الباحث القرآني

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ أي زوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ وقرأ الحسن: من عبيدكم، والأيامى جمع الأيّم وهو من لا زوج له من رجل وامرأة يقال: رجل أيّم وامرأة أيّم وأيّمة، والفعل منه أمت المرأة تأيم أيمة أيوما، وتأيّمت تأيّما، قال الشاعر: ألم تر أنّ الله أظهر دينه ... وسعد بباب القادسيّة معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس منهن أيّم [[البداية والنهاية- ابن كثير- 8/ 83 وفيه.]] وقال آخر: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيّمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيّم [[جامع البيان للطبري: 18/ 167.]] وفسّر بعض الفقهاء الآية على الحتم والإيجاب فأوجب النكاح على من استطاعه، وتأوّلها الباقون على الندب والاستحباب وهو الصحيح المشهور والذي عليه الجمهور. قال الشافعي [[كتاب الأم: 5/ 155 بتفاوت.]] رضي الله عنه: واجب للرجل والمرأة أن يتزوّجا إذا تاقت أنفسهما إليه لأنّ الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه أمر به ورضيه وندب إليه، وبلغنا أنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «تناكحوا تكثروا فإنّي أباهي بكم الأمم حتى بالسقط» [[المصنّف: 6/ 173. بدون عبارة: «حتى بالسقط» .]] [32] . وقال ﷺ‎: «من أحبّ فطرتي فليستنّ بسنتي وهي النكاح [[مسند أبي يعلى: 5/ 133.]] ، وقال: إنّ الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده [33] [[المصنّف: 3/ 361- ابن أبي شيبة السكوني، رواه عن سعيد بن المسيّب.]] . قال [الشافعي] : ومن لم تتق نفسه إلى ذلك فأحبّ إلىّ أن يتخلّى لعبادة الله عزّ وجل» [[كتاب الأمّ: 5/ 155. وليس هذا بحديث.]] [34] . وذكر الله سبحانه القواعد من النساء وذكر عبدا أكرمه فقال عزّ من قائل وَسَيِّداً وَحَصُوراً والحصور: الذي لا يأتي النساء. ولم يندبهم إلى النكاح، فدلّ أنّ المندوب إليه من يحتاج إليه [[مختصر المزني: 163. نقله بطوله عن الإمام الشافعي.]] . باب ذكر بعض ما ورد من الأخبار في الترغيب في النكاح أخبرنا أحمد بن أبي قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق الجرجاني قال: حدّثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي قال: حدّثنا محمد بن يحيى الأزدي قال: حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: أخبرنا أشعث عن الحسن عن سمرة أنّ النبي ﷺ‎ نهى عن التبتّل [[مسند أحمد: 5/ 17.]] . وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الحديثي قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا محمد بن صالح بن ذريح قال: حدّثنا جبارة بن المغلّس قال: حدّثنا جندل عن ابن جريح عن أبي المغلّس عن أبي نجيح السلمي قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من كان له ما يتزوّج فلم يتزوج فليس منّا» [[تفسير جوامع الجامع- الطبرسي-: 2/ 618. نقله عن الكشّاف: 3/ 234.]] [35] . وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا أحمد بن يعقوب المقري ابن أخي عوف قال: حدّثنا جبارة بن المغلس قال: حدّثنا مندل عن يحيى بن عبد الرّحمن عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ‎: «من أدرك له ولد وعنده ما يزوّجه فلم يزوّجه فأحدث فالإثم بينهما» [[تفسير مجمع البيان: 7/ 245.]] [36] . وأخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الرّحمن الدقّاق قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو يوسف الصيدلاني قال: حدّثنا خالد بن إسماعيل عن عبيد الله عن صالح مولى التومة قال: قال أبو هريرة: لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد للقيت الله بزوجة، سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «شراركم عزّابكم» [[مسند أبي يعلى: 4/ 38.]] [37] . وبإسناده عن صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا تزوّج أحدكم عجّ شيطانه يا ويله: عصم ابن آدم منّي بثلثي دينه» [[كنز العمال: 16/ 278.]] [38] . وأخبرني الحسن بن محمد قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا أبو زكريا يحيى بن علي بن خلف القطان قال: حدّثنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن ربيعة الكلابي قال: حدّثنا محمد بن ثابت العقيلي عن هارون بن رئاب عن أبي نجيح السلمي قال: قال رسول الله ﷺ‎: «مسكين مسكين رجل ليست له امرأة، مسكينة امرأة ليس لها زوج» . قالوا: يا رسول الله وان كانت غنيّة من المال؟ قال: «وإن كانت غنيّة من المال» [[الدرّ المنثور: 2/ 311. بتفاوت.]] [39] . وأخبرني الحسين قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن موسى قال: حدّثنا هشام بن عمار قال: حدّثنا حماد بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا خالد بن الزبرقان عن سليمان بن حبيب عن أبي أمامة عن النبي ﷺ‎ قال: «أربع لعنهم الله من فوق عرشه وأمّنت عليه ملائكته: الذي يحصر نفسه عن النساء فلا يتزوج ولا يتسرّى لئلّا يولد له، والرجل يتشبّه بالنساء وقد خلقه الله ذكرا، والمرأة تتشبّه بالرجال وقد خلقها الله أنثى، ومضلّل المساكين» [[مسند الشاميين- الطبراني-: 2/ 412.]] [40] . قال خالد: يعني الذي يهزأ بهم يقول للمسكين: هلمّ أعطك، فإذا جاء يقول: ليس معي شيء، ويقول للمكفوف: اتّق الدابّة وليس بين يديه شيء، والرجل يسئل عن دار القوم فيجهله. وأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي قال: حدّثني أحمد بن سعيد بن يعقوب قال: أخبرنا بقية ابن الوليد قال: حدّثني معاوية بن يحيى عن سليمان بن موسى عن مكحول عن عفيف ابن الحارث عن عطيّة بن بشر المازني قال: أتى عكاف بن وادعة الهلالي إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: «يا عكاف ألك زوجة؟ قال: لا يا رسول الله، قال: ولا جارية؟ قال: لا. قال: وأنت صحيح موسر؟ قال: نعم والحمد لله. قال: فإنّك إذا بين إخوان الشياطين إمّا أن تكون من رهبان النصارى، وإمّا أن تكون مؤمنا فاصنع كما نصنع فإنّ من سنّتنا النكاح، شراركم عزّابكم وأراذل موتاكم عزّابكم، ما للشيطان في نفسه سلاح أبلغ من النساء ألا إنّ المتزوّجين هم المطهّرون المبرّؤون من الخنا، ويحك يا عكاف إنّهن صواحب داود وصواحب أيّوب وصواحب يوسف عليهم السلام وصواحب كرسف. قالوا: يا رسول الله ومن كرسف؟ قال: رجل كان يعبد الله سبحانه على ساحل من سواحل البحر ثلاثين عاما، يصوم النهار ويقوم الليل، لا يفتر من صيام ولا قيام، فكفر بالله العظيم من سبب امرأة عشقها وترك ما كان عليه من عبادة ربّه عزّ وجل فتداركه الله سبحانه بما سلف منه، ويحك يا عكاف تزوّج فإنّك من المذنبين. قال: زوّجني من شئت قبل أن أبرح. قال: فإنّي قد زوّجتك على اسم الله كريمة بنت كلثوم الحميري» [[مسند أبي يعلى: 12/ 262.]] [41] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن المظفر البزاز قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد ابن موسى بن النعمان بمصر قال: حدّثنا علي بن عبد الرّحمن بن المغيرة قال: حدّثنا أبو صالح كاتب الليث قال: حدّثنا أبو يحيى [[في النسخة الثانية: بمصر عن منصور عن ابراهيم عن علقمة.]] بن قيس عن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «إذا أتى على أمّتي مائة وثمانون سنة فقد حلّت العزبة والعزلة والترهّب على رؤوس الجبال» [[تفسير القرطبي: 10/ 361. بتفاوت.]] [42] . فصل فيمن يستحبّ ويختار من النساء أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الثقفي بقراءتي عليه في داري قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن الجعد قال: حدّثنا عبد الله بن عمر القواريري قال: حدّثنا عمر بن الوليد قال: سمعت معاوية بن يحيى يحدّث عن يزيد بن جابر عن جبير بن نفير عن عياض بن غنم الأشعري قال: قال لي رسول الله ﷺ‎: «يا عياض لا تزوّجنّ عجوزا ولا عاقرا فإنّي مكاثر» [[كنز العمّال: 16/ 296. مع زيادة: (بكم الأصم) .]] [43] . وأخبرني الحسن بن محمد قال: حدّثنا برهان بن علي الصوفي قال: حدّثنا أبو بكر مردك ابن أحمد البردعي قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا إسحاق بن بشر الكاهلي قال: حدّثني عبد الله بن إدريس المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «تزوّجوا الأبكار فإنّهنّ أعذب أفواها، وأفتح أرحاما، وأثبت مودّة» [[المصنّف- الصنعاني.: 6/ 160. بتفاوت: قال ابن جريح وقال عمر بن الخطّاب:.]] [44] . وبإسناده قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا أراد أحدكم أن يتزوّج المرأة فليسأل عن شعرها كما يسأل عن وجهها [[في المصدر: جمالها.]] فإنّ الشعر أحد الجمالين» [[الموضوعات- ابن الجوزي.: 2/ 262. وكنز العمّال: 16/ 291.]] [45] . وبه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «تزوّجوا الزرق فإن فيهنّ يمنا» [[كنز العمّال: 16/ 302.]] [46] . وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثنا عبدان بن عبد الله بن عبد الحكم قال: حدّثنا عبد الله ابن صالح قال: حدّثنا محمد بن سليمان بن أبي كريمة قال: حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «أعظم نساء أمّتي بركة أصبحهنّ وجها وأقلّهنّ مهرا» [47] [[مسند الشهاب- ابن سلامة.: 2/ 183.]] . فصل في الآداب الواردة في النكاح والزفاف أخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا أبو موسى قال: أخبرنا أبو علي الشيباني قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: حدّثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عيسى بن ميمون عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ‎ أنّه قال: «أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليها بالدفاف وليولم أحدكم ولو بشاة» [[كنز العمّال: 16/ 292.]] [48] . وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان وعبد الله بن يوسف قالا: حدّثنا يوسف بن أحمد بن كركان القرماسيني قال: حدّثنا أبو الزنباع روح بن الفرج قال: حدّثنا أبو سلمة البصري العتكي القاسم بن عمر قال: حدّثنا بشر بن إبراهيم الأنصاري عن الأوزاعي عن مكحول عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: حدّثني معاذ بن جبل قال: شهدت ملاك رجل من الأنصار مع النبي ﷺ‎ فخطب النبي ﷺ‎ وأملك الأنصاري ثمّ قال: «على الألفة والخير والطير الميمون دفّفوا على رأس صاحبكم، وأقبلت السلال فيها الفاكهة والسكّر فنهب عليهم فأمسك القوم فلم ينتهبوا، فقال رسول الله ﷺ‎: ما أزين الحلم ألا تنتهبون، فقالوا: يا رسول الله أنّك نهيتنا عن النهبة يوم كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ‎: إنّما نهيتكم عن نهبة العساكر ولم أنهكم عن نهبة الولائم ثم قال: ألا فانتهبوا» [49] . قال معاذ بن جبل: فو الله لقد رأيت رسول الله ﷺ‎ يجرّرنا ونجرّره في ذلك النهاب [[مجمع الزوائد- الهيثمي.: 4/ 290.]] . وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا أبو العباس عبد الله بن أحمد بن حشيش البغدادي قال: حدّثنا عثمان بن معبد قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم [[في النسخة الثانية: أبو العباس عبد الله بن ابراهيم.]] عن سفيان بن عامر العامري عن صافية مولاتهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «مسّوا بالأملاك فإنّه أفضل في اليمن وأعظم في البركة» [[راجع المغني لابن قدامة: 7/ 435.]] [50] . وأخبرني الحسين قال: حدّثنا طفران بن الحسين قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي داود السجستاني قال: حدّثنا أحمد بن يوسف بن سالم الازدي السلمي قال: حدّثنا حفص بن عبد الله عن إبراهيم بن طهمان عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن إسحاق بن سهل بن أبي حنتمة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كانت عندي جارية من الأنصار في حجري فزوّجتها فدخل النبي ﷺ‎ فلم يسمع غناء فقال: «يا عائشة ألا تغنّون عليها، فانّ هذا الحىّ من الأنصار يحبّون الغناء» [[صحيح ابن حبّان: 13/ 185.]] [51] . وأخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن ظهير بن ثمامة البزّار قال: حدّثنا أبو موسى بن المثنّى الزمر قال: حدّثنا حفص بن غياث عن ليث عن عطاء أنّ النبي ﷺ‎ مرّ عليه بعروس فقال: «لو كان مع هذا لهو» [[المصنّف- الكوفي.: 3/ 321.]] [52] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن أبي قال: حدّثنا محمد بن علي بن سالم الهمذاني قال: حدّثنا الحسن بن الحسين الرازي الهسنخاني قال: حدّثنا سعيد بن منصور قال: حدّثنا مسكين بن ميمون قال: حدّثني عروة بن رويم قال: بينا عبد الرّحمن بن قرط ينعسّ بحمص إذ مرّت عروس وقد أوقدوا النيران، فضربهم بدريّة حتى تفرقوا عنها، فلمّا أصبح قعد على منبره وقال: إنّ أبا جندلة نكح فصنع جفنات من طعام فرحم الله أبا جندلة وصلّى على آبائه، ولعن الله أصحاب عروسكم أوقدوا النيران وتشبّهوا بأهل الشرك والله مطفئ نورهم يوم القيامة. إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا علي بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثني أبو زرعة قال: حدّثنا إبراهيم بن موسى الفرّاء قال: أخبرنا مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «التمسوا الرزق بالنكاح» [[الدرّ المنثور: 5/ 45.]] [53] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا أبو يوسف محمد ابن سفيان بن موسى الصفّار [[في النسخة الثانية: أبو يوسف بن سفيان بن موسى.]] بالمصّيصة قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن ناصح قال: حدّثنا عبد العزيز الدراوردي عن ابن عجلان أنّ رجلا أتى النبي ﷺ‎ فشكا إليه الحاجة فقال: «عليك بالباءة» [[فيض القدير شرح الجامع الصغير- المناوي.: 3/ 318.]] ، وشكا رجل الى أبي بكر رضي الله عنه بعد النبي ﷺ‎ فشكا إليه الحاجة فقال: عليك بالباءة [54] ، وجاء رجل الى عمر رضي الله عنه بعد أبي بكر [[في النسخة الثانية: وجاء رجل الى عثمان بعد عمر.]] فشكا إليه الحاجة فقال: عليك بالباءة، كلّ يريد قوله سبحانه إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. قال ابن عجلان: وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: ابتغوا الغنى في النكاح. وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً عن الحرام حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ويوسّع عليهم من رزقه. وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ أي المكاتبة وهي أن يقول الرجل لعبده أو أمته: قد كاتبتك على أن تعطيني كذا وكذا في نجوم معلومة على أنّك إذا أدّيت ذلك فأنت حرّ، فيرضى العبد بذلك فإن أدّى مال الكتابة بالنجوم التي سمّاها كان حرّا، وإن عجز عن أداء ذلك كان لمولاه أن يردّه الى الرّقّ كما قال ﷺ‎: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» [[المصنّف- الكوفي-: 5/ 66.]] [55] . وأصل الكلمة من الكتب وهو الضمّ والجمع، ومنه الكتيبة وكتب البغل وكتب الكتاب، فسمّي المكاتب مكاتبا لأنه يضم نجوم مال الكتابة بعضها إلى بعض. مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ اختلف الفقهاء في حكم هذه الآية فقال قوم: هو أمر حتم وإيجاب فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم منه خيرا إذا سأله ذلك بقيمته وأكثر ولو كان بدون قيمته لم يلزمه، وهو قول عمرو بن دينار وعطاء، وإليه ذهب داود بن علي ومحمد ابن جرير من الفقهاء وهي رواية العوفي عن ابن عباس، واحتجّ من نصر هذا المذهب بما روى قتادة أن سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه فتلكأ عليه، فشكاه الى عمر فعلاه بالدّرة وأمره بالكتابة، واحتجّوا أيضا بأن هذه الآية نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزّى يقال له صبح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين فأدّاها وقتل يوم حنين في الحرب. وروى عن عمر أنّه قال: هي عزمة من عزمات الله، من سأل الكتابة كوتب. وقال الآخرون: هو أمر ندب واستحباب، ولا يلزم السيّد مكاتبة عبده سواء بذل له قيمته أو أكثر منها أو أقل، وهو قول الشعبي والحسن البصري، وإليه ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وسائر الفقهاء. وأمّا قوله سبحانه إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً فاختلفوا فيه، فقال ابن عمر وابن زيد ومالك بن أنس: يعني قوّة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتب عليه، وإليه ذهب الثوري. وروى الوالبي عن ابن عباس قال: إن علمت أنّ لهم حيلة ولا يلقون مؤونتهم على المسلمين. وقال الحسن ومجاهد والضحاك: مالا، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، واستدلّوا بقوله إِنْ تَرَكَ خَيْراً [[سورة البقرة: 180.]] . قال الخليل: لو أراد المال لقال: إن علمتم لهم خيرا. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا هارون بن محمد قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى الحماني قال: حدّثنا أبو خالد الأحمر عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي ليلى الكندي عن سلمان قال: قال له عبد: كاتبني، قال: لك مال؟ قال: لا، قال: تطعمني أوساخ الناس فأبى عليه، وقال إبراهيم وعبيدة وأبو صالح وابن زيد: يعني صدقا ووفاء وأمانة، وقال طاوس وعمرو بن دينار: مالا وأمانة. وقال الشافعي: أظهر معاني الخير في هذه الآية الاكتساب مع الأمانة، فأحبّ أن لا يمتنع من مكاتبته إذا كان هكذا. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة [[في النسخة الثانية: أخبرني ابن فنجويه عن عبد الله بن محمد بن شنبة.]] قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن عبد العزيز العثماني وأبو النضر إسحاق بن إبراهيم قال: حدّثنا يحيى بن حمزة قال: أخبرني محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «ثلاثة حق على الله عونهم: رجل خرج في سبيل الله سبحانه، ورجل تزوّج التماس الغنى عما حرّم الله عزّ وجلّ، ورجل كاتب التماس الأداء» [[المصنّف: 5/ 259- الصنعاني- بتفاوت.]] [56] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى الحماني قال: حدّثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة في قوله سبحانه إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً قال: إن أقاموا الصلاة. وقيل: هو أن يكون المكاتب بالغا عاقلا فأمّا المجنون والصبي فلا يصحّ كتابتهما لأنّهما ليسا من أهل الابتغاء، ولأنّ النبي ﷺ‎ قال: «رفع القلم عن ثلاث» الحديث [57] [[مسند أحمد: 6/ 100.]] . وقال أبو حنيفة: يصحّ كتابة الصبي إذا كان مراهقا مميّزا بناء على أصله إذا كان مراهقا كيّسا حرا فأذن له وليّه في التّصرف نفذ تصرّفه، كذلك السيّد مع عبده إذا كاتبه فقد أذن له في التصرّف فصحّت كتابته. واختلف الفقهاء في مال الكتابة، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: تصح الكتابة حالّة ومؤجلة لأنّ الله سبحانه قال فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ولم يشترط فيه أجلا ولأنّه عقد على عين فصحّ حالّا ومؤجّلا كالبيع. وقال الشافعي: لا تصحّ الكتابة حالّة وإنّما تصحّ إذا كانت مؤجّلة، وأقلّه نجمان. وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ اختلفوا فيه فقال بعضهم: الخطاب للموالي وهو أن يحطّ له من مال كتابته شيئا، ثم اختلفوا في ذلك الشيء فقال قوم: هو ربع المال وهو قول علىّ، وإليه ذهب الثوري. روى شعبة عن عبد الأعلى عن أبي عبد الرّحمن السلمي أنّه كاتب غلاما له على ألف ومائتين وترك الربع وأشهدني ثم قال لي: كان صديقك يفعل هذا، يعني عليّا كرم الله وجهه ، وقد روى ذلك مرفوعا. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش المقري قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن موسى قال: حدّثنا يوسف بن سعيد بن مسلم قال: حدّثنا حجاج عن ابن جريج عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن حبيب يعني أبا عبد الرّحمن السلمي عن علي عن النبي ﷺ‎ وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ قال: «ربع المكاتبة» [[السنن الكبرى- البيهقي.: 10/ 329.]] [58] . وقال آخرون: ليس فيه حدّ إنّما هو إليه، يحطّ عنه من مال كتابته شيئا. روى أسباط عن السدّي عن أبيه قال: كاتبتني زينب بنت قيس بن مخرمة وكانت قد صلّت مع رسول الله ﷺ‎ القبلتين جميعا على عشرة آلاف فتركت لي ألفا، وروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد مولى ابن أسيد قال: كاتبني أبو أسيد على ثنتي عشرة مائة فجئته بها فأخذ منها ألفا وردّ علىّ مائتين. وقال نافع: كاتب عبد الله بن عمر غلاما له يقال له شرقي على خمسة وثلاثين ألف درهم فوضع من آخر كتابته خمسه آلاف درهم. قال سعيد بن جبير: وكان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أوّل نجومه مخافة أن يعجز فيرجع إليه صدقته، ولكنّه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحبّ، وعلى هذا القول قوله وَآتُوهُمْ أمر استحباب. وقال بعضهم: معناه وآتوهم سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات بقوله وَفِي الرِّقابِ [[سورة التوبة: 60.]] وهو قول الحسن وزيد بن أسلم وابنه وعلى هذا التأويل هو أمر إيجاب. وقال بريدة وإبراهيم: هو حثّ لجميع الناس على معونتهم. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة [[في النسخة الثانية: عبد الله بن محمد بن شنبة.]] قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد قال: حدّثني زهير عن عبد الله بن محمد ابن عقيل عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن النبي ﷺ‎ قال: «من أعان مكاتبا في رقبته أو غازيا في عسرته أو مجاهدا في سبيله أظله الله سبحانه في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه» [[أحكام القرآن- الجصّاص-: 3/ 162.]] [59] . وأخبرني ابن فنجوية قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا علي بن أحمد الواسطي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور عن عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرّحمن الدالاني عن خارجة بن هلال عن أبي سعيد ورافع بن خديج وابن عمر قالوا: جاءنا غلام لعثمان رضي الله عنه يقال له كيّس فقال: قوموا إلى أمير المؤمنين فكلّموه أن يكاتبني [[في النسخة الثانية زيادة: فدخلنا على عثمان.]] فقلنا له: إنّ غلامك هذا سألنا أن تكاتبه فقال: أخذته بخمسين ومائة يجيء بها وهو حر، قال: فخرجنا فأعانه كل رجل منّا بشيء [[في النسخة الثانية زيادة: فذهب فلم يلبث أن جاء فقال: قوموا معي فقمنا معه فدخلنا ثم قال:....]] قال: كونوا بالباب ثم قال: يا كيّس تذكر يوم عركت أذنك، قلت: بلى يا سيّدي، قال: ألم أنهك أن تقول يا سيدي؟ قال: فلم يزل بي حتى ذكرت، قال: قم فخذ بأذني قال: فأبيت فلم يزل بي حتى قمت فأخذت بأذنه فعركتها وهو يقول: شدّ شدّ حتى إذا رآني قد بلغت ما بلغ منّي قال: حسبك ثم قال: واها للقضاء في الدنيا، أخرج فأنت حرّ وما معك لك. وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ الآية. نزلت في معاذة ومسيكة جاريتي عبد الله بن أبي المنافق، كان يكرههما على الزنا بضريبة يأخذ منهما وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، يؤاجرون إماءهم، فلمّا جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرّا فقد آن لنا أن ندعه، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في ستّ جوار لعبد الله بن أبىّ كان يكرههنّ على الزنا ويأخذ أجورهن وهنّ معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، فجاءته إحداهنّ ذات يوم بدينار وجاءت أخرى ببرد فقال لهما: ارجعا فازنيا فقالتا: والله لا نفعل قد جاءنا الله بالإسلام وحرّم الزنا، فأتتا رسول الله ﷺ‎ وشكتا إليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وروى معمر عن الزهري أنّ عبد الله بن أبي أسر رجلا من قريش يوم بدر، وكان لعبد الله جارية يقال لها معاذة فكان القرشي الأسير يريدها على نفسها وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه وكان ابن أبىّ يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولده، فأنزل الله سبحانه وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ إماءكم عَلَى الْبِغاءِ أي الزنا. إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً يعني إذ وليس معناه الشرط لأنه لا يجوز إكراههنّ على الزنا إن لم يردن تحصّنا، ونظيره قوله سبحانه وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [[سورة البقرة: 278.]] وقوله وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [[سورة آل عمران: 139.]] أي إذ، وقوله لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [[سورة الفتح: 27.]] يعني إذ شاء الله والتحصّن: التعفّف. وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها (وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصّنا) ثم قال (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههنّ) بعد ورود النهي فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ لهنّ غَفُورٌ رَحِيمٌ والوزر على المكره، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: لهنّ والله لهن. وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا خبرا وعبرة مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب