الباحث القرآني

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ دخل للتبعيض لأنّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكله أو يحلّ أكله حَلالًا طَيِّباً طاهرا وهما منصوبان على الحال. وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالا طيّبا كما في الأرض. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خُطْواتِ: بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي: بضم الخاء والطّاء. وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء. وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خَطَوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لأنّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضا. ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز. فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ. وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله خُطُواتِ الشَّيْطانِ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خُطُواتِ الشَّيْطانِ: عمله. مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه. السّدي والكلبي: طاعته. عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته. أبو مجلن: هي البذور في المعاصي. المورّج: آثاره. أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب. القتيبي والزجاج: طرقه. والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة [[تفسير الطبري: 2/ 105.]] . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم عليه السّلام وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازما ومتعديا، ثمّ بيّن عداوته فقال إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [[سورة البقرة: 169.]] : يعني الإثم، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه- يسوءه- سوءا ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[سورة الملك: 27.]] . قال الشاعر: إنّ يك هذا الدّهر قد ساءني ... فطالما قد سرّني الدّهر الأمر عندي فيهما واحد ... لذلك صبر ولذا شكر وَالْفَحْشاءِ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتا لا فعل له كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة. لا يضمر للحشا تحت ثيابه ... خلق شمائله عفيف المبرر واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية. روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه. طاوس: عنه فهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا. وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلّا قوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ فإنّه منع الزّكاة. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم الحرث والأنعام. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: لَهُمُ كناية عن غير مذكور. وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله ﷺ‎ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهم كانوا خيرا واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية ، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: ف إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من التوحيد ومعرفه الرحمن وَلا يَهْتَدُونَ للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً وقال الآخرون: إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [[سورة البقرة: 168.]] . ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [[سورة يونس: 22.]] وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو أولى أن يكون خبرا عنهم من أن يكون خبرا عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام. وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله بَلْ تُؤْثِرُونَ [[سورة الأعلى: 16.]] وهَلْ تَعْلَمُ [[سورة مريم: 65.]] والثاء كقوله هَلْ ثُوِّبَ [[سورة المطفّفين: 36.]] ، والسين في قوله بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [[سورة يوسف: 18.]] ، والزاي كقوله بَلْ زُيِّنَ [[سورة الرعد: 33.]] ، والضاد كقوله بَلْ ضَلُّوا [[سورة الأحقاف: 28.]] ، والظاء كقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ [[سورة الفتح: 12.]] والطاء كقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [[سورة النساء: 155.]] ، والنون نحو قوله بَلْ نَحْنُ [[سورة الواقعة: 67، سورة القلم: 27.]] ، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتا، وسائر اللّامات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ واو العطف، ويقال أيضا واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والتقرير فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا، وترك جوابه لأنّه معروف. قوله تعالى لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدّنيا [ومعناه] لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من أمر الدّين وَلا يَهْتَدُونَ. ثمّ ضرب لهم مثلا فقال عزّ من قائل وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية. فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عزّ وجلّ قاله الأخفش والزجّاج. وقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم. كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] قال الشاعر: حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي وثبت غيرك بالعناق يعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز: ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير. فشبه الله عزّ وجلّ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يقال: ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا إذا صاح وزجر، قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا [[تفسير الطبري: 2/ 113.]] فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّه يسمع صوتك. قال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدّعاء ولا تعقل منه شيئا. ثمّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره وتدبّره فيما أمر به ونهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به. الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد. ويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله عزّ وجلّ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [[سورة القصص: 76.]] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر: وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل [[مجمع البيان: 1/ 164.]] والمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر: كانت فريضة ما تقول كما ... إنّ الزّنى فريضة الرّجم والمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء: إن سراجا لكريم مفخره ... تجلى به العين إذا ما تجمره والمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة. وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلّا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [[سورة فاطر: 14.]] . فهذا وجه صحيح. وأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بِما لا يَسْمَعُ منه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً. ثمّ قال صُمٌّ أي هم صمّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم. قال الشاعر: أصم عما يساء سميع بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه. عُمْيٌ عن الهدي فلا يبصرونه. فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ من حلالات. ما رَزَقْناكُمْ من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ‎ إنّه قال: «إنّ الله طيب لا يقبل إلّا الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [[سورة المؤمنون: 51.]] وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعر أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي في حرام فإنّى يستجاب له» [18] . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمته. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ قال النبيّ ﷺ‎: «يقول الله جلّ جلاله إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» [19] . ثمّ بيّن ما حرّم عليكم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إِنَّما حَرُمَ خفيفة الرّاء مضمومة. الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ رفعا على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرِّمَ بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان: أحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى. والثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حَرَّمَ بنصب الحاء والرّاء مشدّدا ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصبا باسم إنّ وما بعدها رفعا على خبرها كما تقول: إنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [[سورة طه: 69.]] . وقرأ الباقون: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ نصبا على إيقاع الفعل وجعلوا إِنَّما كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. وقرأ أبو جعفر: الميّتة [وأخواتها] بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخفّفوا بعضا وشدّدوا بعضا فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياء مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهين، وليّن ولين. قال الشاعر: ليس من مات واستراح بميّت ... إنّما الميت ميّت الأحياء فجمع بين اللّغتين. وحكى أبو معاذ عن النحويّين وقال: إنّ الميت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله عزّ وجلّ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [[سورة الزمر: 30.]] : لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [[سورة الأنعام: 145.]] مقيّد. وهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو قول النبيّ ﷺ‎: «حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» [20] [[مسند أحمد: 2/ 97، وسنن ابن ماجة: 2/ 1102 ح 3314.]] . وقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتّلبية. قال ابن أحمر: نصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر وقال آخر: أو درّة صدفية غواصها ... يهيج متى يرها تهلّ وتسجد ومنه [أهل] الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه، وفي الحديث: «كيف آذي من لا نطق ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل» [21] فمثل ذلك يطل، ومثل إهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض. قال عمر بن قميئة: ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع [[تفسير الطبري: 2/ 116.]] وانّما قال: وَما أُهِلَّ بِهِ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم الّتي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أو لم يسمّ جهر بالصّوت أو لم يجهر مهلّ. الربيع بن أنس وغيره: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري: الإهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وروى صيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الأشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ما ذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال صيوة: قلت أرأيت قول الله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون [[تفسير الطبري: 2/ 117.]] . فَمَنِ اضْطُرَّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أَنِ اقْتُلُوا ... أَوِ اخْرُجُوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكّنوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن اضطر بإدغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة. قرأ الباقون: بضمّ الطاء على الأصل ومعناه أحرج وأجهد وألجئ إلى ذلك. وقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله. غَيْرَ نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلّا فهي حال وإذا صلح في موضعها إلّا، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. باغٍ وَلا عادٍ أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء. قال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [[سورة النور: 33.]] والزّانية بغي. قال الله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [[سورة مريم: 28.]] . وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدوا وعدوّا وعدوانا وعداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فقال بعضهم: غَيْرَ باغٍ: أي غير قاطع للطّريق، وَلا عادٍ: مفرّق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له أكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعا ومباحا له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا أبحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولا يستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيا. ثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير: فقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غَيْرَ باغٍ: يأكله من غير اضطرار، وَلا عادٍ: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها. مقاتل بن حيّان: غَيْرَ باغٍ: أي مستحل لها، وَلا عادٍ: متزود منها. السّدي: غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة فيأكلها ملذذا، وَلا عادٍ يأكل حتّى يشبع منه ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقا. شهر بن حوشب: غَيْرَ باغٍ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، وَلا عادٍ ولا يقصر فيما يحلّ له فيدعه ولا يأكله. قال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحلّ للمضطر أكله من الميتة. فقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني. والقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم. وقال سهل بن عبد الله: غَيْرَ باغٍ مفارق لجماعة، وَلا عادٍ مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في أكلها. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام في حال الاضطرار. رَحِيمٌ به حيث رخص له في ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية. قال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد ﷺ‎ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله عزّ وجلّ يبعث نبيّا من بعد المسيح يقال له: محمّد، يحرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ ﷺ‎، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ‎ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة. فلما نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ‎ فلا يتبعونه. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني صفة محمد ﷺ‎ ونبوّته. وَيَشْتَرُونَ بِهِ بالمكتوم. ثَمَناً قَلِيلًا عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ذكر البطن هاهنا للتوكيد لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويقال: كلمة من فيه لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها. قال الشاعر: نظرت فلم تنظر بعينك منظرا إِلَّا النَّارَ يعني إلّا ما يوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام. لمّا كانت عاقبته النّار، سماه في الحال نارا. كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [[سورة النساء: 10.]] يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار، وقوله ﷺ‎ في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» [[سنن الدارمي: 2/ 121، وصحيح البخاري: 6/ 251.]] [22] ، أخبر عن المال بالحال. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لا يكلم فلانا: أي هو عليه غضبان. وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ أي استبدلوا الضلالة. بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.: اختلفوا في «ما» . فقال قوم: هي «ما» التعجب، واختلفوا في معناه. فقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! أي ما أجرأك عليه. وقال المورج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار لأنّ هؤلاء كانوا علماء. فانّ من عاند النّبي ﷺ‎ صار من أهل النّار. الكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم. مجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! عطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي «ما» الاستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل. فقيل هذا على وجه الاستهانة. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ قال بعضهم معناه ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واختلفوا فيه، وحينئذ تكون «ذلك» في محل الرّفع، وقال بعضهم محله نصب. معناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله عزّ وجلّ، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. وقال بعضهم: معناه «ذلِكَ» : أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [[سورة البقرة: 6.]] . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف، وضلال طويل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب