الباحث القرآني

وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ الجدال: فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج فيه، وأصله شدة الفتل ومنه قيل للصقر: أجدل لشدة فتل بدنه وقوة خلقه، وقيل: الجدال من الجدالة وهو أن يروم كل واحد من الخصمين قهر صاحبه وصرعه على الجدالة وهي الأرض. إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ألطف وأرفق، وهو الجميل من القول والدعاء إلى الله والبينة على آيات الله وحججه. إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال مجاهد: يعني إن قالوا شرا فقولوا خيرا إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب، فأولئك انتصروا منهم وجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يقرّوا بالجزية. قال سعيد بن جبير: هم أهل الحرب من لا عهد لهم فجادلوهم بالسيف. ابن زيد: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم. ومجاز الآية: إلّا الذين ظلموكم لأنّ جميعهم ظالم. وقال قتادة ومقاتل: هذه الآية منسوخة بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [[سورة التوبة: 29.]] ... الآية. وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني ابن أبي نملة الأنصاري: إنّ أبا نملة أخبره واسمه [عمّار] [[في اسد الغابة (5/ 313 عمار بن معان بن زرارة وقيل: عمر.]] إنّه بينما هو عند رسول الله ﷺ‎ جالس جاءه رجل من اليهود ومر بجنازة. فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ‎: «الله أعلم» ، فقال اليهودي: إنّها تتكلم. فقال رسول الله ﷺ‎: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوهم وإن كان حقا لم تكذبوهم» [158] [[مسند أحمد: 4/ 136.]] . وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، فيفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ‎: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ... الآية» [159] [[السنن الكبرى: 6/ 426.]] . وروى سفيان ومسعود، عن سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار قال: بينما رجل من أهل الكتاب يحدث أصحابه وهم يسبّحون كلما ذكر شيئا من أمرهم، قال: فأتوا رسول الله (عليه السلام) فأخبروه، فقال: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ولكن قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [[الدرّ المنثور: 5/ 147، جامع البيان للطبري: 21/ 6.]] [160] . وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وَكَذلِكَ أي وكما أنزلنا الكتاب عليهم. أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني مؤمني أهل الكتاب- عبد الله بن سلام وأصحابه. وَمِنْ [[في نسخة أصفهان: ومن هؤلاء يعني أهل مكة من يؤمن به وهم مؤمنوا أهل مكة، وقال محمد بن جرير في (فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) ممن كان قبلك يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ ... إلخ.]] هؤُلاءِ الذين هم بين ظهرانيك اليوم من يؤمن به وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ قال قتادة: إنّما يكون الجحود بعد المعرفة. وَما كُنْتَ تَتْلُوا يا محمد مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل هذا الكتاب الذي أنزلنا عليك مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ تكتبه بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ يعني: لو كنت تكتب أو تقرأ الكتب قبل الوحي إذا لشك المبطلون- أي المشركون- من أهل مكة وقالوا: هذا شيء تعلّمه محمد وكتبه، قاله قتادة. وقال مقاتل: الْمُبْطِلُونَ هم اليهود، ومعنى الآية: إذا لشكّوا فيك واتهموك يا محمد، وقالوا: إنّ الذي نجد نعته في التوراة هو أمي لا يقرأ ولا يكتب. بَلْ هُوَ يعني القرآن آياتٌ بَيِّناتٌ عن الحسن، وقال ابن عباس وقتادة: بل هو يعني محمد ﷺ‎ والعلم بأنّه [[في نسخة أصفهان: لأنه.]] أمي آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ [[في نسخة أصفهان: الذين أوتوا العلم.]] أهل العلم من أهل الكتاب يجدونها [[في نسخة ثانية: تجدونها في كتابهم.]] في كتبهم. ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود وابن السميقع بل هي آيات. وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ. وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ كما أنزل على الأنبياء قبلك، قرأ ابن كثير والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأيوب وعاصم برواية أبي بكر آية على الواحد، الباقون آياتٌ بالجمع واختاره أبو عبيد لقوله: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ حتى إذا شاء أرسلها، وليست عندي ولا بيدي. وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هذا جواب لقولهم لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ، وروى حجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة أنّ أناسا من المسلمين أتوا نبي الله (عليه السلام) بكتب قد كتبوها فيها بعض ما يقول اليهود فلما أن نظر فيها ألقاها ثم قال: «كفى بها حماقة قوم- أو ضلالة قوم- أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم إلى قوم غيرهم» [[جامع البيان للطبري: 21/ 10.]] [161] ، فنزلت أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ ... الآية. قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً أني رسوله، وأن هذا القرآن كتابه. يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ نزلت في النضر بن الحارث [[في نسخة أصفهان: الحرث.]] حين قال: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ وقال: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ... وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى في نزول العذاب، وقال ابن عباس: يعني ما وعدتك أن لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة، بيانه قوله: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ [[سورة القمر: 46.]] ... الآية، وقال الضحاك: يعني مدة أعمارهم في الدنيا. وقيل: يوم بدر. لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ يعني العذاب وقيل: الأجل بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ لا يبقى منهم أحد إلّا دخلها، وقيل: هو متصل بقوله: يَوْمَ يَغْشاهُمُ يصيبهم الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني: إذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنّم. وَيَقُولُ بالياء كوفي ونافع وأيوب، غيرهم بالنون ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب