الباحث القرآني

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ حمزة وحفص: لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الرّاء، وقرأ الباقون: بالرّفع فمن رفع البرّ جعله اسم ليس، وجعل خبره في قوله أَنْ تُوَلُّوا تقديره: ليس البرّ توليتكم، وجوهكم، ومن نصب جعل أن وصلتها في موضع الرّفع على اسم ليس تقديره: ليس توليتكم وجوهكم البرّ كلّه. كقوله ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا [[سورة الجاثية: 25.]] ، وقوله فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ [[سورة الحشر: 17.]] . هارون عن عبد الله وأبي بن كعب: إنّهما قرئا. ليس البرّ بأن تولوا وجوهكم، واختلف المفسرون في هذه الآية: فقال قوم: عنى الله بهذه الآية اليهود والنّصارى وذلك إنّ اليهود كانت تصلّي قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنّصارى قبل المشرق، وزعم كل فريق منهم إنّ البرّ في ذلك، فأخبر الله إنّ البرّ غير دينهم وعملهم، ولكنه ما بيّنه في هذه الآية، وعلى هذا القول: قتادة والرّبيع ومقاتل بن حيّان وعوف الأعرابي. وقال الآخرون: المراد بهذه الآية المؤمنون وذلك إنّ رجلا سأل النبيّ ﷺ‎ عن البرّ، فأنزل الله هذه الآية فدعا رسول الله ﷺ‎ ذلك الرّجل فتلاها عليه. وقد كان الرّجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا اله إلّا الله وإنّ محمّدا عبده ورسوله وصلّى الصلاة إلى أىّ ناحية ثمّ مات على ذلك وجبت له الجنّة، فلما هاجر رسول الله ﷺ‎ ونزلت الفرائض وحدّد الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة. أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البرّ كلّه أن تصلّوا وتعملوا غير ذلك. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ جعل من وهي اسم خبرا للبرّ وهو فعل ولا يقال: البرّ زيد، واختلفوا في وجه الآية: فقال بعضهم: لما وقع من في موضع المصدر جعله مضمرا للبرّ. كأنّه قال: ولكن البرّ الأيمان بالله، والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل كقولهم: إنّما البر الصادق الذي يصل من رحمه ويخفي صدقته: يريدون صلة الرّحم، وأخفاء الصّدقة، وعلى هذا القول الفراء والمفضل بن سلمة وأنشد الفراء: لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى ... ولكنّما الفتيان كل فتى ندي فجعل نبات اللحية خبرا للفتى. وقيل: معناه ولكنّ البرّ برّ من آمن بالله واستغنى عن النّاس، كقولهم: الجود حاتم، والشجاعة عنترة، والشعر زهير: أي جود حاتم وشجاعة عنترة وشعر زهير، وتقول: العرب: بنو فلان يطأهم الطريق، أي أهل الطريق. قال الله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] ، وقال تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [[سورة لقمان: 28.]] قال النابغة الجعدي: وكيف نواصل من أصبحت جلالته كأبي مرحب [[مجمع البيان: 1/ 474.]] أي كجلالة أبي مرحب، وعلى هذا القول قطرب والفراء والزّجاج أيضا. وقال أبو عبيدة: معناه ولكنّ البار من آمن بالله كقوله وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [[سورة طه: 132.]] أي المتقي. وقيل: معنى ذو البرّ من آمن بالله حكاه الزّجاج. كقوله هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [[سورة آل عمران: 163.]] : أي ذو درجات. قال المبرّد: لو كنت ممن قرأ القرآن لقرئت: لكنّ البرّ من آمن بالله بفتح الباء تقول العرب: رجل بر وبار والجمع بررة وابرار، والبرّ: العطف والإحسان، والبرّ أيضا: الصدق، والبرّ هنا الإيمان والتقوى، وهو المراد في هذه الآية بذلك عليه قوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَالْمَلائِكَةِ كلهم. وَالْكِتابِ [يعني الكتب] [[سقط في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.]] . وَالنَّبِيِّينَ أجمع. وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ واختلفوا في هذه الحكاية: فقال أكثر المفسرين: في حُبِّهِ راجعة إلى المال يعني أعطى المال في حال صحّته ومحبّته إياه ونفسه به يدلّ عليه قول ابن مسعود في هذه الآية قال: هو أن توصيه وأنت صحيح، تأمل العيش وتخش الفقر ولا تمهل، حتّى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا، ورفع هذا الحديث بعضهم [[راجع تفسير مجمع البيان: 1/ 486.]] . وقيل: هي عائدة على الله عزّ وجلّ أي حبّ الله سبحانه. قال الحسين بن أبي الفضل: على حبّ الإيتاء، وقيل: الهاء راجعة إلى المعطي أي حبّ المعطي. ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى أهل القرابة. عن أمّ رابح بنت صليح عن سليمان بن عامر عن النبيّ ﷺ‎. قال: «صدقتك على مسكين صدقة واحدة وعلى ذي الرّحم إثنين لأنّها صدقة وصلة» [[بتفاوت في الشرح الكبير: 2/ 709، والمصنف لعبد الرزاق: 10/ 437 ح 19627.]] [23] . الزهري عن حميد بن عبد الرّحمن عن أمّه أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قال: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «أفضل الصّدقة على ذي الرّحم الكاشح» [[الكاشح: العدو الذي يضمر عداوته ويطوي عليها كشحه أي باطنه.]] [24] [[مسند أحمد: 5/ 416، ومجمع الزوائد: 3/ 117.]] . سليمان بن يسار عن ميمونة زوج النّبيّ ﷺ‎ قالت: أعتقت جارية لي فدخلت على النّبيّ ﷺ‎ فأخبرته بعتقها فقال: «آجرك الله أما إنّك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» [25] . وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ سمّي المجاز واختلفوا فيه فقال أبو جعفر البارقي ومجاهد: يعني المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك. قتادة: هو الضّيف ينزل بالرجل: قال: وذكرنا أنّ النبيّ ﷺ‎ كان يقول: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فليكرم ضيفه» [[في تفسير الطبري (2/ 132) فليقل خيرا أو ليسكت.]] [26] . وكان يقول: «حقّ الضيافة ثلاث ليال فكل شيء أضافه فهو صدقة» [27] . وإنّما قيل للمسافر والضيف الّذي يحلّ ويرتحل ابن السبيل لملازمته الطريق كما قيل للرّجل الّذي [أتت عليه الدهور] [[كلمات غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.]] ابن الأيّام واللّيالي، ولطير الماء: ابن الماء لملازمته إيّاه، قال ذو الرّمة: وردت اعتسافا والثريّا كأنّها ... على قمّة الرأس ابن ماء محلّق [[مجمع البيان: 1/ 473.]] وَالسَّائِلِينَ المستطعمين الطّالبين. عبد الله بن الحسين عن أمّه فاطمة بنت الحسين قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «للسائل حقّ وإن جاء على فرس» [28] [[تفسير ابن كثير: 1/ 214.]] . مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «هدية الله إلى المؤمن السّائل على بابه» [29] . وَفِي الرِّقابِ يعني المكاتبين قاله أكثر المفسّرين، وقيل: فداء الأسارى، وقيل: عتق النّسمة وفكّ الرّقبة. وَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة. وَآتَى الزَّكاةَ الواجبة. وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين النّاس إذا وعدوا انجزوا وإذا حلفوا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدّوا. قال الرّبيع بن أنس: فمن أعطى عهد الله ثمّ نقضه فالله سبحانه مطعم منه ومن أعطى دمه النّبيّ ﷺ‎ ثمّ غدر فالنّبيّ ﷺ‎ خصمه يوم القيامة. وفي وجه ارتفاع الموفّين قولان: قال الفرّاء والأخفش: هو عطف على محل (من) في قوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ و (من) في موضع جمع ومحلّه رفع كأنّه قال: ولكن البرّ المؤمنون والموفون. وقيل: رفع على الابتداء والخبر تقديره هم الموفون، ثمّ قال: وَالصَّابِرِينَ وفي نصبها أربعة أقاويل. قال أبو عبيد: نصب على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن في تعيّر الاعراب إذا طال الكلام [والنسق] . وقال الكسائي: نصبه نسقا على قوله ذَوِي الْقُرْبى الصابرين. وقال بعضهم: معناه وأعني الصابرين. وقال الخليل بن أحمد والفرّاء: نصب على المدح والعرب تنصب على المدح وعلى الذّم كانّهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه بأول الكلام فينصبونه. فأمّا المدح فقوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [[سورة النساء: 162.]] وأنشد الكسائي: وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم ... إلّا نميرا اطاعت أمر غاويها والطاعنين ولما يطعنوا أحدا ... والقائلين لمن دار يخليها وأنشد أبو عبيده لحزنق بن عفان: [لا يبعدن] [[كلمات غير مقروءة والظاهر ذلك.]] قومي الّذين هم ... سم العداة وانه الجزل النازلين بكل معترك ... والطيبين معاقد الأزل وأما الذّم، فقوله تعالى مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أخذوا. وقال عروة بن الورد تسقوني الخمر ثمّ تكفوني ... عداة الله من كذب وزور [[مجمع البيان: 1/ 475.]] فِي الْبَأْساءِ يعني الشدة والفقر وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة وهما اسمان بنيا على فعلا ولا أفعل لهما لأنهما اسمان وليسا بنعت. وَحِينَ الْبَأْسِ وقت القتال: وقال علي (رضي الله عنه) : كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ‎ فكان أقربنا إلى العدوّ إذا اشتدّ الحرب. أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في دمائهم. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ روى القاسم: إن أبا ذر سئل عن الإيمان؟ فقرأ هذه الآية فقال السائل: انّما سألنا عن الإيمان وتخبرنا عن البرّ، فقال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ‎ فسأله عن الإيمان فقرأ هذه الآية. وقال أبو ميسرة: وقرأ هذه الآية ومن عمل بهذه الآية فقد استكمل البرّ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الآية: قال الشعبي والكلبي وقتادة ومقاتل بن حيّان وأبو الجوزاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في حيّين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهليّة قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتّى جاء الإسلام. قال سعيد بن جبير: إنهما كانا حيّين الأوس والخزرج. وقال ابن كيسان: قريظة والنّضير، قال: وكان لأحد الحيّين حول على الآخر في الكرم والشّرف، وكانوا ينكحون نسائهم بغير مهور. فاقسموا ليقتلن بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا الرّجل منهم، وبالرّجل منّا الرّجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك وهم كذا يعاملونهم في الجاهلية. فرفعوا أمرهم إلى رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمرهم بالمساواة فرضوا وسلّموا. السّدي وجماعة: نزلت هذه الآية في الدّيات وذلك إنّ أهل حزبين من العرب اقتتلوا أحدهما مسلم والآخر معاهد. فأمر الله تعالى نبيّه ﷺ‎ أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النّساء من كل واحد من الفريقين قصاصا بديات النّساء من الفريق الآخر، وديات الرّجال بالرّجال، والعبيد بالعبيد، فأنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ فرض وكتب عليكم في القتلى [[راجع تفسير الطبري: 2/ 140.]] ، والقصاص: المساواة والمماثلة في النفوس والجروح والدّيات، وأصله من قصّ الأثر إذا اتّبعه فكان المفعول به يتبع ما عمل به فيعمل مثله، ثمّ بيّن فقال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى. ذكر حكم الآيات إذا تكافأ الدّمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين، أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قتل من كل صنف منهم: الذكر إذا قتل منهم بالذكر، والأنثى إذا قتلت بالأنثى، والذكر والإجماع واقع إنّ الرّجل يقتل بالمرأة لأنّهما يتساويا في الحرمة والميراث وحد الزّنى والقذف وغير ذلك فلذلك يجب أن يستويا في القصاص ولا يقتل الحرّ بالعبد وعليه قيمته وإن بلغت [ثلث] لما بينهما من المفاضلة، ولا يقتل مؤمن بكافر. بدليل ما روى الشّعبي عن أبي حجيفة قال: سألت عليّا كرم الله وجهه هل عندكم من النّبيّ ﷺ‎ سوى القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النّسمة إلّا أن يعطي الله عزّ وجلّ عبدا فهما في كتابه وما في الصحيفة. قلت: وما في الصّحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر [[إلى هنا موجود في المصدرين.]] ، ولا يقتل [سيد] بعبده، ولا والد بولده [[كتاب المسند للشافعي: 190، والمصنف لعبد الرزاق: 10/ 100 ح 1850.]] . يدلّ عليه ما روى إن رجلا اسمه قتادة رمى ابنه بسيف فأصاب رجله فنزف فمات. فقال عمر (رضي الله عنه) : لولا أني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: لا يقاد والد بولده، وإلّا قدته به. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أيّ ترك وله وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص، وروي عن علي (رضي الله عنه) إنّه قتل ثلاثة بواحد في قتل العمد هذا قول أكثر المفسرين قالوا: العفو أن يقبل الدّية في قتل العمد، وقال السّدي: هو أن يبقى له بقية من دية أخيه أو من أرش جراحته. فَاتِّباعٌ أي فعليه اتباع. بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أمر الطالب أن يطلب بالمعروف ويتبع حق الواجب له عليه من غير أن يطالبه بالزّيادة أو يكلفه ما لم يوجبه الله له أو يشدد عليه كما قال النبيّ ﷺ‎: «من زاد بعيرا في إبل الدّيات وفرائضها فمن أمر الجاهلية» [30] [[جامع البيان للطبري: 2/ 150.]] . حكم الآية أعلم إنّ أنواع القتل ثلاثة العمد، وشبه العمد، والخطأ: فالعمد: أن يقصد ضربه، بما أنّ الأغلب إنّه يموت منه مثل الحديدة والخشبة العظيمة والحجر الكبير ونحوها أو حرقه أو غرفه أو الشّدة من حبل أو سطح أو في بئر وما يشبه ذلك مما يتعمّد قلبه. ففي هذا القصاص أو الدّية. فدية المسلم ألف دينار ومن الورق اثنا عشر ألف درهم ومن الإبل مائة منها أربعون خلفه في بطونها أولادها. وثلاثون حقّه، وثلاثون جذعه، الأصل في الرّجل الإبل أو ديات النّساء على النصف من ذلك. وأما شبه العمد: فهو أن يقصد ضربه. بما الأغلب إنّه لا يموت منه مثل: حصى صغير أو عود صغير أو لطمه أو وكزه أو بكسره أو صفعة أو ضربة بالسّيف عمدا أو ما أشبه ذلك فمات منه، فهاهنا يجب الدّية مغلّظة على العاقلة، كما وصفنا في دية العمد. وأمّا الخطأ: فهو أن يقصد شيئا فيخطئ ويصوّب غيره. كالرّجل يرمي الهدف أو الصّيد فيخطئ السهم فيقع بإنسان فيقتله فهو الخطأ المحض وفيه الدّية المخفّفة على العاقلة في ثلاث ستين أخماسا: عشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون ابنا لبون، وعشرون خناق، وعشرون جذعا، ولا يتعين الورق والذّهب، كما تنقص الإبل الذي ذكرت من العفو والديّة. تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وذلك إنّ الله تعالى كتب على أهل التوراة في النّفس والجرح أن يقيدوا ولا يأخذوا الدّية ولا يعفوا وعلى أهل الإنجيل أن يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدّية. فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص والدّية والعفو. كما روى سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح: إنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «ثمّ أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله فمن قتل قتيلا بعده فأهله بين خيرتين: إن أحبّوا قتلوا وإن أحبّوا أخذوا العقل» [31] . فَمَنِ اعْتَدى ظلم وتجاوز الحد. بَعْدَ ذلِكَ فقيل بعد أخذ الدّية، وقال الحسن: كان الرّجل في الجاهليّة إذا قتل قتيلا فرّ إلى قومه فيجيء قومه فيصالحون بالدّية فذلك الاعتداء. فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ يقتل في الدّنيا ولا يعفى عنه. قال النّبيّ ﷺ‎: «لا أعافي رجلا قتل بعد أخذه الدّية منه» [32] ، وفي الآخرة عذاب النّار، وفي هذه الآية دليل على إنّ القاتل لا يصير كافرا ولا يبقى خالدا في النّار لأنّ الله تعالى. خاطبهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ولا خلاف إنّ القصاص واقع في العمد فلم يسقط عنه أسم الأيمان بارتكاب هذه الكبيرة، وقال في آخر الآية فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فسمى القاتل أخا المقتول، وقال ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وهما [يخصّان] المؤمنين دون الكافرين. يروى أنّ مسروقا سئل هل للقاتل توبة؟ فقال: لا أغلق بابا فتحه الله. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ بقاء لأنّه إذا علم أنّه إن قتل أمسك وارتدع عن القتل. ففيه حياة للّذي يهمّ بقتله، وحياة للهام ولهذا قيل في المثل: القتل قلّل القتل. وقال قتادة: كم رجل قد همّ بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها ولكنّ الله تعالى حجر عباده بعضهم عن بعض هذا قول أكثر المفسّرين. وقال السّدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة فلمّا قصروا بالواحد على الواحد كان في ذلك حياة وقيل: أراد في الآخرة لأنّ من أقيد منه في الدّنيا حيي في الآخرة، وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتصّ منه في الآخرة ويعني الحياة سلامته من قصاص الآخرة، وقرأ أبو الجوزاء: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أراد القرآن فيه حياة القلوب. قال يا أُولِي الْأَلْبابِ يا ذوي العقول. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ القتل مخافة القود.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب