تَخْشَوْهُمْ في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهرهم عليكم في المحاجة والمجاوبة فانّي وليّكم أظهركم عليهم بالحجّة والنصرة. وَاخْشَوْنِي في تركها ومخالفتها. وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عليكم عطف على قوله لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ولكن أتمّ نعمتي بهدايتي ايّاكم إلى قبلة إبراهيم فتتمّ لكم الملّة الحنيفيّة وقال علي (كرّم الله وجهه) : تمام النعمة: الموت على الإسلام ، وروي عنه أيضا إنّه قال: النّعم ستة: الإسلام والقرآن ومحمّد والستر والعافية والغنى ممّا في أيدي النّاس. وَلَعَلَّكُمْ في لعلّ ست لغات: علّ ولعلّ ولعنّ وعنّ ولعّا. ولها ستة أوجه هي من الله عزّ وجلّ واجب، ومن النّاس على معاني قد تكون بمعنى الاستفهام كقول القائل: لعلّك فعلت ذلك مستفهما. وتكون بمعنى الظّن كقول القائل: قدم فلان فردّ عليه الرّاد: لعلّ ذلك. بمعنى أظنّ وأرى ذلك. وتكون بمعنى الإيجاب بمنزلة ما أخلقه كقوله: قد وجبت الصّلاة فيرد الرّاد: لعلّ ذلك أي ما أخلقه. وأنشد الفرّاء: لعلّ المنايا مرّة ستعود ... وآخر عهد الزائرين جديد وتكون بمعنى الترجّي والتمنّي كقولك: لعلّ الله أن يرزقني مالا، ولعلّني أحجّ. وأنشد الفرّاء: لعلّي في هدى أفي وجودي ... وتقطيعي التنوقة واختيالي سيوشك أن يتيح إلى كريم ... ينالك بالذّرى قبل السؤال ويكون بمعنى عسى تكون ما يراد ولا يكون كقوله: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ [[سورة غافر: 36.]] . أي عسى أبلغ. وقال أبو داود: فأبلوني بليتكم لعلّي ... أصالحكم واستدرج نويا [[النوي: هو الصاحب الذي نيته نيتك.]] أي نواي ويكون بمعنى كي على الجزاء كقوله: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ بمعنى لكي يفقهوا ونظائرها كثيرة وقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لكي تهتدوا من الضّلالة. قال الربيع: خاصم يهودي أبا العالية فقال: إنّ موسى كان يصلّي إلى صخرة بيت المقدس، فقال أبو العالية: كان يصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام فقال لي: بيني وبينك مسجد صالح فإنه نحته من الجبل فقال أبو العالية: قد صلّيت فيه وقبلته إلى البيت الحرام. قال: فأخبر أبو العالية إنّه مرّ على مسجد ذي القرنين وقبلته الكعبة [[راجع تفسير الطبري: 2/ 48.]] . كَما أَرْسَلْنا هنا الكاف للتشبيه ويحتاج إلى شيء يرجع إليه واختلفوا فيه فقال بعضهم: هو راجع إلى ما قبلها والكاف من ما قبلها تقديره: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي كما أرسلت فيكم رسولا فيكون إرسال الرّسول شرطا للخشية مزيدا بإتمام النّعمة. وقيل: معناه وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَما أَرْسَلْنا. وقال محمّد بن جرير: إنّ إبراهيم دعا بدعوتين فقال رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [[سورة البقرة: 128.]] فهذه الدعوة الأولى. والثانية قوله رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [[سورة البقرة: 129.]] فبعث الله الرسول وهو محمّد ﷺ‎ ووعد في هذه الآية أن يجيب الدّعوة الثانية أن يجعل من ذرّيته أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ فمعنى الآية: وَلِأُتِمَ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ: ببيان شرائع ملّتكم الحنيفية وأهديكم لدين خليلي إبراهيم. كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يعني فكما أجبت دعوته بانبعاث الرّسول كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وهذا على قول من يجعله متصلا بما قبلها وجوابا للآية الأولى وهو إختيار الفرّاء. وقال بعضهم: إنّها متعلّقة بما بعدها وهو قوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ تقديرها: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ... فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ فيكون جزأ له جوابان مقدّم ومؤخّر كما تقول: إذا جاءك فلان فآته ترضه. فقوله: فآته وترضه جوابان لقوله إذا جاءك وكقولك: إنّ تأتني أحسن إليك أكرمك وهذا قول مجاهد وعطاء والكلبي ومقاتل والأخفش وابن كيسان واختيار الزجّاج، وهذه الآية خطاب للعرب وأهل مكّة يعني: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ يا معشر العرب رَسُولًا مِنْكُمْ محمّد ﷺ‎. يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا يعني القرآن. وَيُزَكِّيكُمْ أي يعلّمون من الأحكام وشرائع الإسلام. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ قال ابن عبّاس: اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي بيانه قوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا [[سورة العنكبوت: 69.]] الآية. سعيد بن جبير: فَاذْكُرُونِي بطاعتي أَذْكُرْكُمْ بمغفرتي بيانه وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [[سورة آل عمران: 132.]] . فضيل بن عياض: فَاذْكُرُونِي بطاعتي أَذْكُرْكُمْ بثوابي بيانه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ [[سورة الكهف: 30.]] وروي عن النبيّ ﷺ‎: «من أطاع الله فقد ذكر الله وإنّ قلّت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن» [6] [[مجمع الزوائد: 2/ 258، والدر المنثور: 1/ 149.]] . وقيل: اذكروني بالتوحيد والإيمان أَذْكُرْكُمْ بالجنّات والدرجات بيانه: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ... إلى جَنَّاتٍ [[سورة البقرة: 25.]] . وقال ابو بكر الصدّيق رضي الله عنه: كفى بالتوحيد عبادة وكفى بالجنّة ثوابا. ابن كيسان: اذكروني بالشكر أَذْكُرْكُمْ بالزّيادة: بيانه قوله لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [[سورة إبراهيم: 7.]] . وقيل: اذكروني على ظهر الأرض أَذْكُرْكُمْ في بطنها. قال الأصفى: رأيت أعرابيا واقفا يوم عرفة بالموقف وهو يقول: ضجّت إليك الأصوات بضروب اللّغات يسئلونك الحاجات وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلى إذا نسيني أهل الدّنيا. وقيل: اذكروني بالطّاعات أَذْكُرْكُمْ بالمعافاة ودليله مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [[سورة النحل: 97.]] . وقيل: اذكروني في الخلاء والملاء أَذْكُرْكُمْ في الجلاء والملأ بيانه ما روي في بعض الكتب إنّ الله قال: أنا عند من عبدني، فليظن بي ما شاء، وأنا معه إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في الملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقرّب إليّ شبرا تقرّبت له ذراعا، ومن تقرّب إليّ ذراعا، تقرّبت إليه باعا ومن أتاني مشيا أتيته هرولة، ومن أتاني بقراب الأرض فضّة أتيته بمثلها مغفرة بعد أن لا يشرك بي شيئا. وقيل: اذكروني في النّعمة والرّخاء أَذْكُرْكُمْ في الشّدة والبلاء بيانه قوله فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [[سورة الصافات: 143.]] . قال سلمان الفارسي: إنّ العبد إذا كان له دعاء في السّر فإذا انزل به البلاء قالت الملائكة: عبدك نزل به البلاء فيشفعون له فينجيه الله، فإذا لم يكن له دعاء قالوا: الآن فلا تشفعون له. بيانه لفظة فرعون آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [[سورة يونس: 91.]] . وقيل: اذكروني بالتسليم والتفويض أَذْكُرْكُمْ بأصلح الاختبار. بيانه وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. وقيل: اذكروني بالشوق والمحبّة أذكركم بالوصل والقربة. وقيل: اذكروني بالحمد والثناء أذكركم بالجزاء، وقيل: اذكروني بالأوبة أذكركم بغفران الحوبة، وقيل: اذكروني بالدّعاء أذكركم بالعطاء، اذكروني بالسؤال أذكركم بالنّوال، اذكروني بلا غفلة أذكركم بلا مهلة، اذكروني بالنّدم أذكركم بالكرم، اذكروني بالمعذرة أذكركم بالمغفرة، اذكروني بالإرادة أذكركم بالإفادة، اذكروني بالتنصّل أذكركم بالتفضل اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص، اذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الكروب، اذكروني بلا نسيان أذكركم بالأمان، اذكروني بالإفتقار أذكركم بالاقتدار، اذكروني بالأعدام والاستغفار أذكركم بالرّحمة والاغتفار، اذكروني بالإيمان أذكركم بالجنان، اذكروني بالإسلام أذكركم بالإكرام، اذكروني بالقلب أذكركم برفع التعجب، اذكروني ذكرا فانيا أذكركم ذكرا باقيا، اذكروني بالابتهال أذكركم بالإفضال، اذكروني بالظل أذكركم بعفو الزلل، اذكروني بالاعتراف أذكركم بمحو الاقتراف، اذكروني بصفاء السّر أذكركم بخالص البرّ، اذكروني بالصّدق أذكركم بالرّفق، اذكروني بالصفو أذكركم بالعفو، اذكروني بالتعظيم أذكركم بالتكريم، اذكروني بالتكبير أذكركم بالتطهير، اذكروني بالتمجيد أذكركم بالمزيد، اذكروني بالمناجاة أذكركم بالنجاة، اذكروني بترك الجفاء أذكركم بحفظ الوفاء، اذكروني بترك الخطأ أذكركم بحفظ الوفاء، اذكروني بالجهد بالخلقة أذكركم بإتمام النعمة، اذكروني من حيث أنتم أذكركم من حيث أنا وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. الربيع في هذه الآية: إنّ الله ذاكر من ذكره، وزائدا من شكره، ومعذّب من كفره. وقال السّدي: فيها ليس من عبد يذكر الله إلّا ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلّا ذكره بالرّحمة، ولا يذكره كافر إلّا يذكره بعذاب. وقال سفيان بن عيينة: بلغنا إنّ الله عزّ وجلّ قال: أعطيت عبادي ما لو أعطيته جبرئيل وميكائيل كنت قد أجزلت لهما قلت: اذكروني أَذْكُرْكُمْ، وقلت لموسى: قل للظلمة لا يذكروني فإني أذكر من ذكرني، فإنّ ذكري إياهم أن العنهم. وقال أبو عثمان النهدي: إنّي لأعلم حين يذكرني ربّي عزّ وجلّ، قيل: كيف ذلك؟ قال: إنّ الله عزّ وجلّ قال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وإذا ذكرت الله تعالى ذكرني. وَاشْكُرُوا لِي [[في هامش المخطوطة: بالعطية فمن أطاع الله فقد شكر ومن عصاه فقد كفر.]] نعمتي. وَلا تَكْفُرُونِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب