الباحث القرآني

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ قال الكلبي: قالوا بعد ذلك لم نقتله، وأمكروا فلم يكونوا قط أعمى قلبا ولا أشد تكذيبا لنبيّهم منهم عند ذلك قال الله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ الكلبي وأبو روق: يبست واشتدت وقال سائق البربري: ولا ارى أثرا للذكر في جسدي ... والحبل في الجبل القاسي له أثر أبو عبيدة: جفّت. الواقدي: جفّت من الشّدة فلم تلن. المؤرّخ: غلظت، وقيل: اسودّت. قال الزجاج: تأويل القسوة ذهاب اللّين، [وقال سيبويه] والخشوع والخضوع. ذلِكَ أي بعد ظهور الدلالات. فَهِيَ غلظها وشدتها. كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً أي بل أشد قسوة كقول الشاعر: [بدت] مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح [[مجمع البيان: 1/ 281.]] أي بل، وقيل: هو بمعنى الواو والألف صلة أي وأشد قسوة. كقوله تعالى آثِماً أَوْ كَفُوراً [[سورة الإنسان: 24.]] أيّ وكفورا. وقرأ أبو حياة: أو أشد قساوة، وقال الكسائي: القسوة والقساوة واحد كالشقوة والشّقاوة ثمّ عذر الحجارة وفضلها على القلب القاسي فقال وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وقرأ مالك بن دينار ينفجر بالنون كقوله فَانْفَجَرَتْ [[سورة البقرة: 60.]] ، وفي مصحف أبي: منها الأنهار- ردّ الكناية إلى الحجارة-. وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ أي يتشقق هكذا قرأها الأعمش. فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله. مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عزّ وجلّ وقلوبكم يا معاشر اليهود لا تلين ولا تخشع ولا تأتي بخير. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وعيد وتهديد أي بتارك عقوبة ما تعملون بل يجازيكم به. أَفَتَطْمَعُونَ أي فترجون يعني محمّد ﷺ‎ وأصحابه. أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ لن يصدّقكم اليهود. وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ طائفة منهم. يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ يعني التوراة. ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ أي يغيرونه أي ما فيه من الأحكام. مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ علموه وفهموه كما غيّروا آية الرّجم وصفه محمّد ﷺ‎. وَهُمْ يَعْلَمُونَ إنهم كاذبون- هذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة ووهب والسّدي. وقال ابن عبّاس ومقاتل: نزلت هذه الآية في السبعين المختارين وذلك إنّهم لما ذهبوا مع موسى إلى الميقات وسمعوا كلام الله وما يأمره وما ينهاه رجعوا إلى قومهم فأمّا الصّادقون فأدّوا كما سمعوه وقالت طائفة منهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا فأن شئم فلا تفعلوا ولا بأس. وَإِذا لَقُوا قرأ ابن السّميقع لاقوا: يعني منافقي اليهود. الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم لا بقلوبهم أبا بكر وأصحابه من المؤمنين. قالُوا آمَنَّا كأيمانكم وشهدنا أنّ محمدا صادق نجده في كتابنا بنعته وصفته. وَإِذا خَلا رجع بعضهم إلى بعض أي كعب بن الأشراف وكعب بن أسيد ووهب بن يهودا وغيرهم من رؤساء اليهود ولاموهم على ذلك وقالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قال الكلبي: بما قضى الله عليكم في كتابكم أنّ محمّدا حق وقوله صدق، وقال القاضي الفتاح الكسائي: بما بيّنه لكم في كتابكم [من العلم ببعث محمد والبشارة به] . الواقدي: بما أنزل الله في الدنيا والآخرة عليكم نظير لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [[سورة الأعراف: 96.]] أي أنزلناه. أبو عبيدة والأخفش: بما منّ الله عليكم وأعطاكم. لِيُحَاجُّوكُمْ ليخاصموكم ويحتجوا بقولكم عليكم [يعني أصحاب محمد] . بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ وقال بعضهم: هو أنّ الرجل من المسلمين كلما يلقي قرينه وحليفه وصديقه من اليهود فيسأله عن أمر محمّد ﷺ‎ فيقولون إنّه لحق [فيقولون قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ثمّ تتبعونه] وهو نبيّ. فيرجعون إلى رؤسائهم فيلومونهم على ذلك. قال السّدي: كان ناس من اليهود آمنوا ثمّ نافقوا وكان يحدثون المؤمنين بما عذبوا به- فقال لهم رؤسائهم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي أنزل من العذاب ليعيروكم به ويقولوا: نحن أكرم على الله منكم. [ابن جرير عن] القاسم بن أبي برة: هذا قول يهود قريظة بعضهم لبعض حين سبّهم النبيّ ﷺ‎: فقال: يا إخوان القردة والخنازير وعبدة الطّاغوت، فقالوا: من أخبر محمّدا بهذا؟ ما خرج هذا إلّا منكم. أَفَلا تَعْقِلُونَ أفليس لكم ذهن الإنسانيّة. قال الله أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ما يخفون وما يبدون يعني اليهود، وقرأ ابن محيصن «ما» ! على الخطاب وَمِنْهُمْ من اليهود. أُمِّيُّونَ قال ابن عبّاس وقتادة: يعني غير عارفين معاني الكتاب. يعلمونه حفظا وقراءة بلا فهم ولا يدرون ما فيه. وقال الكلبي: لا يحسنون قراءة الكتاب ولا كتابته ودليل هذا التأويل قول النبيّ ﷺ‎: «إنّا أمّة أمّيّة لا نكتب ولا نحاسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» [91] . وقال أهل المعاني: الأمّي منسوب إلى الأمة وما عليه العامة معنى الأمي: العامي الذي لا تمييز له، أو هو جمع أمي منسوب إلى الأم كأنّه باق على [الحقيقة] حذفت منه هاء التأنيث لأنّها زائدة وياء النسبة زائدة، ونقلت فرقا بينها وبين ياء الإضافة. لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ قرأ العامّة بتشديد الياء. وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج أَمانِيَ بتخفيف الياء في كلّ القرآن حذفوا إحدى الياءين استحفافا وهي ياء الجمع مثل مفاتح ومفاتيح. وقال أبو حاتم: كل جمع من هذا الجنس واحد مشدّد فلك فيه التّضعيف والتشديد مثل فخاتي وأماني وأغاني وغيرها واختلفوا في معنى الأمانيّ، وقال الكلبي بمعنى لا يعلمون إلّا ما تحدّثهم بهم علماؤهم. أبو روق وأبو عبيدة: تلاوة وقراءة على ظهر القلب ولا يقرءونها في الكتب، يدلّ عليه قوله تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [[سورة الحجّ: 52.]] وقرآنه. قال الشاعر: تمنّى كتاب الله أوّل ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر مجاهد وقتادة: كذبا وباطلا. الفرّاء: الأماني: الأحاديث المفتعلة. قال بعض العرب لابن [دلب] : أهذا شيء رويته أم تمنيته؟ وأراد بأماني الأنبياء الّتي كتبها علماؤهم من قبل أنفسهم ثمّ أضافوها إلى الله عزّ وجلّ من تغيير نعت محمّد ﷺ‎. الحسن وأبو العالية: يعني يتمنّون على الله الباطل والكذب مثل قولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [[سورة البقرة: 80.]] وقولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً [[سورة البقرة: 111.]] ، وقولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [[سورة المائدة: 18.]] . وَإِنْ هُمْ ما هم. إِلَّا يَظُنُّونَ ظنّا ووهما لا حقيقة ويقينا قاله قتادة والرّبيع. وقال مجاهد: [ ... يكذبون] . فَوَيْلٌ روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ‎ قال: «الويل واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ إلى قعره» [92] . سعيد بن المسيب: واد في جهنّم لو سرت فيه جبال الدّنيا لماعت من شدّة حرّها. ابن بريدة: جبل من قيح ودم. ابن عبّاس: شدّة العذاب. ابن كيسان: كلمة يقولها كلّ مكروب. الزجّاج: كلمة يستغلّها كل واقع في الهلكة وأصلها العذاب والهلاك. وقيل: هو دعاء الكفّار على أنفسهم بالويل والثّبور. لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا وذلك إنّ أحبار اليهود خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم حين قدم النبيّ ﷺ‎ المدينة واحتالوا في تعويق اليهود عن الإيمان به فعمدوا إلى صفته في التوراة وكان صفته فيها حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العين، ربعة فغيروها وكتبوا مكانها طويل أزرق، سبط الشعر. فإذا سألهم سفلتهم عن محمّد ﷺ‎ قرءوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفة محمّد ﷺ‎ فيكذبونه قال الله تعالى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من تغيير نعت محمّد. وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ من المأكول ولفظة الأيدي للتأكيد كقولهم مشيت برجلي ورأيت بعيني. قال الله تعالى: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [[سورة الأنعام: 38.]] . قال الشّاعر: نظرت فلم تنظر بعينك منظرا وقال أبو مالك: نزلت هذه الآية في الكاتب الّذي يكتب لرسول الله ﷺ‎ وقد كان قرأ البقرة وآل عمران، وكان النبيّ ﷺ‎ يملي: غَفُوراً رَحِيماً، فيكتب: عليما حكيما، فيقول له النبيّ ﷺ‎: «اكتب كيف شئت» ويملي عليه: عَلِيماً حَكِيماً، فيكتب: سميعا بصيرا، فيقول النبيّ ﷺ‎: «اكتب كيف شئت» قال: فارتدّ ذلك الرّجل عن الإسلام ولحق بالمشركين. قال: أما يعلمكم محمّد ﷺ‎ أن كنت لأكتب ما شئت أنا، فمات ذلك الرّجل فقال النبيّ ﷺ‎: «إنّ الأرض لا تقبله» [93] . قال: فأخبرني أبو طلحة: إنّه أتى الأرض الّتي بات فيها فوجده منبوذا، فقال أبو طلحة: ما شأن هذا؟ قالوا: دفنّاه مرارا فلم تقبله الأرض.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب