الباحث القرآني

وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا أي عملوا في إبطال آياتنا مُعاجِزِينَ أي مغالبين مشاقّين قال ابن عباس، الأخفش: متأنّفين، قتادة: ظنّوا أنّهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم ولن يعجزوه. وقرأ ابن كثير وأبو عمر: معجّزين بالتشديد أي مثبّطين الناس عن الإيمان، ومثله في سورة سبأ. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من المفسّرين: لمّا رأى رسول الله ﷺ‎ تولّي قومه عنه وشقّ عليه ما رأى من مباعدتهم عمّا جاءهم به من الله سبحانه تمنّى في نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله، فأحبّ يومئذ ألّا يأتيه من الله تعالى شيء فينفروا عنه، وتمنى ذلك فأنزل الله سبحانه سورة وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [[سورة النجم: 1.]] فقرأها رسول الله ﷺ‎ حتى بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [[سورة النجم: 19- 20.]] ألقى الشيطان على لسانه لمّا كان يحدث به نفسه ويتمناه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهنّ لترتجى. فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، ومضى رسول الله ﷺ‎ في قراءته فقرأ السورة كلّها وسجد في آخر السورة فسجد المسلمون بسجوده، وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلّا سجد إلّا الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها لأنّهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود، وتفرّقت قريش وقد سرّهم ما سمعوا وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أنّ الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعل لها محمد نصيبا فنحن معه، فلمّا أمسى رسول الله ﷺ‎ أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد ماذا صنعت؟! لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يقل لك، فحزن رسول الله ﷺ‎ عند ذلك حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كبيرا فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ‎ وبلغهم سجود قريش، وقيل: قد أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إلى عشائرهم وقالوا: هم أحبّ إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان، فلمّا نزلت هذه الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله، فغيّر ذلك وجاء بغيره، وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله (عليه السلام) قد وقعا في فم كلّ مشرك فازدادوا شرّا إلى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم [[أنكر ابن العربي في تفسيره- أحكام القرآن- قصّة الغرانيق لما فيها من تدخّل الشيطان في تعاليم الإسلام وتسليطه على نبيّ الرحمة الذي لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى.]] . وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وهو الذي يأتيه جبرئيل بالوحي عيانا وشفاها وَلا نَبِيٍّ وهو الذي تكون نبوّته إلهاما أو مناما إِلَّا إِذا تَمَنَّى أي أحبّ شيئا واشتهاه وحدّث به نفسه ما لم يؤمر به. أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي مراده ووجد إليه سبيلا، وقال أكثر المفسرين: يعني بقوله: تَمَنَّى أي تلا وقرأ كتاب الله سبحانه أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي قراءته، وتلاوته، نظيره قوله سبحانه لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [[سورة البقرة: 78.]] يعني قراءة يقرأ عليهم. وقال الشاعر في عثمان رضي الله عنه حين قتل: تمنّى كتاب الله أوّل ليلة ... وآخره لاقى حمام المقادر [[كتاب العين: 8/ 390.]] وسمعت أبا القاسم الحبيب يقول: سمعت أبا الحسن علي بن مهدي [[في النسخة الثانية: بن السدّي.]] الطبري يقول: ليس هذا التمنّي من القرآن والوحي في شيء وإنّما هو أنّ النبي ﷺ‎ كان إذا صفرت يده من المال ورأى ما بأصحابه من سوء الحال تمنّى الدنيا بقلبه وسوسة من الشيطان. وقال الحسن: أراد بالغرانيق العلى الملائكة يعني أنّ الشفاعة ترتجى منهم لا من الأصنام، وهذا قول ليس بالقوي ولا بالمرضىّ لقوله فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ أي يبطله ويذهبه ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ فيثبتها وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. فإن قيل: فما وجه جواز الغلط في التلاوة على النبي ﷺ‎؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنّه على سبيل السهو والنسيان وسبق اللسان فلا يلبث أن ينبّهه الله سبحانه ويعصمه. والثاني: أنّ ذلك إنّما قاله الشيطان على لسان رسول الله ﷺ‎ في أثناء قراءته وأوهم أنّه من القرآن وأنّ رسول الله ﷺ‎ هو الذي يتلوه، قال الله سبحانه لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فيشكّون في ذلك. وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ فلا تلين لأمر الله وَإِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من المؤمنين أَنَّهُ يعني أنّ الذي أحكم الله سبحانه من آيات القرآن الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أي ممّا ألقى الشيطان على لسان رسول الله ﷺ‎. ابن جريج: من القرآن، غيره: من الدين وهو الصراط المستقيم. حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال عكرمة والضحّاك: عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة. وقال الآخرون: هو يوم بدر وهو الصواب لأنّ الساعة هي القيامة، ولا وجه لأن يقال: حتى تأتيهم القيامة وإنّما سمّي يوم بدر عقيما لأنّهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء قاله ابن جريج، غيره: لأنّه لم يكن فيه رأفة ولا رحمة، وقيل: لأنّه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ يعني يوم القيامة لِلَّهِ وحده من غير منازع، ولا مدّع، والملك هو اتّساع المقدور لمن له تدبير الأمور، والله سبحانه وتعالى هو الذي يملك الأمور كلّها، وكلّ ملك سواه فهو مملّك بحكمه وإذنه. يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ثم بيّن حكمه فقال عزّ من قائل فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله سبحانه وطلب رضاه ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا وهم كذلك لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً في الجنة وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وقيل: هو قوله سبحانه بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [[سورة آل عمران: 169.]] . روى ابن وهب عن عبد الرّحمن بن الحجاج بن سلامان بن عامر قال: كان فضالة بن دوس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين: أحدهما قتيل والآخر متوفّى، فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته فقال: أراكم أيّها الناس تميلون مع القتيل وتفضّلونه على أخيه المتوفّى! فو الذي نفسي بيده ما أبالي من أىّ حفرتها بعثت، اقرءوا قول الله سبحانه وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم، فكره المسلمون قتال المشركين وسألوهم أن يكفّوا عن القتال من أجل الأشهر الحرم فأبى المشركون وقاتلوهم فذلك بغيهم عليه، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآيات، والعقاب الأول بمعنى الجزاء.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب