الباحث القرآني

وَدَخَلَ يعني موسى الْمَدِينَةَ قال السدي: يعني مدينة منف [[قيل هي مدينة عين الشمس في منتهى جبل المقطم وقيل غير ذلك راجع تاج العروس: 6/ 250.]] من أرض مصر [[راجع تفسير الطبري: 20/ 53.]] ، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى خانين على رأس فرسخين من مصر. عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقال غيره: نصف النهار عند القائلة، واختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت، فقال السدّي: كان موسى (عليه السلام) حين أمر بركب مراكب فرعون وبلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب [[في نسخة أصفهان: ركب فركب في أثره.]] مركبا وليس عنده موسى (عليه السلام) ، فلمّا جاء موسى قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار وقد تقلّبت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو الذي يقول الله سبحانه: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن إسحاق: كانت لموسى من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه [[في نسخة أصفهان: به.]] ويقتدون به ويجتمعون إليه، فلمّا اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه وتكلّم وعادى وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية إلّا خائفا مستخفيا، فدخلها يوما عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن زيد: لمّا علا موسى فرعون بالعصا في صغره قال فرعون: هذا عدونا الذي قتلت فيه بني إسرائيل، فقالت امرأته: لا بل هو صغير، ثم دعت بالجمر والجوهر، فلمّا أخذ موسى الجمرة وطرحها في فيه حتى صارت عقدة في لسانه، ترك فرعون قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلّا بعد أن كبر وبلغ أشدّه، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها عن موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به. وقال علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» : في قوله: حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم [[زاد المسير: 6/ 91.]] ، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ من أهل دينه من بني إسرائيل، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ من مخالفيه من القبط، قال المفسرون: الذي هو مِنْ شِيعَتِهِ هو السامري، والَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ طباخ فرعون واسمه فليثون. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: اسمه فاثون وكان خباز فرعون، قالوا: يسخّره لحمل الحطب إلى المطبخ، روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا بلغ موسى أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنّه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلّا إنّما ذلك من قبل الرضاعة من أمّ موسى، فقال للفرعوني، خلّ سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك. وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، فَوَكَزَهُ مُوسى بجمع كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر: أيقايسون [[في نسخة أصفهان: أيناشون.]] وقد رأوا حفاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأشجع [[لسان العرب: 2/ 138.]] أي قتله. فلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه] في الرمل] قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بالمغفرة فلم تعاقبني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً عونا ونصيرا لِلْمُجْرِمِينَ قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة، أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: أخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا [ترزأ] شيئا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وبه عن عبد [[في نسخة أصفهان: عبد الحميد.]] الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخا يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه كان ذلك غنى وإن تركه احتاج، وصار عليه دين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ، فلا يعينهم فإن الله تعالى سيغنيه. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً من قتله القبطي أن يؤخذ فيقتل به، يَتَرَقَّبُ ينتظر الأخبار، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني فلان: يا صاحبا. قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون [و] لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه. وقيل: إنّما قال للفرعوني: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب وأليق بنظم الآية. قال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أراده] ، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، ف قالَ: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ بالقتل ظلما، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون، فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال. قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقا قريبا] وسبقهم فأخبره وأنذره] حتى أخذ طريقا آخر فذلك قوله: وَجاءَ رَجُلٌ واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل: شمعان [[في نسخة أصفهان: سمعان.]] . مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا نظيره قوله عز وجل: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ، وقال النمر بن تغلب: أرى الناس قد أحدثوا سمة ... وفي كلّ حادثة يؤتمر فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ موسى مِنْها أي من مدينة فرعون خائِفاً يَتَرَقَّبُ ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي نحوها وقصدها ماضيا لها، خارجا عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر: رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا ... والعصم من شغف العقول القادر [[تاج العروس: 1/ 281.]] وهو مدين بن إبراهيم نسبت البلدة إليه [[في المخطوط: نسب البلدة إليها.]] كما نسبت مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحوا من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلّا ورق الشجر، قال ابن جبير: خرج من مصر حافيا، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب