الباحث القرآني

حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ يعني هؤلاء المشركين، وذلك حين ينقطع عن الدنيا ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت. قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ولم يقل ارجعني وهو خطاب الواحد على التعظيم كقوله (إِنَّا نَحْنُ) فخوطب على نحو هذا كما ابتدأ بلفظ التعظيم. وقال بعضهم: هذه المسألة إنما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحه، وإنما ابتدأ الكلام بخطاب الله سبحانه لأنهم استغاثوا أولا بالله سبحانه ثم رجعوا الى مسألة الملائكة الرجوع الى الدنيا. لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ صنعت كَلَّا أي لا يرجع إليها، وهي كلمة ردع وزجر إِنَّها يعني سؤاله الرجعة كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها ولا ينالها. روت عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك الى الدنيا؟ فيقول: الى دار الهموم والأحزان؟! بل قدما إلى الله عزّ وجلّ، وأمّا الكافر فيقول رَبِّ ارْجِعُونِ الآية» [[جامع البيان للطبري: 18/ 68.]] . وَمِنْ وَرائِهِمْ أمامهم بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي حاجز بين الموت والرجوع الى الدنيا عن مجاهد، ابن عباس: حجاب، السدّي: أجل، قتادة: بقيّة الدنيا، الضحّاك وابن زيد: ما بين الموت إلى البعث، أبو أمامة: القبر، وقيل: الإمهال [[في النسخة الثانية زيادة: وكل فصل بين شيئين برزخ، قوله عز وجل فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ قال ابن عباس.]] لا يفتخرون بالأنساب في الآخرة كما كانوا يفتخرون [[في النسخة الثانية زيادة: في الدنيا.]] . فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ. قال أبو العالية: هو كقوله وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً. وقال ابن جريج: معنى الآية لا يَسْئَلُ أحد يومئذ شيئا بنسب وَلا يَتَساءَلُونَ، لا يمتّ إليه برحم، واختلف المفسّرون في المراد بقوله فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ أىّ النفختين عنى؟ فقال ابن عباس: هي النفخة الأولى. أخبرني ابن فنجويه بقراءتي عليه قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيوب قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرّحمن بن أبي عوف قال: حدّثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحرّاني قال: حدّثنا محمد بن سلمة بن أبي عبد الرحيم قال: حدّثني زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس، قوله سبحانه فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ فهذه في النفخة الاولى نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [[سورة الزمر: 68.]] فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة المؤمنون: 101.]] ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [[سورة الزّمر: 68.]] وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافّات: 27.]] . وقال ابن مسعود: هي النفخة الثانية. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: حدّثنا يزيد بن موهب الرملي قال: حدّثنا عيسى بن يونس عن هارون بن أبي وكيع قال: سمعت زاذان أبا عمر يقول: دخلت على ابن مسعود فوجدت أصحاب الخز واليمنة قد سبقوني إلى المجالس، فناديته، يا عبد الله بن مسعود من أجل أنّي رجل أعجمي أدنيت هؤلاء وأقصيتني؟ فقال: ادن، فدنوت حتى ما كان بيني وبينه جليس، فسمعته يقول: يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأوّلين والآخرين ثمّ ينادي مناد: هذا فلان ابن فلان فمن كان له قبله حقّ فليأت إلى حقّه، فتفرح المرأة أن يدور لها الحقّ على أبيها أو على زوجها أو على ابنها أو على أختها، ثم قرأ ابن مسعود فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ قال: فيقول الله سبحانه: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول: ربّ فنيت الدنيا، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله فأعطوا كلّ إنسان بقدر طلبته، فإن كان وليا لله عزّ وجل وفضلت له من حسناته مثقال حبّة من خردل ضاعفها حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها [[سورة النساء: 40.]] [[في النسخة الثانية زيادة: وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً.]] . وإن كان شقيّا قالت الملائكة: ربّ فنيت حسناته وبقي طالبون، فيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته وصكّوا له صكا الى النار. فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ تَلْفَحُ تسفع وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ عابسون عن ابن عباس، وقال غيره: الكلوح أن تتقلص الشفتان عن الإنسان حتى تبدو الأسنان. قال ابن مسعود: ألم تر إلى الرأس المشيّظ بالنار قد بدت أسنانه وقلصت شفتاه. قال الأعشى: وله المقدم لا مثل له ... ساعة الشدق عن الناب كلح [[جامع البيان للطبري: 18/ 72.]] أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن إسحاق المسوحي قال: حدّثنا يحيى الحماني قال: حدّثنا ابن مبارك عن سعيد بن يزيد أبي شجاع عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ‎ في قوله عزّ وجلّ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ قال: «تشويه النار فتتقلّص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته» [16] [[مسند أحمد: 3/ 88.]] . أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا التي كتبت علينا، قرأ أهل الكوفة غير عاصم: شقاوتنا بالألف وفتح الشين، غيرهم: شِقْوَتُنا بغير ألف وكسر الشين وهما لغتان، وهي المضرّة اللاحقة في العاقبة، والسعادة هي المنفعة اللاحقة في العاقبة. وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ عن الهدى رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها أي من النار فَإِنْ عُدْنا لما تكره فَإِنَّا ظالِمُونَ فيجابون بعد ألف سنة اخْسَؤُا فِيها أي ابعدوا، كما يقال للكلب: اخسأ إذا طرد وأبعد وَلا تُكَلِّمُونِ في رفع العذاب فإنّي لا أرفعه عنكم ولا أخفّفه عليكم، وقيل: هو دلالة على الغضب اللازم لهم فعند ذلك أيس المساكين من الفرج. قال الحسن: هو آخر كلام يتكلّم به أهل النار ثم لا يتكلّمون بعدها إلّا الشهيق والزفير ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يفهمون ولا يفهمون. إِنَّهُ هذه الهاء عماد وتسمّى أيضا المجهولة كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي وهم المؤمنون يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا قرأ أهل المدينة والكوفة إلّا عاصما بضم السين هاهنا وفي سورة ص، الباقون: بكسرها. قال الخليل وسيبويه: هما لغتان مثل قول العرب: بحر لجيّ ولجّي، وكوكب درّيّ ودري، وكرسي وكرسي. وقال الكسائي والفرّاء: الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل، ولم يختلفوا في سورة الزخرف أنّه بالضم لأنّه بمعنى التسخير والاستعباد إلّا ما روي عن ابن محيصن أنّه كسره قياسا على سائره وهو غير قوىّ. حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي أي أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم ذكري وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ نظيره قوله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [[سورة المطفّفين: 29.]] . إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا على استهزائكم بهم في الدنيا، والجزاء: مقابلة العمل بما يستحقّ عليه من ثواب أو عقاب. أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ قرأ حمزة والكسائي: إنهم بكسر الألف على الاستيناف، والباقون: بفتحه على معنى لأنهم هم الفائزون، ويحتمل أن يكون نصبا بوقوع الجزاء عليه إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ الفوز بالجنة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب