الباحث القرآني

وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ يا معشر اليهود. وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ وهو الجبل بالسريانية في قول بعضهم. وقالوا: ليس من لغة في الدنيا إلّا وهي في القرآن. وقال أبو عبيدة والحذّاق من العلماء: لا يجوز أن تكون في القرآن لغة غير لغة العرب لأن الله تعالى قال: قُرْآناً عَرَبِيًّا [[سورة يوسف: 2، سورة طه: 113، سورة الزمر: 28، سورة فصّلت: 3، سورة الشورى: 7، سورة الزخرف: 3.]] وقال: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [[سورة الشعراء: 195.]] وإنّما هذا وأشباهه وفاق بين اللّغتين. وقد وجدنا الطّور في كلام العرب، وقال جرير: فإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها ... وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل وقال المفسّرون: وذلك أنّ الله تعالى أنزل التوراة على موسى وأمر قومه بالعمل بأحكامه فأبوا أن يقبلوها ويعملوا بما فيها للأضرار والأثقال الّتي فيها، وكانت شريعته ثقيلة فأمر الله تعالى جبرئيل عليه السّلام يضع جبلا على قدر عسكره وكان فرسخا في فرسخ ورفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرّجل. أبو صالح عن ابن عبّاس: أمر الله تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتّى قام على رؤوسهم مثل الظلّة. عطاء عن ابن عبّاس: رفع الله فوق رؤوسهم الطّور وبعث نارا من قبل وجوههم وأتاهم البحر الملح من خلفهم وقيل لهم: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ أي أعطيناكم. بِقُوَّةٍ بجدّ ومواظبة. وفيه إضمار، أي: وقلنا لهم: خذوا. وَاذْكُرُوا ما فِيهِ أي احفظوه واعلموه واعملوا به و (في) حرف أولي فاذّكروا بذال مشددة وكسر الالف المشددة و (في) حرف وانه وتذكروا ما فيه ومعناهما اتعظوا به لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تنجوا من الهلاك في الدّنيا والعذاب في العقبى فإن قبلتموه وفعلتم ما أمرتم به وإلّا رضختكم بهذا الجبل وأغرقتكم في البحر وأحرقتكم بهذه النّار، فلمّا رأوا أن لا مهرب لهم قبلوا لك وسجدوا خوفا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصارت سنّة في اليهود لا يسجدون إلّا على أنصاف وجوههم فلمّا زال الجبل قالوا: يا موسى سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعناك. ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم وعصيتم. مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد أخذ الميثاق ورفع الجبل. فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بتأخير العذاب عنكم. لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ لصرتم من المغلوبين بالعقوبة وذهاب الدّنيا والآخرة. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ وذلك أنهم كانوا من داود عليه السّلام بأرض يقال لها أيلة حرّم الله عليهم صيد السّمك يوم السبت فكان إذا دخل يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلّا اجتمع هناك حتّى يخرجن خراطيمهنّ من الماء لأمنها، فإذا مضى السبت تفرّقن ولزمن البحر فذلك قوله تعالى: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها الأنهار فإذا كانت عشيّة الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا تطيق الخروج لبعد عمقها وقلّة الماء فإذا كان يوم الأحد أخذوها، وقيل: كانوا ينصبون الحبائل والشّصوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد، ففعلوا ذلك زمانا فكثرت أموالهم ولم تنزل عليهم عقوبة، فقست قلوبهم وأصرّوا على الذّنب، وقالوا: ما نرى السّبت إلّا قد أحلّ لنا، فلمّا فعلوا ذلك صار أهل القرية- وكانوا سبعين ألفا- ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الّذين نهوا إثنا عشر ألفا فلمّا أبى المجرمون قبول نصحهم قال الناهون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسّموا القرية بجدار وغيروا بذلك سنتين فلعنهم داود وغضب الله عزّ وجلّ عليهم لإصرارهم على المعصية فخرج الناهون ذات يوم من بابهم والمجرمون لم يفتحوا أبوابهم ولا خرج منهم أحد فلمّا أبطئوا تسوّروا عليهم الحائط فإذا هم جميعا قردة فمكثوا ثلاثة أيام ثمّ هلكوا، ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيّام ولم يتوالدوا فذلك قول عزّ وجلّ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً أمر تحويل. خاسِئِينَ مطرودين صاغرين بلغة كنانة، قاله مجاهد وقتادة والربيع. قال أبو روق: يعني خرسا لا يتكلّمون، دليله قوله عزّ وجلّ قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [[سورة المؤمنون: 108.]] . وقيل: مبعدون من كلّ خير. فَجَعَلْناها أي القردة، وقيل: القرية، وقيل: العقوبة. نَكالًا عقوبة وعبرة وفضيحة شاهرة، وأصله من النكل وهو القيد، وجمعه أنكال، ويقال للّجام نكل. لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها قال أبو العالية والرّبيع: معناه عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لما بعدهم. قتادة: جعلنا تلك العقوبة جزاء لما تقدّم من ذنوبهم قبل نهيهم عن الصّيد وَما خَلْفَها من العصيان بأخذ الحيتان بعد النّهي. وقيل: لِما بَيْنَ يَدَيْها من عقوبة الآخرة وَما خَلْفَها من نصيحتهم في دنياهم فيذكّرون بها إلى يوم قيام السّاعة. وقيل: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها: فجعلناها وما خلفها ممّا أعدّ لهم من العذاب في الآخرة نكالا وجزاء لما بين يديها: أي لما تقدّم من ذنوبهم في اعتدائهم يوم السّبت. وَمَوْعِظَةً عظة وعبرة. لِلْمُتَّقِينَ للمؤمنين من أمّة محمّد ﷺ‎ فلا يفعلون مثل فعلهم. وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً الآية: وذلك إنّه وجد قتيل في بني إسرائيل اسمه عاميل ولم يدروا قاتله واختلفوا في قاتله والسبب في قتله فقال عطاء والسّدي: كان في بني إسرائيل رجل كثير المال وله ابن عم مسكين لا وارث له غيره فلمّا طال عليه موته قتله ليرثه. وقال بعضهم: وكان تحت عاميل بنت عم له لم يكن لها مثلا في بني إسرائيل بالحسن والجمال فقتله ابن عمّه لينكحها. وقال ابن الكلبي: قتله ابن أخيه لينكح ابنته فلمّا قتله حمله من قريته إلى قرية أخرى وألقاه هناك. وقيل: ألقاه بين قريتين. عكرمة: كان لبني إسرائيل مسجد له إثنا عشر بابا لكلّ سبط منهم باب فوجد قتيل على باب سبط. قيل: وجرّ إلى باب سبط آخر فاختصم فيه السبطان. وقال ابن سيرين: قتله القاتل ثمّ احتمله فوضعه على باب رجل منهم ثمّ أصبح يطلب بثأره ودمه ويدّعيه عليه. قال: فجاء أولياء القتيل إلى موسى وأتوه بناس وادّعوا عليهم القتل وسألوا القصاص فسألهم موسى عن ذلك فجحدوا فاشتبه أمر القتيل على موسى ووقع بينهم خلاف. وقال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى أن يدعوا الله ليبيّن لهم ذلك فسأل موسى ربّه فأمرهم بذبح بقرة. فقال لهم موسى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً. قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً يا موسى أي أتستهزئ بنا حين نسألك عن القتيل وتأمرنا بذبح البقرة وإنّما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظّاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه. وقرأ ابن محيصن: أيتّخذنا بالياء قال: يعنون الله ولا يستبعد هذا من جهلهم لأنّهم الّذين قالوا اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [[سورة الأعراف: 138.]] . وفي هذا ثلاثة لغات هزؤا: بالتخفيف والهمز ومثله كفؤا وهي قراءة الأعمش وحمزة وخلف وإسماعيل. وهزؤا وكفؤا مثقلان مهموزان وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز والشام واختيار الكسائي وأبي عبيد وأبي حاتم. وهزوا وكفوا مثقلان بغير همزة وفي رواية حفص بن سليمان البزّاز عن عاصم وكلّها لغات صحيحة معناها الاستهزاء فقال لهم موسى عليه السّلام: قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي من المستهزئين بالمؤمنين فلمّا علم القوم إنّ ذبح البقرة عزم من الله عزّ وجلّ سألوه الوصف. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ولو أنّهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم وإنّما كان تشديدهم تقديرا من الله عزّ وجلّ وحكمة، وكان السبب في ذلك على ما ذكره السّدي وغيره. إنّ رجلا في بني إسرائيل كان بارّا بأبيه وبلغ من برّه به إنّ رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها بخمسين ألفا وكان فيها فضل فقال للبائع أبي نائم ومفتاح الصندوق تحت رأسه فأمهلني حتّى يستيقظ وأعطيك الثمن. قال: فأيقظ أباك واعطني المال. قال: ما كنت لأفعل ولكن أزيدك عشرة آلأف فانتظرني حتّى ينتبه أبي. فقال الرّجل: فأنا أعط عنك عشرة آلاف إن أيقظت أباك وعجلت النقد. قال: وأنا أزيدك عشرين ألفا إن انتظرت انتباه أبي. ففعل ولم يوقظ الرجل أباه فأعقبه برّه بأبيه أن جعل تلك البقرة عنده وأمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها. قال ابن عبّاس ووهب وغيرهما: كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وكان له عجل فأتى بالعجل الى غيضة وقال: اللهمّ إنّي استودعك هذه العجلة لا بني حتّى يكبر ومات الرّجل فسبيت العجلة في الغيضة وصارت عوانا وكانت تهرب من كل من رامها. فلمّا كبر الابن كان بارّا بوالدته وكان اللّيلة يقسّم ثلاثة أثلاث: يصلّي ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس أمّه ثلثا فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره ويأتي به السّوق فيبيعه بما شاء الله ثمّ يتصدّق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثا، وقالت له أمّه يوما: إنّ أباك ورّثك عجلة وذهب بها إلى غيضه كذا واستودعها الله عز وجل فانطلق إليها فأدع اله ابراهيم وإسماعيل وإسحاق بأن يردّها عليك، وان من علامتها إنّك إذا نظرت إليها يخيّل إليك إنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها وكانت تسمى المذهّبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى وقال: أعزم عليك بآله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فأقبلت تسعى حتّى قامت بين يديه فقبض على عنقها وقادها فتكلمت البقرة بأذن الله وقالت: أيّها الفتى البارّ بوالدته اركبني فإنّ ذلك أهون عليك. فقال الفتى، إنّ أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذها بعنقها فقالت البقرة: بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبدا فأنطلق فإنّك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرّك بوالدتك. وسار الفتى فاستقبله عدوّ الله إبليس في صورة راع فقال: أيّها الفتى إنّي رجل من رعاة البقر اشتقت إلى أهلي فأخذت ثورا من ثيراني فحملت عليه زادي ومتاعي حتّى إذا بلغت شطر الطّريق ذهبت لأقضي حاجتي صعدا وسط الجبل وما قدرت عليه وإنّي أخشى على نفسي الهلاك، فأن رأيت أن تحملني على بقرتك وتنجني من الموت وأعطيك أجرها بقرتين مثل بقرتك فلم يفعل الفتى وقال: اذهب فتوكّل على الله فلو علم الله منك اليقين بلغك بلا زاد ولا راحلة فقال إبليس: فأن شئت فبعنيها بحكمك، وإن شئت فاحملني عليها وأعطيك عشرة مثلها فقال الفتى: إنّ امّي لم تأمرني بهذا فبينا الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يدي البقرة ونفرت البقرة هاربة في الفلاة وغاب الرّاعي فدعاها الفتى باسم آله إبراهيم فرجعت إليه البقرة فقالت أيّها الفتى البار بوالدته ألم تر إلى الطائر الذي طار إنّه إبليس عدو الله اختلسني أمّا إنّه لو ركبني لما قدرت عليّ أبدا فلمّا دعوت آله إبراهيم جاء ملك فانتزعني من يد إبليس وردّني إليك لبرّك بوالدتك وطاعتك لها. فجاء بها الفتى إلى أمّه، فقالت له: إنّك فقير لا مال لك ويشقّ عليك الاحتطاب بالنّهار والقيام باللّيل فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها. قال بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي وكانت ثمن البقرة في ذلك الوقت فانطلق بها الفتى إلى السّوق فبعث الله ملكا إنسانا خلقه بقدرته ليخبر الفتى كيف برّه بوالدته وكان الله به خبيرا فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير واشترط عليك رضا والدتي. فقال الملك: ستّة دنانير ولا تستأمر أمّك. فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلّا برضا أمّي فردّها إلى امّه وأخبرها بالثّمن فقالت: ارجع فبعها ستّة على رضاي فانطلق الفتى بالبقرة إلى السوق وأتى الملك وقال: استأمرت والدتك؟ فقال الفتى: انّها أمرتني أن لا أنقصها من ستة على أن أستأمرها. قال الملك: فإنني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها. فأتى الفتى ورجع إلى أمّه وأخبرها بذلك قالت: إنّ ذلك الرجل الّذي يأتيك ويعطيك هو ملك من الملائكة يأتيك في صورة آدمي ليجرّبك فإذا أتاك فقل له أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل ذلك فقال له الملك: اذهب إلى أمّك وقل لها بكم هذه البقرة؟ فإنّ موسى بن عمران يشتريها منكم لقتيل يقتل من بني إسرائيل فلا تبيعوها إلّا بملء مسكها دنانير فأمسكوا البقرة، وقدر الله على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها وأمرهم بها فقالوا يستوصفون ويصف لهم حتّى وصف تلك البقرة بعينها موافاة له على برّه بوالدته فضلا منه. فضلا منه ورحمة وذلك قوله عزّ وجلّ ادْعُ لَنا رَبَّكَ أيّ سل وهكذا هو في مصحف عبد الله، سلّ لنّا ربّك يبين لنا ما هي؟ وما سنّها؟ قالَ موسى: إِنَّهُ يعني إن الله يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ لا كبيرة ولا صغيرة وارتفع البكر والفارض بإضمار هي إذ لا هي فارض ولا هي بكر. مجاهد وأبو عبيدة والأخفش: الفارض الكبيرة المسنّة التي لا تلد يقال له: فرضت- تفرض- فروضا. قال الشاعر: كميت بهيم اللون ليس بفارض ... ولا بعوان ذات لون مخصف [[تفسير القرطبي: 1/ 449،. لسان العرب: 7/ 204.]] وقال الرّاجز: يا ربّ ذي ضغن عليّ فارض ... له قروء كقروء الحائض [[أحكام القرآن للجصاص: 1/ 441.]] أيّ حقد قديم، والبكر: الفتية الصغيرة التي لم تلد قط. وقال السّدي: البكر: التي لم تلد إلّا ولدا واحدا وحذف الحاء منها للاختصاص. عَوانٌ نصف بين سنّين، وقال الأخفش: العوان التي نتجت مرارا وجمعه عون، ويقال منه: عونت تعوينا. فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ من ذبح البقرة ولا تكرّروا السؤال. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها محل (ما) رفع بالابتداء ولَوْنُها خبر، وقرأ الضّحاك لَوْنُها نصبا كانّه عمل فيه لسببين وجعل ما صلة. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها. قال ابن عبّاس: شديد الصفرة وقال عدي بن زيد: واني لأسقي الشرب صفرا فاقعا ... كأن ذكيّ المسك فيها يعبّق قتادة وأبو العالية والربيع: صاف. سعيد بن جبير: صفراء اللون والظلف. الحسن: السوداء، والعرب تسمي الأسود أصفر. قال الأعشى: تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب [[لسان العرب: 1/ 355.]] قال القتيبي: غلط من قال الصفراء هاهنا السوداء لأنّ هذا غلط في نعوت البقر. وإنّما هو في نعوت الإبل وذلك أنّ السّوداء من الإبل شربت سوادها صفرة، والآخرة إنّه لو أراد السّوداء لما أكده بالفقوع لأنّ الفاقع المبالغ في الصّفرة. كما يقال: أبيض يفق وأسود حالك وأحمر قاني وأخضر ناضر. تَسُرُّ النَّاظِرِينَ إليها وتعجبهم من حسنها وصفاء لونها لأنّ العين تسر وتولع بالنظر إلى الشيء. الحسن قال: من لبس نعلا صفراء قلّ همّه [[نسبه في تذكرة الموضوعات لابن عباس: 158.]] لأنّ الله يقول: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أسائمة أم عاملة. إِنَّ الْبَقَرَ هذه قراءة العامة، قرأ محمد ذو الشامة الأموي إن الباقر وهو جمع البقر كالجامل لجماعة الجمل وقال الشاعر: مالي رأيتك بعد عهدك موحشا ... خلقا كحوض الباقر المتهدّم قال قطرب: تجمع البقرة- بقر، وباقر، وبقير، وبقور، وباقور. فأن قيل: لما قال تشابه والبقر جمع فلم لم يقل تشابهت؟ قيل فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: إنّه ذكر لتذكير بلفظ البقر، كقوله كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [[سورة القمر: 20.]] . وقال المبرّد: سئل سيبويه عن هذه الآية؟ [فقال:] كل جمع حروفه أقل من حروف واحد فإنّ العرب تذكّره، واحتج بقول الأعشى: ودّع هريرة إن الرّكب مرتحل ولم يقل مرتحلون، وقال الزّجاج: معناه إنّ جنس البقر تشابه علينا. تَشابَهَ عَلَيْنا وفي تشابه سبع قراءات: تَشابَهَ: بفتح التاء والهاء وتخفيف الشّين وهي قراءة العامة وهو فعل ماض ويذكر موحد. وقرأ الحسن: تَشابهُ: بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشّين أراد تشابه. وقرأ الأعرج: تَشّابهُ: بفتح التاء وتشديد الشّين وضم الهاء على معنى يتشابه. وقرأ مجاهد: تشبّه، كقراءة الأعرج إلّا إنّه بغير ألف لقولهم: تحمل وتحامل. وفي مصحف أبي: تشابهت على وزن تفاعلت [فالتاء] لتأنيث البقر. وقرأ ابن أبي إسحاق: تشّابهت بتشديد الشين قال أبو حاتم: هذا غلط لأن التاء لا تدغم في هذا الباب إلّا في المضارعة [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 452.]] . وقرأ الأعمش: متشابه علينا- جعله اسما. ومعنى الآية: التبس واشتبه أمره علينا فلا نهتدي إليه. وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ إلى وصفها. قال رسول الله ﷺ‎: «وأيم الله لئن لم يستبينوا لما تبينت لهم آخر الأبد» [90] . قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ مذلّلة بالعمل- يقال: رجل ذليل بيّن الذّل، ودابة ذلولة بيّنة الذّل. تُثِيرُ الْأَرْضَ أي مثلها للزراعة. وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ بريئة من العيوب، وقال الحسن: مسلّمة القوائم ليس فيها أثر العمل. لا شِيَةَ فِيها قال عطاء: لا عيب فيها. قال قتادة: لا بياض فيها أصلا. مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد. محمّد بن كعب: لا لون فيها يخالف معظم لونها. فلما قال هذا قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ أي بالوصف التام البين. قيل: كانت البقرة التي أحيا بها القتيل لوارثه الذي قتله، وكان أوّل من فتح السؤال عنها رجاء أن لا يجدوها فطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلّا عند الفتى البار. فاشتروها منه بملء مسكنها ذهبا. وقال السدّي: اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا. فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ من غلاء ثمنها. وقال محمّد بن كعب: وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها. وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً يعني عاميل، وهذه الآية أوّل القصّة. فَادَّارَأْتُمْ فاختلفتم فِيها قاله ابن عبّاس ومجاهد ومنه قول القائل في رسول الله ﷺ‎: كان يزكي فكان خير شريك لا يداري ولا يماري. قال الضّحاك: اختصمتم. عبد العزيز بن يحيى: شككتم. الربيع بن أنس: تدافعتم، وأصل الدراء: الدفع يعني ألقى ذلك على هذا وهذا على ذاك فدافع كل واحد عن نفسه كقوله تعالى وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [[سورة الرعد: 22، سورة القصص: 54.]] ، وقوله وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [[سورة النور: 8.]] ، وأصل قوله [..........] [[كلمة غير مقروءة.]] والباء صلة. أبو عبيدة: احتملوا وأقروا به، ومنه الدّعاء المأثور [...........] [[كلمة غير مقروءة.]] وأصل: فادارأتم فتدارأتم فأدغمت التاء في الدّال وادخلت الألف ليسلم سكون الحرف الأولي بمثل قوله اثَّاقَلْتُمْ [[سورة التوبة: 39.]] . وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ تخفون. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ يعني القتيل. بِبَعْضِها أي ببعض البقرة: فاختلفوا في هذا البعض ما هو؟ فقال ابن عبّاس: اضربوه بالعظم الذي يلي الفخذين وهو المقتل. الضحّاك: بلسانها. قال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقاويل لأنّ المراد كان من احياء القتيل كلامه واللسان آلته. سعيد بن جبير: ضربت بذنبها. قال يمان: وهو أولى التأويلات بالصواب لأنّ العصعص أساس البدن الذي ركب عليه الخلق وأنّه أوّل ما يخلق وآخر ما يبلى. مجاهد: بذنبها. عكرمة والكلبي: بفخذها الأيمن. السّدي: بالبضعة التي بين كتفيها، وقيل: باذنها. ففعلوا ذلك فقام القتيل حيّا بإذن الله وأوداجها تشخب دما وقال: قتلني فلان. ثمّ سقط ومات مكانه، وفي الآية اختصار، وتقديرها: فقلنا اضربوه ببعضها فضرب فحيي كقوله تعالى وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [[سورة البقرة: 185.]] يعني فأفطر فعدة، وقوله فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [[سورة البقرة: 196.]] أي فحلق ففدية. كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى كما أحيا عاميل بعد موته كذلك يحيي الله الموتى. وَيُرِيكُمْ آياتِهِ دلائل آياته. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وقال الواقدي: كل شيء في القرآن فهو بمعنى لكي غير التي في الشعراء: وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [[سورة الشعراء: 129.]] فإنه بمعنى: كأنّكم تخلدون فلا تموتون.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب