الباحث القرآني

يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ معنى ضرب: جعل، كقولهم: ضرب السلطان البعث على الناس، وضرب الجزية على أهل الذمّة أي جعل ذلك عليهم، ومنه قوله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [[سورة البقرة: 61.]] والمثل حالة ثابتة تشبه بالأولى في الذكر الذي صار كالعلم، وأصله الشبه، ومعنى الآية: جعل لي المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي. فَاسْتَمِعُوا لَهُ حالها وصفتها التي بيّنت وشبّهتها بها، ثم بيّن ذلك فقال عزّ من قائل إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قراءة العامة بالتاء، وروى زيد عن يعقوب يدعون بالياء لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً في صغره وقلّته لأنّها لا تقدر على ذلك وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ لخلقه، والذباب واحد وجمعها القليل أذبنة والكثير ذبّان، مثل غراب وأغربة وغربان وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ يعني الأصنام، أخبر عنها بفعل ما يعقل، وقد مضت هذه المسألة، يقول: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً مما عليهم لا يقدرون أن يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. قال ابن عباس: الطالب الذباب والمطلوب الصنم، وذلك أن الكفّار كانوا يلطّخون أصنامهم بالعسل في كلّ سنة ثم يغلقون عليها أبواب البيوت فيدخل الذبّان في الكوى فيأكل ذلك العسل وينقيها منه فإذا رأوا ذلك قالوا: أكلت آلهتنا العسل. الضحّاك: يعني العابد والمعبود. ابن زيد وابن كيسان: كانوا يحلّون الأصنام باليواقيت واللآلي وأنواع الجواهر ويطيّبونها بألوان الطيب، فربما يسقط واحد منها أو يأخذها طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استردادها، فالطالب على هذا التأويل الصنم والمطلوب الذباب والطائر. ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عظّموا الله حقّ تعظيمه، ولا عرفوه حقّ معرفته ولا وصفوه حقّ صفته إذ أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ينتصف به. إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ اللَّهُ يَصْطَفِي يختار مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا كجبرئيل وميكائيل وغيرهما وَمِنَ النَّاسِ أيضا رسلا مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم، يقال: نزلت هذه الآية لمّا قال المشركون أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا [[سورة القمر: 25.]] فأخبر أن الاختيار إليه، يختار من يشاء من خلقه. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقولهم بَصِيرٌ بمن يختاره لرسالته. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني ما كان بين أيدي ملائكته ورسله قبل أن يخلقهم. وَما خَلْفَهُمْ ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم. وقال الحسن: ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ما عملوه، وَما خَلْفَهُمْ ما هم عاملون ممّا لم يعملوه بعد. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [[السنن الكبرى: 2/ 317.]] . أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع، وحدّثني مطرف بن عبد الله عن مالك عن نافع أنّ رجلا من أهل مصر أخبر عبد الله بن عمر أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين ثمّ قال: انّ هذه السورة فضّلت بسجدتين. وبإسناده عن مالك عن عبد الله بن دينار أنّه قال: رأيت عبد الله بن عمر سجد في الحج سجدتين. وأخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: أخبرنا أبو العباس الدعولي قال: حدّثنا ابن أبي خيثمة قال: حدّثنا أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن صفوان بن مهران أن أبا موسى قرأ على منبر البصرة سورة الحج، فنزل فسجد فيها سجدتين. وحدّثنا أبو محمد المخلّدي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا محمد ابن مسلم بن دارة قال: حدّثنا محمد بن موسى بن أعين قال: قرأت على أبي عن عمرو بن الحرث عن ابن لهيعة ان شريح بن عاها حدّثه عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم إن لم تسجدهما فلا تقرأهما. وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ يعني وجاهدوا في سبيل الله أعداء الله حق جهاده، وهو استفراغ الطاقة فيه، قاله ابن عباس، وعنه أيضا: لا تخافوا في الله لومة لائم وذلك حق الجهاد. وقال الضحاك ومقاتل: يعني اعملوا لله بالحقّ حقّ عمله، واعبدوه حقّ عبادته. عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى وذلك حقّ الجهاد، وهو الجهاد الأكبر على ما روي في الخبر أنّ رسول الله ﷺ‎ قال حين رجع من بعض غزواته: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» [6] [[فيض القدير- المناوي.: 3/ 141.]] . هُوَ اجْتَباكُمْ اختاركم لدينه وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ضيق فلا يبتلي المؤمن بشيء من الذنوب إلّا جعل له منه مخرجا بعضها بالتوبة وبعضها بالقصاص وبعضها برد المظالم وبعضها بأنواع الكفّارات، فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من العقاب فيه، ولا ذنب يذنبه المؤمن إلّا وله منه في دين الإسلام مخرج، وهذا معنى رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه حين سأله عبد الملك بن مروان عن هذه الآية فقال: جعل الله الكفارات مخرجا من ذلك، سمعت ابن عباس يقول ذلك. وقال بعضهم: معناه وما جعل عليكم في الدين من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر والأضحى ووقت الحج إذا التبست عليكم وشكّ الناس فيها، ولكنّه وسّع ذلك عليكم حتى تتيقّنوا محلها مِلَّةَ أَبِيكُمْ أي كملّة أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ نصب بنزع حرف الصفة، عن الفرّاء، غيره: نصب على الإغراء أي الزموا واتّبعوا ملّة أبيكم إبراهيم، وإنّما أمركم باتباع ملّة إبراهيم لأنّها داخلة في ملّة محمد ﷺ‎. وأمّا وجه قوله سبحانه «مِلَّةَ أَبِيكُمْ» وليس جميعهم يرجع إلى ولادة إبراهيم فإنّ معناه: إنّ حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد، كما قال سبحانه وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [[سورة الأحزاب: 6.]] وقال النبي ﷺ‎: «إنّما أنا لكم مثل الوالد» [7] [[مسند أحمد: 2/ 250.]] ، وهذا معنى قول الحسن البصري (رحمه الله) . هُوَ يعني الله سبحانه وتعالى سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ يعني من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة وَفِي هذا الكتاب هذا قول أكثر المفسرين. وقال ابن زيد: هُوَ راجع إلى إبراهيم (عليه السلام) يعني أنّ إبراهيم سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذا الوقت في أيام إبراهيم وَفِي هذا الوقت، قال: وهو قول إبراهيم رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [[سورة البقرة: 128.]] والقول الأول أولى بالصواب. لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ أن قد بلّغكم وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ أن رسلهم قد بلّغتهم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ وثقوا بالله وتوكّلوا عليه. وقال الحسن: تمسّكوا بدين الله الذي لطف به لعباده. هُوَ مَوْلاكُمْ وليّكم وناصركم ومتولي أمركم فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب