الباحث القرآني

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، وإنما خص الأولاد لأنهم أقرب الأنساب إليه وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ، إنما جعلهم من أصحابها لأنهم من أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها كصاحب الرجل الذي لا يفارقه، وقرينه الذي لا يزايله. يدل عليه قوله: هُمْ فِيها خالِدُونَ. َلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا ، قال يمان: يعني نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدر وأحد على عداوة الرسول ﷺ‎. مقاتل: يعني نفقة سفلة اليهود على علمائهم ورؤسائهم كعب وأصحابه. مجاهد: يعني جميع نفقات الكفار في الدنيا وصدقاتهم. وضرب الله مثلا فقال مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ ، قال ابن عباس: يعني السموم الحارة التي تقتل، ومنه خلق الله الجان. ابن كيسان: الصر ريح فيها صوت ونار. سائر المفسرين: برد شديد. ابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ : زرع قوم لَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعصية ومنع حق الله عز وجل أَهْلَكَتْهُ . ومعنى الآية: مثل نفقات الكفار في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها وقت حاجتهم إليها بعد ما كانوا يرجون من عائدة نفعها كمثل زرع أصابه ريح بارد أو نار فأحرقته وأهلكته، فلن ينتفع أصحابه منه بشيء بعد ما كانوا يرجون من عائدها نفعه، قال الله تعالى: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالكفر والمعصية ومنع حق الله. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ. الآية. عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ‎ في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ قال: «هم الخوارج» [108] [[تفسير القرطبي: 4/ 179.]] . قال ابن عباس: كان رجل من المسلمين يواصل رجالا من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم. مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصادفون المنافقين ويخالطونهم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ: أولياء وأصفياء من غير أهل ملّتكم. والبطانة: مصدر يوضع موضع الاسم فسمي بها الواحد والاثنان والجميع والمذكر والمؤنث، قال الشاعر: أولئك خلصائي نعم وبطانتي ... وهم عيبتي من دون كلّ قريب وإنّما ما قيل لخليل الرجل: بطانة تشبيها لما ولي بطنه من ثيابه لحلوله منه في اطّلاعه من أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه محل ما ولي جسده من ثيابه. ثم ذكر العلة في النهي عن مباطنتهم وعرفهم ما هم منطوون عليه من الغش والخيانة والبغي والغوائل فقال عز من قائل: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا، أي لا يقصّرون ولا يتركون عهدهم وطاقتهم فيما يورّثكم فوق الشر والفساد. يقال: ما ألوته خيرا أو شرا أي ما قصرت في فعل ذلك. ومنه قول ابن مسعود في عثمان: ولم تأل عن خير لأخرى باديه [[كلمات غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] وقال امرؤ القيس: وما المرء مادامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل [[لسان العرب: 6/ 284.]] أي مقصّر في الطلب. الخبال: الشر والفساد، قال الله تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا [[التوبة: 47.]] ونصب خَبالًا على المفعول الثاني لأن الإلو تتعدى إلى مفعولين. وإن شئت: المصدر، أي يخبلونكم خبالا. وإن شئت بنزع الخافض، أي بالخبال، كما يقال أوجعته ضربا أي بالضرب وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي تمنوا ضرّكم وشركم وإثمكم وهلاككم. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ قراءة العامة بالتاء لتأنيث البغضاء. ومعنى الآية قد ظهرت امارة العداوة مِنْ أَفْواهِهِمْ بالشتيمة والوقيعة في المسلمين. وقيل: باطلاع المشركين على أسرار المؤمنين. وقيل: هو مثل قوله: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [[محمّد: 30.]] . وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ من العداوة والخيانة أَكْبَرُ أعظم، قد بينا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عن الأزهر بن راشد قال: كان أنس بن مالك يحدّث أصحابه، فإذا حدّثهم بحديث لا يدرون ما هو أتوا الحسن يفسّره لهم، فحدثهم ذات يوم وقال: قال رسول الله ﷺ‎: «لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا» [109] [[مسند أحمد: 3/ 99.]] . فأتوا الحسن فأخبروه بذلك، فقال: إنّما [[كذا في المخطوط، والظاهر أنّها: أمّا.]] قوله: «لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا» ، فإنه يقول: لا تنقشوا في خواتيمكم محمدا. وأما قوله: «لا تستضيئوا بنور [[مرّت في أوّل الحديث بلفظ: بنار.]] المشركين» ، فإنّه يقول لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم. وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ الآية. وقال عياض الأشعري: وفد أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب، فقال: إن عندنا كاتبا حافظا نصرانيا من حاله كذا وكذا. فقال: ما لك قاتلك الله؟ أما سمعت قول الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ الآية، وقوله لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [[المائدة: 51.]] ؟ هلا اتخذت حنيفيّا! قال: قلت: له دينه ولي ديني، ولي كتابته، لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلّهم الله ولا أدنيهم إذ قصاهم الله [[راجع تفسير القرطبي: 4/ 179.]] . ها أَنْتُمْ أُولاءِ، ... ها تنبيه، وأَنْتُمْ كناية للمخاطبين من الذكور، أُولاءِ اسم الجمع المشار إليه تُحِبُّونَهُمْ خبر عنهم. ومعنى الآية: أنتم أيها المؤمنون تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من المصاهرة والمحالفة والرضاع والقرابة والجوار، وَلا يُحِبُّونَكُمْ هم لما بينكم من مخالفة الدين. هذا قول أكثر المفسرين. وقال المفضل: معنى يُحِبُّونَهُمْ تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء، ولا تبخلون عليهم بدعائهم إلى الجنة، وَلا يُحِبُّونَكُمْ هم لأنهم يريدونكم على الكفر وهو الهلاك. أبو العالية ومقاتل: هم المنافقون يحبهم المؤمنون بما أظهروا من الإيمان ولا يعلمون ما في قلوبهم. قتادة: في هذه الآية والله إنّ المؤمن ليحب المنافق ويلوي إليه ويرحمه، ولو أنّ المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه لأباد خضراءه [[تفسير الطبري: 4/ 87.]] . وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ يعني بالكتب كلها ولا يؤمنون هم بكتابكم، ف إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا وكان بعضهم مع بعض عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ يعني أطراف الأصابع، واحدتها أنملة وأنملة. بضم الميم وفتحها. مِنَ الْغَيْظِ والحنق لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم. وهذا من مجاز الأمثال وإن لم يكن ثم عضّ، قال الشاعر: إذا رأوني أطال الله غيظهم ... عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم [[لسان العرب: 12/ 59.]] وقال أبو طالب: وقد صالحوا قوما علينا أشحّة ... يعضّون غيضا خلفنا بالأنامل قال الله تعالى: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، إن قيل: كيف لا يموتون والله تعالى إذا قال لشيء كن فيكون؟ فالجواب: أن المراد ابقوا بغيضكم إلى الممات فإن مناكم عن الاسعاف محجوبة. وقال محمد بن جرير: خرج هذا الكلام مخرج الأمر وهو دعاء أمر الله تعالى نبيه ﷺ‎ أنه يدعو عليهم بالهلاك كمدا ممّا بهم من الغيظ، قل يا محمد: اهلكوا بغيظكم [[جامع البيان للطبري: 4/ 89.]] : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بما في القلوب من خير وشر. روى عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال: ذكر أصحاب الأهواء فقال والذي نفسي بيده لئن تمتلئ داري قردة وخنازير أحب إليّ من أن يجاورني رجل منهم [[الطبقات الكبرى: 7/ 224.]] . يعني صاحب هوى، ولقد دخلوا في هذه الآية: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ الآية. إِنْ تَمْسَسْكُمْ، قرأ السلمي بالياء. الباقون بالتاء. يعني: إن تصبكم أيها المؤمنون حَسَنَةٌ بظفركم على عدوكم وغنيمة تنالونها منهم وتتابع من الناس في الدخول في دينكم وخفض في معاشكم تَسُؤْهُمْ: تحزنهم وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ مساءة بإخفاق سريّة لكم، أو إصابة عدوّ فيكم أو اختلاف يكون منكم [[تفسير الطبري: 4/ 90.]] ، أو حدث ونكبة يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا على أذاهم وَتَتَّقُوا وتخافوا ربّكم لا يَضُرُّكُمْ: لا ينقصكم كَيْدُهُمْ شيئا. واختلفت القراءة فيه فقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: لا يَضِرُكُمْ. بكسر الضاد [وراء] خفيفة. واختاره أبو حاتم، يقال: ضار يضير ضيرا مثل باع يبيع بيعا، ودليله في القرآن: لا ضَيْرَ [[الشعراء: 50.]] . وهو جزم على جواب الجزاء. وقرأ الضحاك بضم الضاد وجزم الراء خفيفة من (ضار يضور) ، وذكر الفرّاء عن الكسائي أنه سمع بعض أهل العالية يقول: لا ينفعني ذلك ولا يضورني. وقرأ الباقون: بضم [الضاد، والراء] [[في المخطوط: الراء والضاد.]] مشددة، واختاره. وهو من (ضرّ يضرّ ضرا) ، مثل (ردّ يرد ردّا) . وفي رائه وجهان: أحدهما: أنه أراد الجزم وأصله لا يضرركم فأدغمت الراء في الراء، ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الراء الأخيرة اتباعا لأقرب الحركات إليها وهي الضاد طلبا للمشاكلة كقولهم: مرّ يا هذا. والوجه الثاني: أن يكون (لا) بمعنى ليس ويضمر الفاء فيه، تقديره: وإن تصبروا وتتّقوا فليس يضركم. قاله الفرّاء وأنشد: فإن كان لا يرضيك حتى تردني ... إلى قطري لا إخالك راضيا [[التبيان في تفسير القرآن: 2/ 575.]] إن الله بما تعملون قرأ الأعمش والحسن: بالتاء. الباقون بالياء مُحِيطٌ عالم. وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ. الآية. نظم الآية: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ولكن الله تعالى ينصركم عليهم كما نصركم بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، وإن أنتم لم تصبروا على أمري ولم تتقوا نهيي، فإنه نازل بكم ما نزل بكم يوم أحد حيث خالفتم أمر الرسول ولم تصبروا، فاذكروا ذلك اليوم أو غدا بينكم تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ واختلفوا في هذا اليوم الذي عنى الله تعالى بقوله: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ فقال الحسن: هو يوم بدر. وقال مقاتل: هو الأحزاب. وقال سائر المفسرين: هو أحد، وهو أثبت. يدل عليه قوله في عقبه: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وهذا إنما كان يوم أحد. قال مجاهد والكلبي والواقدي: غدا رسول الله ﷺ‎ من منزل عائشة فمشى على رجليه إلى أحد، فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدرا خارجا قال: «تأخر» . وذلك أن المشركين نزلوا بأحد. على ما ذكر محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما. يوم الأربعاء، فلما سمع رسول الله ﷺ‎ بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول. ولم يدعه قط قبلها. واستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلّا أصاب منّا، ولا دخلها علينا إلّا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟ فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، فإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا. فأعجب رسول الله بهذا الرأي. وقال بعض أصحابه: يا رسول الله أخرج بنا إلى هذه الأكلب لا يرون إنا جبنّا عنهم وضعفنا. فأتى النعمان بن مالك الأنصاري فقال: يا رسول الله لا تحرمني الجنة فو الذي بعثك بالحق لأدخلنّ الجنة. فقال: «بما؟» . فقال: بأني أشهد أن لا إله إلّا الله، وأني لا أفر من الزحف، قال: «صدقت» . فقتل يومئذ، فقال رسول الله ﷺ‎: «قد رأيت في منامي بقرا فأوّلتها خيرا، ورأيت في ذباب [[في بعض المصادر: ذؤابة سيفي. راجع البداية والنهاية: 4/ 13 الهامش.]] سيفي ثلما فأوّلتها هزيمة ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأوّلتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا المدينة علينا قاتلناهم فيها» [110] [[تفسير الطبري: 4/ 94. 95.]] . وكان رسول الله ﷺ‎ يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة [فيقاتل] [[في مصوّرة المخطوط: فيقال.]] في الأزقة فقال رجال من المسلمين ممن كان ذا سهم يوم بدر، وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا. فلم يزالوا برسول الله من حبهم للقاء القوم حتى دخل رسول الله ﷺ‎، فلبس لامته فلما رأوه لبس السلاح ندموا وقالوا: بئسما صنعنا نشير على رسول الله ﷺ‎ والوحي يأتيه؟ فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت. فقال ﷺ‎: « [إنه ليس لنبي] [[من مجمع الزوائد، وفي مصوّرة المخطوط علامة سقط لكن لم يشر إليه في الهامش.]] أن يلبس [لامته] [[من مجمع الزوائد، وفي المخطوط: لامتها.]] أن يضعها حتى يقاتل» [111] [[مجمع الزوائد: 6/ 107.]] . وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس، فراح رسول الله ﷺ‎ بعد يوم الجمعة بعد ما صلّى بأصحابه الجمعة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلّى عليه رسول الله ﷺ‎ ثم خرج إليهم فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكان من أمر حرب أحد ما كان، فذلك قوله: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ ، قرأ يحيى بن ثاب: (تبوي) المؤمنين خفيفة غير مهموزة من (أبوى يبوي) مثل (أروى يروي) . وقرأ الباقون: مهموزة مشددة يقال: بوأت تبوئة، وأبويتهم إبواء، إذا أوطنتهم، وتبوّءوا إذا تواطنوا، قال الله تعالى أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً [[يونس: 87.]] ، وقال وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ. والتشديد أفصح وأشهر، وتصديقه قوله تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [[يونس: 93.]] ، وقال لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً [[العنكبوت: 58.]] . وقرأ ابن مسعود: تبوئ للمؤمنين. مَقاعِدَ لِلْقِتالِ، أي مواطن وأماكن، قال الله تعالى فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ [[القمر: 55.]] ، وقال: أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ [[الجن: 9.]] . وقرأ أشهب: (مقاعد للقتال) . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا: تجبنا وتضعفا وتتخلّفا عن رسول الله ﷺ‎، وهم بنو أسامة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر، وذلك أنّ رسول الله ﷺ‎ خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: تسعمائة وتسعين رجلا، وقال الزجاج: كان أصحاب رسول الله ﷺ‎ في أحد وقت القتال ثلاثة آلاف، فخرج رسول الله ﷺ‎ إلى أحد وقد وعد أصحابه الفتح إن صبروا، فلما بلغوا الشوط انخزل عبد الله بن أبيّ الخزرجي ثلث الناس فرجع في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم الله في نبيكم وفي أنفسكم. فقال عبد الله بن أبي: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ. وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا، ومضوا مع رسول الله ﷺ‎، فذكرهم الله عظيم نعمته بعصمته فقال: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ناصرهما وحافظهما. وقرأ ابن مسعود: (والله وليهم) لأنّ الطائفتين جمع، كقوله هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [[الحجّ: 19.]] . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وقال جابر بن عبد الله: ما يسرنا أنالهم نهمّ بالذي هممنا، وقد أخبرنا الله أنه ولينا. وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ قال الشعبي: كانت بدر بئر رجل يقال له بدر فسميت باسم صاحبها. قال الواقدي: ذكرت قول [الشعبي] [[في المخطوط: الشافعي.]] لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأنكراه وقالا: فلأي شيء سميت الصفراء؟ ولأي شيء سميت الجار؟ هذا ليس بشيء، إنما هو اسم الموضع. قال: وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاري فقال: سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون هو ماؤنا ومنزلنا، وما ملكه قط أحد غيرنا، وما هو وهؤلاء من بلاد جهينة، إنما هو من بلاد غفارة [[تفسير الطبري: 4/ 99.]] . التقى رسول الله ﷺ‎ والمشركون بها، وكان أول قتال قاتل فيه نبي الله ﷺ‎. وقال الضحاك: بدر ماء بمنى على طريق مكة بين مكة والمدينة. وقد مدحت القول في غزوات رسول الله ﷺ‎ وسراياه وجيزا مجملا فإنّه باب يعظم نفعه وبالله التوفيق. ذكر مغازي رسول الله ﷺ‎ جميع ما غزا رسول الله ﷺ‎ بنفسه ستّ وعشرون غزوة، فأول غزوة غزاها غزوة ودّان، وهي غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط إلى ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى بطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى التي قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ماء لبني سليم، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم غزوة ذي أمر وهي غزوة غطفان إلى نجد، ثم غزوة نجران: موضع بالحجاز فوق الفرع، ثم غزوة أحد ثم غزوة الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نجد، ثم غزوة بدر الأخيرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان، ثم غزوة بني قردة، ثم غزوة بني المصطلق من بني خزاعة لقي فيها، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة الفتح: فتح مكة، ثم غزوة حنين لقي فيها، ثم غزوة الطائف حاصر فيها، ثم غزوة تبوك. قاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر الكبرى، وهو يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وأحد في شوال سنة ثلاث، والخندق، وبني قريظة في شوال سنة أربع، وبني المصطلق، وبني لحيان في شعبان سنة خمس، وخيبر سنة ست، والفتح في رمضان سنة ثمان، وحنين في شوال سنة ثمان. فأوّل غزوة غزاها بنفسه وقاتل فيها بدر وآخرها تبوك. ذكر سراياه ﷺ‎ روي عن مقسم قال: كانت السرايا ستّا وثلاثين، وهي غزوة عبيدة بن الحارث إلى حنا من أسفل ثنية المرة وهو ما بالحجارة [[كذا في المخطوط.]] ، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر من ناحية الفائض. وبعض الناس يقدم غزوة حمزة على غزوة عبيدة. وغزوة سعد بن أبي وقاص إلى الخرار [[الخرار: آبار عن يسار الحجّة قريب من خم. الطبقات الكبرى: 2/ 5.]] من أرض الحجاز، ثم غزوة عبد الله بن جحش إلى نخلة، وغزوة زيد بن حارثة القردة ماء من مياه نجد، وغزوة مرثد بن أبي مرثد الغنوي الرجيع لقوا فيها، وغزوة منذر بن عمرو بئر معونة لقوا فيها، وغزوة أبي عبيدة الجراح إلى ذي القصة من طريق العراق، وغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بني عامر، وغزوة علي بن أبي طالب اليمن، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث الكديد لقوا فيها الملوح، وغزوة علي بن أبي طالب إلى أبي عبد الله بن سعد من أهل فدك، وغزوة ابن أبي العوجاء السلمي أرض بني سليم أصيب بها هو وأصحابه جميعا، وغزوة عكاشة بن محصن العمرة، وغزوة أبي سلمة بن عبد الأسد قطن ماء من مياه بني أسد من ناحية نجد لقوا فيها فقتل فيها مسعود بن عروة، وغزوة محمد بن مسلمة أخي بني حارثة إلى القرطاء موضع من هوازن، وغزوة بشير بن سعد بن كعب بن مرة لفدك، وغزوة بشير بن سعد أيضا إلى حيان بلد من أرض خيبر، وغزوة زيد بن حارثة الجموم من أرض بني سليم، وغزوة زيد أيضا جذام من أرض حسمي لقوا فيها، وغزوة زيد أيضا إلى طرف من ناحية نخل من طريق العراق، وغزوة زيد أيضا وادي القرى لقي بني فزارة، وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين إحداهما التي أصاب فيها بشرا [[كذا في المخطوط، والظاهر أنّه (أسير) .]] اليهودي، وغزوة عبد الله بن عتيك إلى حنين فأصاب بها أبا رافع بن أبي الحقيق. وكان رسول الله ﷺ‎ بعث محمد بن مسلمة وأصحابه فيها من أحد وبدر إلى كعب بن الأشرف فقتلوه، وبعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي وهو بنخلة لرسول الله ﷺ‎ ليغزوه فقتله، وغزوة الأمراء: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام فأصيبوا بها، وغزوة كعب بن عمرو الغفاري ذات الطلاح من أرض الشام فأصيب بها هو وأصحابه جميعا، وغزوة عيينة بن حذيفة بن بدر الفزاري العنبر من بني تميم، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث أرض بني مرة فأصاب بها مرداس بن نهيك وحليفا لهم من جهينة، قتله أسامة بن زيد، وهو الذي قال النبي ﷺ‎ لأسامة فيه: «من لك؟ من لك لا إله إلّا الله؟» [112] . وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بلي [[بلي: قبيلة ينسبون إلى أبي بلي، وهو جدّ عمر بن شاس. الأنساب (السمعاني) : 1/ 396.]] وعذرة وغزوة، [أبي قتادة] [[كلمة غير مقروءة، وما أثبتناه من المغازي: 2/ 796.]] وأصحابه إلى بطن إضم قبل الفتح لقوا فيها، وغزوة الخيط إلى سيف البحر وعليهم أبو عبيدة الجراح وغزوة عبد الرحمن بن عوف. وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ: جمع ذليل مثل عزيز وأعزة ولبيب وألبّة. وأراد هاهنا قلّة العدد، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ واختلفوا في هذه الآية: فقال قتادة: [ ... ] [[كلمة غير مقروءة، وما أثبتناه من المغازي: 2/ 796.]] يوم بدر أمدهم الله بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. يدل عليه قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ [[الأنفال: 9.]] ، الآية، وقوله: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا إلى قوله مُسَوِّمِينَ، فصبر المؤمنون يوم بدر، واتّقوا الله فأمدّهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وعدهم، فهذا كله يوم بدر. الحسن: فهؤلاء الخمسة آلاف رد للمؤمنين إلى يوم القيامة. وقال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة إلّا يوم بدر وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون إنما يكونون عددا ومددا. وقال عمر بن أبي إسحاق: لما كان يوم أحد انجلى عن رسول الله ﷺ‎، وبقي سعد بن مالك يرمي، وفتى شاب ينبل له فلمّا فني النبل أتاه به فنثره فقال: ارم أبا إسحاق، ارم أبا إسحاق. كرتين. فلما انجلت المعركة سئل عن الرجل فلم يعرف [[الدر المنثور: 2/ 70.]] . وقال الشعبي: بلغ رسول الله ﷺ‎ والمسلمين يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يمدّ المشركين، فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ إلى قوله مُسَوِّمِينَ، فلما بلغ الكرز الهزيمة فرجع ولم يأتهم ولم يمدّهم أمدّهم الله أيضا بخمسة آلاف، وكانوا قد أمدوا بألف. وقال آخرون: إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته فاتقوا محارمه أن يمدّهم في حروبهم كلها فلم يصبروا ولم يتقوا إلّا في يوم الأحزاب فأمدهم الله تعالى حتى حاصروا قريظة. قال عبد الله بن أوفى: كنا محاصري بني قريظة والنضير ما شاء الله أن نحاصرهم فلم يفتح علينا فرجعنا، فدعا رسول الله ﷺ‎ بغسل، فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبرئيل (عليه السلام) فقال: «يا محمد، وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها؟» . فدعا رسول الله ﷺ‎ بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله ثمّ نادى فينا فقمنا كالّين متعبين لا نعبأ بالسير شيئا حتى أتينا بني قريظة والنضير، فيومئذ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة، ففتح الله لنا فتحا يسيرا وانقلبنا بنعمة الله وفضل. وقال قوم: إنما كان هذا يوم أحد، وعدهم الله عز وجل المدد إن صبروا، فلم يصبروا فلم يمدوا ولا بملك واحد [و] لو أمدّوا لما هزموا. وهو قول عكرمة والضحاك. وكان هذا يوم أحد حين انصرف أبو سفيان وأصحابه وذلك أنّ رسول الله ﷺ‎ كان يخاف أن يدخل المشركون المدينة، فبعث علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) فقال: «اخرج على آثار القوم فانظر ما يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد أجبنوا الخيل وركبوا وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، فو الذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها ثم لأناجزنهم» . قال علي (رضي الله عنه) : «فخرجت في آثارهم أنظر ما يصنعون، فإذا هم قد أجبنوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة، وقد كان رسول الله ﷺ‎ قال: أي ذلك كان فأخفه حتى تأتيني، فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم لما بي من الفرح وانصرفوا إلى مكة وانصرفنا إلى المدينة، فأنزل الله تعالى في ذلك أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ» [[تاريخ الطبري: 2/ 207.]] يعني أن انصرفوا إليكم ودخلوا المدينة. وفي قراءة أبي (ألا يكفيكم أن يمدكم ربكم) ، أي يعطيكم ويعينكم. قال المفضل: [كل] [[في المخطوط: على.]] ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: أمده يمده إمدادا، وكل ما كان على جهة الزيادة قيل: مدّه يمدّه مدّا، ومنه قوله: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ [[لقمان: 27.]] . وقال بعضهم: المد في الشر، والإمداد في الخير. يدل عليه قوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [[البقرة: 15.]] وقوله وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا [[مريم: 79.]] . وقال في الخير أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ [[الأنفال: 9.]] وقال: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ. وقال وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ [[الإسراء: 6.]] . وقال: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ [[المؤمنون: 55.]] . وقال: وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ [[الطور: 22.]] ، وقال: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ [[نوح: 12.]] ، مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ [[الأنفال: 9.]] مُنْزَلِينَ. قرأ أبو حيوة: بكسر الزاي، مخفّفا، يعني منزلين النصر. وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وعمر ابن ميمون وابن عامر مشددة مفتوحة الزاي على التكثير. وتصديقه قوله: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [[الأنعام: 111.]] . وقوله: مُسَوِّمِينَ. وقرأ الآخرون: بفتح الزاي خفيفة. ودليله قوله: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا [[الفرقان: 21.]] وقوله: وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها [[التوبة: 26.]] . وتفسير الإنزال: جعل الشيء من علو إلى سفل، ثم قال: بَلى وهو تصديق لقول الله تعالى وقول رسول الله ﷺ‎. إِنْ تَصْبِرُوا لعدوّكم وَتَتَّقُوا معصية ربكم. وَيَأْتُوكُمْ من المشركين، مِنْ فَوْرِهِمْ هذا [[سورة آل عمران: 125.]] قال عكرمة والحسن وقتادة والربيع والسدي وابن زيد: من وجههم هذا، وهو رواية عطية عن ابن عباس. مجاهد والضّحاك وزاذان: من غضبهم هذا، وكانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر ممّا لقوا، وأصل الفور: القصد إلى الشيء والأخذ فيه بحدّه، وهو من قولهم: فارت القدر تفور فورا وفورانا إذا غلت وَفارَ التَّنُّورُ [[سورة هود: 40، سورة المؤمنون: 27.]] ، قال الشاعر: تفور علينا قدرهم فيديمها ... ويفثأها عنا إذا حميها غلا بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب: بكسر الواو، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بالفتح، واختاره أبو عبيد، فمن كسر الواو أراد أنّهم سوّموا خيلهم، ومن فتح أراد به أنفسهم، والسّومة: العلامة التي يعلّم بها الفارس نفسه في الحرب، واختلفوا في هذه السّمة الموصوفة بها الملائكة في هذه الآية ما هي، فقال عمير بن إسحاق: قال رسول الله ﷺ‎ لأصحابه يوم بدر: «تسوّموا، فإن الملائكة قد تسوّمت [[المصنف: 8/ 346، تفسير القرطبي: 4/ 196.]] بالصوف الأحمر في قلانسهم ومغافرهم» . الضحاك وقتادة: [بالعهن] [[العهن: الصوف المصبوغ ألوانا.]] في نواصيها وأذنها. مجاهد: كانت مجزوزة أذناب خيلهم وأعرافها ونواصيها [معلّمة] ، الربيع: كانوا على خيل بلق، عليّ وابن عباس رضي الله عنهم: كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم ، هشام بن عروة الكلبي: عمائم صفر مرخاة على أكتافهم. وقال عبد الله بن الزبير: إن الزبير كانت عليه ملاءة صفراء وعمامة صفراء يوم بدر، فنزلت الملائكة يوم بدر مسوّمين بعمائم صفر [[كنز العمال: 10/ 45.]] . وروى الزبير بن المنذر عن جدّه أبي أسيد وكان بدريّا قال: لو كان بصري فرّج عنه، ثم ذهبتم معي إلى بدر لأريتكم الشعب التي خرجت منه الملائكة في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم [[تفسير الطبري: 4/ 109.]] ، وقال عكرمة: كانت عليهم سيماء القتال، السديّ: سيماء المؤمنين. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ يعني: هذا الوعد والمدد إِلَّا بُشْرى لتستبشروا به. وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ ولتسكن قلوبكم إليه، فلا تجزع من كثرة عدوّكم وقلّة عددكم. وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لأن العزّ والحكم له وهو: الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ نظيرها في الأنفال، ثم قال: واستعينوا بالله وتوكلوا عليه لِيَقْطَعَ طَرَفاً. نظم الآية: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ... لِيَقْطَعَ طَرَفاً، أي: ليهلك طائفة مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا نظيره قوله: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا [[سورة الأنعام: 45.]] أي: أهلك، وفي الأنفال: وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ [[سورة الأنفال: 7.]] ، وفي الحجر: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [[سورة الحجر: 66.]] ، السديّ: معناه ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقتل من سادتهم وقادتهم يوم بدر سبعين، وأسر منهم سبعين. أَوْ يَكْبِتَهُمْ بالخيبة فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ لم ينالوا شيئا ممّا كانوا يرجون من الظفر بكم. وقال الكلبي: أَوْ يَكْبِتَهُمْ: أو يهزمهم بأن يصرعهم لوجوههم. المؤرّخ: يخزيهم. النضر بن شميل: يغيظهم، المبرّد: يظفر عليهم، السديّ: يلعنهم، أبو عبيدة: يهلكهم، قالوا: وأهل النظر [يرون] [[زيادة عن المسير: 2/ 27.]] التاء منقلبة عن الدال، لأن الأصل فيه يكبدهم، أي: يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ، يقال: قد أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده، ويقول العرب للعدوّ: أسود الكبد، قال الأعشى: فما أجشمت من إتيان قوم ... هم الأعداء والأكباد سود [[زاد المسير: 2/ 27، وتاج العروس: 8/ 229.]] كأنّ الأكباد لمّا احترقت بشدّة العداوة اسودّت، والتاء والدال يتعاقبان، كما يقال: هرت الثوب وهرده، إذا خرقه، يدل على صحة هذا التأويل قراءة لاحق بن حميد: أو يكبدهم، بالدّال. لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية، فقال عبد الله بن مسعود: أراد النبي ﷺ‎ أن يدعوا على المدبرين عنه من أصحابه يوم أحد، وكان عثمان منهم، فنهاه الله عزّ وجلّ عن ذلك وتاب عليهم، فأنزل هذه الآية ، وقال عكرمة وقتادة: أدمى رجل من هذيل يقال له عبد الله بن قمية وجه رسول الله ﷺ‎ يوم أحد، فدعا عليه رسول الله ﷺ‎، وكان حتفه أن سلّط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله. وشجّ عتبة بن أبي وقاص رأسه، وكسر رباعيته فدعا عليه، وقال: «اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا» قال: وما حال عليه الحول حتى مات كافرا، فأنزل الله هذه الآية [[تفسير الطبري: 4/ 117.]] . وقال الكلبي والربيع: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ‎ يوم أحد، وقد شجّ في وجهه وأصيبت رباعيته، فهمّ رسول الله ﷺ‎ أن يلعن المشركين ويدعو عليهم، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، لعلمه فيهم أن كثيرا منهم سيؤمنون ، يدلّ عليه ما روى أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس قال: لمّا كان يوم أحد شجّ رسول الله ﷺ‎ في فوق حاجبه وكسرت رباعيته وجرح في وجهه، فجعل يمسح الدم في وجهه وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم، ورسول الله ﷺ‎ يقول: «كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربّهم» [[مسند أحمد: 3/ 179.]] ، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ، وقال سعيد بن المسيّب. والشعبي. ومحمد بن إسحاق بن يسار: لمّا قال رسول الله ﷺ‎: «اشتدّ غضب الله على من دمى وجه نبيّه» [[تاريخ الطبري: 2/ 201.]] . علت عالية من قريش على الجبل، فقال رسول الله ﷺ‎: « [اللهم إنه] لا ينبغي لهم أن يعلونا» ، فأقبل عمر ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم، ونهض رسول الله إلى صخرة ليعلوها وقد كان ظاهر بين درعين فلم يستطع، فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله ﷺ‎: «أوجب طلحة الجنة» [[تفسير الطبري: 4/ 182.]] ، فوقفت هند والنسوة معها يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ‎ يجدعنّ الآذان والأنوف، حتى أخذت هند من ذلك قلائد وأعطتها وحشيّا، وبقرت من كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع فلفظتها، ثم علت صخرة مشرفة فصرخت: نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان من عتبة لي من صبر ... أبي وعمي وأخي وبكري شفيت صدري وقضيت نذري ... شفيت وحشي من غليل صدري [[عيون الأثر: 1/ 424، والبداية والنهاية: 4/ 42 مع تفاوت في عجز البيت الثاني.]] قالوا: وقال عبد الله بن الحسن: قال حمزة: اللهم إن لقينا هؤلاء غدا فإنّي أسألك أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني، فتقول لي يوم القيامة: فيم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك. فلمّا كان يوم أحد قتل فبقر بطنه وجدعت أذنه وأنفه، فقال رجل سمعه: أمّا هذا فقد أعطي في نفسه ما سأل في الدنيا، والله يعطيه ما سأل في الآخرة. قالوا: فلمّا رأى رسول الله ﷺ‎ والمسلمون ما بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله عليهم لنفعلنّ بهم مثل ما فعلوا، ولنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قطّ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال عطاء: قام رسول الله ﷺ‎ بعد أحد أربعين يوما يدعو على أربعة من ملوك كندة: مسرح، وأحمد، ولحي، وأخيهم العمردة، وعلى معن من هذيل، يقال لهم: لحيان، وعلى بطون من سليم وعلى ذكوان وعصبة والقارة، وكان يقول: «اللهم أشدد وطاءك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» [[مسند أحمد: 2/ 521.]] ، فأجاب الله دعاه وقحطوا حتى أكلوا أولادهم وأكلوا الكلاب والميتة والعظام المحرقة، فلمّا انقضت الأربعون نزلت هذه الآية. وعن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «اللهم ألعن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أميّة» [[المصدر السابق: 2/ 93، والدر المنثور: 2/ 71.]] ، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [[سورة آل عمران: 128.]] وأسلموا فحسن إسلامهم. الزهري عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ‎ قال في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الركوع: «ربّنا لك الحمد اللهم العن فلانا وفلانا» ، دعا على ناس من المنافقين فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ الآية [[صحيح البخاري: 5/ 35، وسنن الدارمي: 1/ 374.]] . وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في بئر معونة وهم سبعون رجلا من قرّاء أصحاب رسول الله ﷺ‎ أميرهم المنذر بن عمرو، وبعثهم رسول الله ﷺ‎ إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، ليعلّموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعا. عامر بن الطفيل: وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق فلما قتل رفع بين السماء والأرض، فوجد رسول الله ﷺ‎ من ذلك وجدا شديدا وحزن عليهم شهرا فنزلت لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وهذه الآية وإن كانت لفظا للعموم، فالمراد منها الخصوص تقديرها: ليس لك من الأمر بهواك شيء. واللام في قوله: (لَكَ) بمعنى (إليّ) كقوله: إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ [[سورة آل عمران: 193.]] وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [[سورة الأعراف: 43.]] ونحوهما. أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ... لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وهو وجه حسن. وقال بعضهم: (أَوْ) بمعنى (حتى) يعني: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم أو يعذبهم. ثم قال: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ إلى أَضْعافاً مُضاعَفَةً. قرأ أبو جعفر وشيبة: مضعّفة. عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [[سورة آل عمران: 130.]] هو أن الرجل كأن يكون له على الرجل مال فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول المطلوب أخّر عنّي فأزيدك على مالك فيفعلان ذلك فوعظهم الله تعالى. فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ في أمر الربا فلا تأكلوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ثم خوفهم فقال: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وفيه دليل على أن النار مخلوقة ردّا على الجهمية، لأن المعدوم لا يكون معدا وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لكي ترحموا فلا تعذبوا وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ الآية. قال عطاء: إن المسلمين قالوا للنبي ﷺ‎: بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله عزّ وجلّ منّا وكانوا إذا أذنبوا أصبحت كفارة ذنوبهم مكتوبة في عتبة بابهم: اجدع أنفك اجدع أذنك افعل كذا وكذا، فسكت عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله تعالى وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي سابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة. وحذف أهل المدينة والشام الواو منه. واختلفوا في العلة الجالبة لهذه المغفرة: فقال ابن عباس: سارعوا إلى الإسلام، أبو العالية وأبو روق: إلى الهجرة، علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إلى أداء الفرائض ، عثمان بن عفان: الإخلاص، أنس بن مالك: هي التكبيرة الأولى، سعيد بن جبير: إلى أداء الطاعة، يمان: إلى الصلاة الخمس، الضحاك: إلى الجهاد عكرمة: إلى التوبة، مقاتل: إلى الأعمال الصالحة، أبو بكر الوراق: إلى اتّباع الأوامر والانتهاء عن الزواجر، سهل بن عبد الله: إلى السنّة، بعضهم: إلى الجمع والجماعات. وَجَنَّةٍ يعني إلى جنة عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي عرضها كعرض السماوات والأرض كقوله ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [[سورة لقمان: 28.]] أي كبعث نفس واحدة. قال الشاعر: حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي ويب غيرك بالعناق [[تفسير الطبري: 1/ 785، لسان العرب: 1/ 805.]] يريد صوت عناق. ودليل هذا التأويل قوله في سورة الحديد: كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [[سورة الحديد: 21.]] يعني لو بسطت ووصل بعضها إلى بعض إنما أخص العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه يقول هذه صفة عرضها فكيف طولها. يدل عليه قول الزهري إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلّا الله كقوله مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها [[سورة الرحمن: 54.]] فوصف البطانة بحسن ما يعلم من الزينة إذ معلوم أن الظواهر يكون أحسن وأنفس من البطائن. وقال أكثر أهل المعاني: لم يرد العرض الذي هو ضد الطول وإنما أراد سعتها وعظمها، كقول العرب: هو أعرض من الدهنا، أي أوسع. وقال جرير: لجّت أمامة في لومي وما علمت ... عرض السماوة روحاتي ولا بكري [[تفسير الطبري: 1/ 216.]] وأنشد الأصمعي: يجبن بنا عرض الفلاة ... وما لنا عليهنّ إلّا وخدهن سقاء [[لسان العرب: 14/ 392، تاج العروس: 10/ 382.]] وقال آخر: كأنّ بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفه حابل [[تفسير القرطبي: 4/ 205.]] وعلى هذا التمثيل لا يريد أنها كالسماوات والأرض لا، وغير معناه كعرض السماوات السبع والأرضين السبع عند ظنكم، لأنهما لا بد زائلتان كقوله: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [[سورة هود: 107.]] لأنهما لا بد زائلتان. وقال يعلي بن مرة: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ‎ بحمص شيخا كبيرا قال: قدمت على رسول الله ﷺ‎ بكتاب هرقل فناول الصحيفة رجلا عن يساره قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت إليّ تدعوني إلى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] فأين النار؟ فقال رسول الله: «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار» [113] [[تفسير الطبري: 4/ 122.]] . وروى طارق بن شهاب: أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه قالوا: أرأيت قولكم وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فأين النار؟ فأحجم الناس، فقال عمر (رضي الله عنه) : أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: إنما لمثلها في التوراة. وسئل أنس بن مالك عن الجنة: أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: أي أرض وأي سماء تسع الجنة؟ قيل: وأين هي؟ قال: فوق السماوات السبع تحت العرش. وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السماوات السبع، وأن جهنم تحت الأرضين السبع. أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ يعني في العسر واليسر والشدة والرخاء، فأول خلق من أخلاقهم الموجدة هو الحب والسخاء، ولهذا أخبرنا أحمد بن عبد الله، [ثنا زيد بن عبد العزيز أبو جابر ثنا جحدر ثنا بقية ثنا الأوزاعي عن الزهري عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ‎] [[زيادة عن الثقات لابن حبان: 8/ 35.]] : «الجنة دار الأسخياء» [[مسند الشهاب: 1/ 102 والموضوعات لابن الجوزي: 2/ 185.]] . وروى الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار» [114] [[سنن الترمذي: 3/ 231، ح 2027.]] . فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ آية بينة على الواحد أراد مقام إبراهيم وحده، وقال: أثر قدميه في المقام آية بينة. وقرأ الباقون: آياتٌ بالجمع أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر، وقد مضى ذكر مقام إبراهيم في سورة البقرة وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً من أن يهاج فيه، لأنه حرم، وذلك بدعاء إبراهيم (عليه السلام) حيث قال: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [[سورة البقرة: 126.]] وكان في الجاهلية من دخله ولجأ إليه آمن من الغارة والقتل ولم يزده الإسلام إلّا شدة. وكتب أبو الخلد إلى ابن عباس: أن أول من لاذ بالحرم الحيتان الصغار والكبار هربا من الطوفان، وقيل: مَنْ دَخَلَهُ عام عمرة القضاء مع محمد ﷺ‎ كانَ آمِناً دليله قوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [[سورة الفتح: 27.]] . وقال أهل المعاني: صورة الآية خبر ومعناها أمر تقديرها: ومن دخلوه فأمنوه، كقوله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [[سورة البقرة: 197.]] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. وقيل: (وَمَنْ دَخَلَهُ) لقضاء النسك معظما له عارفا لحقه متقربا إلى الله عزّ وجلّ كانَ آمِناً يوم القيامة وهذا كقوله ﷺ‎: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» [[مسند الشهاب- ابن سلامة-: 1/ 252.]] [115] أي في نهار يوم القيامة. يدل عليه ما روى جويبر عن الضحاك وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً يقول: من حجه ودخله كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك. وروى زياد بن أبي عياش عن يحيى بن جعدة في قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً قال: من النار. وقال جعفر الصادق (رضي الله عنه) : مَنْ دَخَلَهُ على الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كانَ آمِناً من عذابه. وقال أبو النجم القرشي الصوفي: كنت أطوف بالبيت فقلت: يا سيدي، قلت: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً من أي شيء؟ فسمعت من ورائي [قائلا] يقول: آمنا من النار، فالتفت فلم أر شيئا. ويدل على صحة هذا التأويل ما روى أبان بن عياش عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من مات في أحد الحرمين بعثه الله عزّ وجلّ مع الآمنين» [[السنن الكبرى: 5/ 245.]] [116] . وروى عن النبي ﷺ‎ أنه قال: «الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة» [[كشف الخفاء: 1/ 351.]] [117] . وروى شقيق بن سلمة عن ابن مسعود قال: وقف النبي ﷺ‎ على ثنية المقبرة وليس هما يومئذ مقبرة، وقال: «بعث الله من هذه البقعة من هذا الحرم كله سبعين ألفا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ... بِغَيْرِ حِسابٍ، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر» [[كنز العمال: 12/ 262، ح 34960.]] . وبه عن عبد الرحمن بن زيد العمى عن أبيه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار، تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام، وتقربت منه الجنة مسيرة مائة عام» [[كنز العمال: 12/ 210، ح 34704.]] [118] . وقال وهب بن منبه: مكتوب في التوراة: إن الله يبعث يوم القيامة سبعمائة ألف ملك من الملائكة المقربين بيد كل واحد منهم سلسلة من ذهب إلى البيت الحرام فيقول لهم: اذهبوا إلى البيت الحرام فزموه بهذه السلاسل ثم قودوه إلى المحشر فيأتونه فيزمونه بسبعمائة ألف سلسلة من ذهب ثم يمدونه وملك ينادي: يا كعبة الله سيري فتقول: لست بسائرة حتى أعطي سؤلي. فينادي ملك من جو السماء: سلي تعط. فتقول الكعبة: يا رب شفّعني في جيرتي الذين دفنوا حولي من المؤمنين. فيقول الله: قد أعطيتك سؤلك. قال: فيحشر موتى مكة من قبورهم بيض الوجوه كلهم محرمين، فيجتمعون حول الكعبة يلبّون ثم يقول الملائكة: سيري يا كعبة الله، فتقول: لست بسائرة حتى أعطي سؤلي، فينادي ملك من جو السماء: سلي تعط، فتقول الكعبة: يا رب عبادك المؤمنين الذين وفدوا إليّ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ شعثا غبرا، تركوا الأهلين والأولاد والأحباب، وخرجوا شوقا إليّ زائرين مسلمين طائعين، حتى قضوا مناسكهم كما أمرتهم، فأسألك أن تؤمنهم من الفزع الأكبر وتشفّعني فيهم وتجمعهم حولي، فينادي الملك: إن منهم من ارتكب الذنوب بعدك وأصرّ على الذنوب الكبائر حتى وجبت له النار، فتقول الكعبة: إنما أسألك الشفاعة لأهل الذنوب العظام. فيقول الله: قد شفّعتك فيهم وأعطيتك سؤلك. فينادي منادي من جو السماء: ألا من زار الكعبة فليعتزل من بين الناس. فيعتزلون، فيجمعهم الله حول البيت الحرام بيض الوجوه آمنين من النار يطوفون ويلبون، ثم ينادى ملك من جو السماء: ألا يا كعبة الله سيري. فتقول الكعبة: لبيك لبيك والخير بيديك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ثم [يمدّونها] إلى المحشر [[إعانة الطالبين: 2/ 313- 314.]] . وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قال عكرمة: لما نزلت وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [[سورة آل عمران: 85.]] قالت اليهود: فنحن مسلمون فأمروا أن يحجوا إن كانوا مسلمين، واللام في قوله لله لام الإيجاب والإلزام، أي قد فرض وأوجب على الناس حجّ البيت. قرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي: حِجُّ، بكسر الحاء في هذا الحرف خاصة. وقرأ ابن أبي إسحاق جميع ما في القرآن بالكسر، وهي لغة أهل نجد. وقرأ الباقون: بالفتح كل القرآن، وهي لغة أهل الحجاز. واختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، فهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد. وقال الحسن الجعفي الفتح [المصدر] والكسر اسم الفعل، ثم قال: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا اعلم أن شرائط وجوب الحج تسعة أشياء هي: البلوغ والعقل والإسلام والحرية لقول النبي ﷺ‎: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه» [[مسند أحمد: 6/ 100 بتفاوت.]] [119] . ولقوله ﷺ‎: «أيّما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه حجة أخرى، وأيّما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى» [120] [[المعجم الأوسط: 3/ 140، نصب الراية: 3/ 75.]] . وأراد بالهجرة هاهنا: الإسلام وتخلية الطريق، وهي أن يكون الطريق آمنا مسلوكا، لا مانع فيه من عدو ونحوه، فإن كان غير مسلوك لم يجب الحج. والدليل عليه: أنه لو كان محرما فحصره العدو، فله أن يحل منه، فإذا جاز له الخروج منه بالحصر فبان بعض [[هكذا ظاهرا في المخطوط.]] الدخول فيه، والقصد إليه مع وجود الحصر أولى وأحرى، وإمكان المسير وهو أن يكون في الوقت سعة ممكنة فيه الحج، فإذا وجد شرائط الحج وهو [....] [[كلمة غير مقروءة.]] وقد بلغ الحاج إلى [الكرقة] [[هكذا في الأصل.]] مثلا، فلا يجب عليه، لأنه جعل شرائطه في وقت تعذر فعله فيه، فهو كالصبي الذي يبلغ في أثناء نهار الصيام، فلا يجب عليه صوم ذلك اليوم، وزاد كاف وراحلة مبلغة وقوة بدنية واختلف أقاويل الفقهاء في تفصيل هذه الشرائط الثلاثة. فقال الشافعي (رضي الله عنه) : الاستطاعة وجهان: أن يكون مستطيعا بدنه واجدا من ماله ما يبلغه الحج، والثاني: أن يكون معضوبا [[المعضوب: الزمن الذي لا حراك به.]] في بدنه لا يثبت على مركبه، وهو قادر على من يطعه إذا أمره أن يحج عنه بأجرة وغير أجرة، وأما المستطيع بالمال: فقد لزمه فرض الحج بالسنّة، لحديث الخثعمية، فأما المستطيع بنفسه: فهو القوي الذي لا يلحقه مشقة غير محتملة في الكون على الراحلة، فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج، فإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهما يسقط فرض الحج عنه، فإن كان قادرا على المشي مطبقا له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في طريقه بصنعة مثل الخرز والحجامة ونحوهما، فالمستحب له أن يحج ماشيا، رجلا كان أو امرأة. قال الشافعي: والرجل أقل عذرا من المرأة، لأنه أقوى وهذا على طريق الاستحباب لا على طريق الإيجاب، فأما إن قدر على الزاد بمسألة الناس في الطريق كرهت له أن يحج، لأنه يصير كلّا على الناس، وهذا الذي ذكرت من أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج، وهو قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس ومن التابعين الحسن البصري وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق، دليلهم ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ‎ فقال: ما السبيل إلى الحج؟ قال: «الزاد والراحلة» [121] [[الدر المنثور: 2/ 56.]] . ومثله روى ابن مسعود وابن عباس وعائشة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك. روى الحرث عن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من ملك زادا وراحلة تبلغانه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، فإن الله تعالى يقول: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [[سنن الترمذي: 2/ 154.]] [122] . قال ابن عمر: قام رجل فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة» قال: فما الحاج؟ قال: « [الشعث التفل] » [[التفل: الذي قد ترك استعمال الطيب.]] قال: فما أفضل الحج؟ قال: «العج [[العج: العجيج بالتلبية، والثج: نحر البدن.]] والثج» [[المصنف- الكوفي-: 4/ 535.]] [123] . وقال مالك: إذا قدر على المشي ووجد الزاد والراحلة لزمه الحج بلا خلاف، وإن لم يجد الزاد والراحلة وقدر على المشي نظر، فإن كان مالكا للزاد فعليه فرض الحج لكل حال، وإن لم يكن مالكا للزاد ولكنه يقدر على كسب حاجته منه في الطريق اختلف هذا باختلاف حال الرجل، فإن كان من أهل المروات وممّن لا يكسب بنفسه لم يجب عليه، وإن كان ممن يكسب كفايته بتجارة أو صناعة لزمه فرض الحج، وهكذا إذا كان عادته مسألة الناس لزمه فرض الحج، فأوجب مالك على المطبق للمشي الحج إذا لم يكن له زاد وراحلة، وهذا قول عبد الله بن الزبير والشعبي وعكرمة. وقال الضحاك: إن كان شابا صحيحا ليس له مال، فعليه أن يؤاجر نفسه بأكله أو عقبه حتى يقضي حجته، فقال: له قائل ما كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت. فقال: لو أن لبعضهم ميراثا بمكة أكان تاركه بل كان ينطلق إليه ولو حبوا، كذلك يجب عليه الحج، واحتج هؤلاء بقوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا [[سورة الحج: 27.]] أي مشاة. قالوا: ولأن الحج من عبادات الأبدان من فرائض الأعيان، فوجب أن لا يكون من فرض وجوبها الزاد والراحلة كالصلاة والصيام، فإذا [تقرر] أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج على قول أكثر أهل العلم، فوجب أن يبيّن كيفية اعتبار الراحلة والنفقة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس. وأما الراحلة: فهي ما لا يلحقه مشقة شديدة في الركوب عليها، وأما النفقة: فإن كان ذا أهل وعيال يجب عليه نفقتهم، فلا يلزمه الحج حتى يكون لهم نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه، لأن هذا الإنفاق فرض على الفور والحج فرض على التراخي، وكان تقديم إنفاق العيال أولى وأهم. وقال النبي ﷺ‎: «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت» [[مسند أحمد: 2/ 160.]] [124] فإذا لم يكن له أهل وعيال فلا بد من نفقته لذهابه، وهل يعتبر فيه الرجوع أم لا؟ فيه قولان للفقهاء: قال بعضهم: لا يعتبر، لأنه ليس عليه كثير مشقة في تركه القيام ببلده، لأنه لا أهل له فيه ولا عيال له، فكل البلاد له وطن. وقال الآخرون: يعتبر، وهو الظاهر من مذهب الشافعي، لأنه قال في الإملاء: لا يجب عليه الحج حتى يكون له نفقته ذاهبا وجائيا. فأطلق ولم يفرّق، وهذا أولى بالصواب، لأن الإنسان يستوحش بفراق وطنه كما يستوحش بفراق مسكنه، ألا ترى أن البكر إذا زنا جلد وغرّب عن بلده سواء كان له أهل أو لم يكن، فإن كان له عقار يستغله أو ثياب أو أثاث ونحوها، لزمه فرض الحج وبيع العقار ورقاب الأموال وصرفها في الحج فأما المسكن والخادم. قال الشافعي: في الأم: فإذا كان له مسكن وخادم له نفقة أهله بقدر غيبته لزمه الحج. وظاهر هذا أنه اعتبر أن يكون مال الحج فاضلا عن الخادم والمسكن، لأنه قدّمه على نفقة أهله، فكأنه قال: بعد هذا كله. وقال أصحابه: يلزمه أن يبيع المسكن والخادم ويشتري مسكنا وخادما لأهله، فأما إذا كان له بضاعة يتجر بها وربحها قدر كفايته وكفاية عياله على الدوام، ومتى أنفق من أصل البضاعة اختل عليه ربحها ولم يكن ربحها قدر كفايته، فهل يلزمه الحج من أصل البضاعة أم لا؟ قال أبو العباس بن شريح: لا يلزمه ذلك وتبقى البضاعة على ما هي عليه ولا يحج من أصلها، لأن الحج إنما يجب عليه في الفاضل من كفايته. وقال الآخرون: بل عليه أن يحج من أصل البضاعة، وهو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور، لأنه لا خلاف أنه لو كان له عقار يكفيه غلته لزمه بيع أصل العقار في الحج، وكذلك البضاعة، وجملته أن فرض الحج يتعلق بما يتعلق به فرض زكاة الفطر، فما وجب بيعه في زكاة الفطر وجب بيعه في الحج، فهذا القول في أحد وجهي الاستطاعة، فأما الوجه الآخر: فهو أن يكون مغصوبا في بدنه لا يقدر أن يثبت على مركب بحال، أو يكون فضو الخلقة ابتداء، أو يكون مريضا مزمنا شديدا لا يرجى برؤه، أو يكون شيخا كبيرا ضعيفا ولكن يكون قادرا على من يطيعه إذا أمره بالحج عنه، فهذا أيضا مستطيع استطاعة ما. وهو على وجهين: أحدهما: أن يكون قادرا على مال يستأجر عليه من يحج، فإنه يلزمه فرض الحج، وهذا قول علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) روى عنه أنه قال لشيخ كبير لم يحج: جهّز رجلا يحج عنك. وإليه ذهب الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وعبد الله بن المبارك وأحمد بن المبارك وإسحاق. والثاني: أن يكون قادرا على من يبذل له الطاعة والنيابة فيحج عنه، فهذا أيضا يلزمه الحج عند الشافعي وابن حنبل وابن راهوية. وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه الحج ببذل الطاعة بحال. وقال مالك: إذا كان مغصوبا سقط عنه فرض الحج أصلا، سواء كان قادرا على من يحج بالمال أو بغير المال، أو كان عاجزا فلا يلزمه فرض الحج، ولو وجب عليه الحج ثم عضب وزمن سقط عنه فرض الحج، ولا يجوز أن يحج عنه في حال حياته بحال بل إن أوصى أن يحج عنه حج بعد موته عنه من الثلث وكان تطوعا، واحتج بقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [[سورة النجم: 39.]] فأخبر أنه ليس له إلّا ما سعى فمن قال له ما سعى غيره، فقد خالف ظاهر الآية ويقول عزّ وجلّ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [[سورة آل عمران: 97.]] وهذا غير مستطيع، لأن الحج هو القصد إلى البيت بنفسه ومن طريق الاعتبار هو أنه غير متمكن من الحج بنفسه، فوجب أن لا يلزمه الحج عن نفسه، كما لو كان مغصوبا لا مال له، ولأن كل عبادة لا يدخلها النيابة مع القدرة عليها، فوجب أن لا يدخلها النيابة مع العجز عنها كالصلاة وعكسه الزكاة، ودليل الشافعي وأصحابه ما روى الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس أن امرأة من خثعم سألت النبي ﷺ‎ فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، فهل يجزي أن أحج عنه؟ فقال: «نعم» ، فقالت: فهل ينفعه ذلك؟ فقال (عليه السلام) : «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزي؟» قالت: نعم، قال: «فدين له! أحق» [[صحيح ابن خزيمة: 4/ 346.]] [125] . فأوجب النبي ﷺ‎ عليه الحج بطاعة ابنته إياه وبذلها نفسها له بأن تحج عنه، فإذا وجب ذلك بطاعة البنت له كان بأن يجب عليه بقدرته على المال الذي يستأجر به أولى، فأما إن بذل له المال دون الطاعة، والصحيح أن لا يلزمه قبوله والحج به عن بنفسه ولا يصير ببذل المال له مستطيعا، وأما من به مرض يرجى زواله كالبرسام والحمى الشديدة وغيرهما فلا يجوز له أن يحج عنه، لأنه لم ييأس عن الحج بنفسه فلم يحج له، كالصحيح وعكسه المغصوب. وقال أبو حنيفة: يجوز له أن يحج عن نفسه ولو حج عنه وبرأ سقط عنه فرض الحج والله أعلم. وَمَنْ كَفَرَ. قال الحسن وابن عباس وعطاء والضحاك: جحد فرض الحج. مجاهد: هو ما أن حج لم يره برا وإن قعد لم يره مأثما. وروى سفيان عن منصور عنه وَمَنْ كَفَرَ بالله واليوم الآخر، يدل عليه ما روى ابن عمر عن رسول الله ﷺ‎ أنه قال في قوله: وَمَنْ كَفَرَ قال: «من كفر بالله واليوم الآخر» [[الدر المنثور: 2/ 57.]] . وقال سعيد بن المسيب: نزلت في اليهود حيث قالت: الحج إلى [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] واجب. الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله ﷺ‎ أهل الأديان كلهم فخطبهم، وقال: «إن الله عزّ وجلّ كتب عليكم الحج فحجّوا» فآمنت إليه أهل ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل، وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه، فأنزل الله تعالى هذه الآية [[تفسير الطبري: 4/ 29.]] . عطاء بن السائب: (وَمَنْ كَفَرَ) بالبيت. ابن زيد: (وَمَنْ كَفَرَ) بهذه الآيات التي ذكرها الله في قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ. قال السدي: أما مَنْ كَفَرَ فهو من وجد ما يحج عنه ثم لم يحج حتى مات فهو كفره به. فصل في إيجاب الحج قال النبي ﷺ‎: «صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة مالكم وحجّوا بيت ربكم تدخلوا جنة ربكم» [[صحيح ابن خزيمة: 4/ 12 بتفاوت.]] [126] . وقال ﷺ‎: «حجّوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة» [[كشف الخفاء: 1/ 350.]] [127] . وقال ابن مسعود: حجّوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلّا نفقت [[كشف الخفاء: 1/ 350.]] . وروى عبد الرحمن بن أبي سابط عن أبي أمامة أن النبي ﷺ‎ قال: «من لم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا» [[سنن الدارمي: 2/ 29.]] [128] . وحدثنا موسى بن جعفر عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من مات ولم يحج لم يقبل الله منه يوم القيامة عملا ... » [129] . شعبة عن قتادة عن الحسين قال: قال عمر (رضي الله عنه) : لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى من كان له مال ولم يحج فيضربون عليه الجزية. يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ إلى تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي يصرفون عن دين الله مَنْ آمَنَ. وقرأ الحسن: تَصِدُّونَ، بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان، صدّ وأصدّ مثل صل اللحم وأصل، وخمّ وأخم. ودليل قراءة العامة قوله تعالى: أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى [[سورة سبأ: 32.]] وقوله: وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [[سورة الفتح: 25.]] ونظائرهما. تَبْغُونَها تطلبونها عِوَجاً زيغا وميلا، والكلام حال على الفعل، مجازه: لم تصدون عن سبيل الله باغين لها عوجا. قال أبو عبيدة: العوج بالكسر في الدين والقول والعمل، والعوج بالفتح في الجدار والحائط وكل شخص قائم وَأَنْتُمْ شُهَداءُ الآن في التوراة مكتوب: إن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام، وإن فيه نعت محمد ﷺ‎. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قال زيد بن أسلم: مرّ شاس ابن قيس اليهودي. وكان شيخا قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الطعن في المسلمين شديد الحسد لهم. على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ‎ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: لقد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابا من اليهود كان معه قال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قيله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. وكان بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج. ففعل، فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قبطي أحد بني حارثة من الأوس، وحيان بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددتها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعا وقالا: قد جعلنا السلاح موعدكم الظاهرة وهي حرة، وخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها على بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ‎ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال: «يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألّف بينكم، ترجعون إلى ما كنتم إليه كفارا الله الله» [130] فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيدهم من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ‎ سامعين مطيعين. فأنزل الله في شأن شاس بن قيس [[فتح القدير: 1/ 368.]] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني الأوس والخزرج إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني شاسا وأصحابه يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ. قال جابر بن عبد الله: ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله علينا فأومى إلينا بيده فكففنا وأصلح الله ما بيننا فما كان من شخص أحبّ إلينا من رسول الله ﷺ‎ فما رأيت قط يوما أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم، ثم قال على وجه التعجب وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ يعني ولم تكفرون وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ من القرآن وَفِيكُمْ رَسُولُهُ محمد ﷺ‎. قال قتادة: في هذه الآية علمان بيّنان: نبي الله وكتاب الله، فأمّا نبي الله فقد مضى وأمّا كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة منه ونعمة، فيه حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته. وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أي يمتنع بالله ويتمسك بدينه وطاعته فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ طريق واضح. وقال ابن جريج: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ) أي يؤمن بالله، وأصل العصم والعصمة المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصم. قال الفرزدق: أنا ابن العاصمين بني تميم ... إذا ما أعظم الحدثان نابا [[تفسير الطبري: 4/ 37، تفسير القرطبي: 4/ 157.]] والممتنع معتصم. فقال: اعتصمت الشيء واعتصمت به وهو الأفصح. قال الشاعر: يظل من خوفه الملاح معتصما ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد [[لسان العرب: 3/ 418 والبيت للنابغة.]] وقال آخر: إذا أنت جازيت الإخاء بمثله ... وآسيتني ثم اعتصمت حباليا [[تفسير الطبري: 4/ 37.]] وقال حميد بن ثور يصف رجلا حمل امرأة بذنبه: وما كاد لما أن علته يقلها ... بنهضته حتى أكلان واعتصما يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. قال مقاتل بن حيان: كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية وصال حتى هاجر النبي ﷺ‎ إلى المدينة فأصلح بينهم، فافتخر بعد ذلك منهم رجلان: ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال الأوسي: منّا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنّا حنظلة غسيل الملائكة، ومنّا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين، ومنّا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمة له ورضى الله بحكمه في بني قريظة، وقال الخزرجي: منّا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، ومنّا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم فجرى الكلام بينهما فغضبا، فقال الخزرجي: أما والله لو تأخر الإسلام قليلا وقدوم النبي ﷺ‎ لقتلنا ساداتكم، واستعبدنا آبائكم ونكحنا نسائكم بغير مهر. فقال الأوسي: قد كان الإسلام متأخرا زمانا طويلا فهلّا فعلتم ذلك، فقد ضربناكم حتى أدخلناكم الديار، وأنشدا الأشعار وتفاخرا وتأذيا، فجاء الأوس إلى الأوسي والخزرج إلى الخزرجي ومعهم سلاح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ‎ فركب حمارا وأتاهم فأنزل الله تعالى هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ الآيات، فقرأها عليهم فاصطلحوا. وقال عطاء: إن رسول الله ﷺ‎ صعد المنبر وقال: «يا معشر المسلمين ما لي أوذى في أهلي» . يعني الطعن في قصة الإفك، وقال: «ما علمت على أهلي إلّا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت منه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله وأكفيك أمره وأنصرك عليه، إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكنه احتملته الحمية فقال لسعد ابن معاذ: كذبت لعمر الله. فقال سعد: والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ودعوا بالسلاح، فلم يزل رسول الله ﷺ‎ يخفضهم حتى سكنوا، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [[مسند أحمد: 6/ 196.]] . عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ‎: «حَقَّ تُقاتِهِ أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر» [131] [[المصنف- الكوفي-: 8/ 163.]] . وقال أبو عثمان: أن لا يعصى طرفة عين. مجاهد: أن يجاهدوا حَقَّ جِهادِهِ. ولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم. الحسن: هو أن تعطيه فيما تعبده. قال الزجاج: أي اتقوا فيما يحق عليكم أن تتقوه واسمعوا وأطيعوا. قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله ومن يقوى على هذا وشق عليهم فأنزل الله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [[سورة التغابن: 16.]] فنسخت هذه الآية. قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ إلّا هذا. وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. قال طاوس: معناه اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي مؤمنون. وقيل: مخلصون مفوضون أموركم إلى الله عزّ وجلّ. وقال المفضل: المحسنون الظن بالله. وروى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ‎ قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لأمرّت على أهل الأرض معيشتهم فكيف بمن هو طعامه» [[مسند أحمد: 1/ 338.]] . وعن أنس بن مالك قال: لا يتقى الله عبد حَقَّ تُقاتِهِ حتى يخزن من لسانه وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً أصل الحبل السبب الذي يوصل إلى البغية والحاجة، ولذلك سمّي الأمان حبلا، لأنه سبب يوصل به إلى زوال الخوف. وقال الأعشى بن ثعلبة: وإذا تجوزها حبال قبيلة ... أخذت من الأخرى إليك حبالها [[تفسير الطبري: 4/ 42، تفسير القرطبي: 4/ 158.]] واختلفوا في الحبل المعني بهذه الآية: فقال ابن عباس: تمسكوا بدين الله. وروى الشعبي عن ابن مسعود أنه قال في قوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً قال الجماعة. وقال ابن مسعود: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير ممّا تحبون في الفرقة. وقال مجاهد وعطاء: بالعهد. قتادة والسدي والضحاك: هو القرآن، يدل عليه ما روى عن الحرث أنه قال: دخلت المسجد فإذا الناس قد وقعوا في الأحاديث، فأتيت عليا كرم الله وجهه فقلت: ألا ترى أن الناس قد وقعوا في الأحاديث؟ فقال: وقد فعلوا؟ فقلت: نعم، فقال: أما أني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إنها ستكون فتنة» قال: قلت: فما الخروج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذا سمعته إلّا أن قالوا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً [[سورة الجن: 1.]] من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ خذها إليك يا أعور» [132] [[الدر المنثور: 6/ 337.]] . وروى أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه، لا يعوج فيقوّم ولا يزيغ فيستعتب ولا تقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، فاقرأوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أني لا أقول الم حرف ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة» [133] [[تفسير القرطبي: 1/ 5.]] . وروى سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان قال: دخلنا على زيد بن أرقم فقلنا له: لقد صحبت رسول الله ﷺ‎ وصليت خلفه؟ قال: نعم، وإنه خطبنا فقال: «إني تارك فيكم كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة» [134] [[المصنف- الكوفي-: 7/ 176.]] . وروى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله يقول: «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحد هما أكبر من الآخر كتاب الله جل جلاله من السماء وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض» [135] [[مسند أحمد: 5/ 182. بتفاوت.]] . فقال مقاتل بن حيان: (بِحَبْلِ اللَّهِ) أي بأمره وطاعته. أبو العالية: بإخلاص التوحيد لله عزّ وجلّ. ابن زيد: بالإسلام. وَلا تَفَرَّقُوا كما تفرقت اليهود والنصارى. وروى الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن امتي ستفترق على اثنى وسبعين فرقة كلها في النار إلّا واحدة» فقيل يا رسول الله وما هذه الواحدة؟ قال فقبض يده، وقال: «الجماعة» [136] ثم قرأ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [[تفسير الطبري: 4/ 44.]] . وروى أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد: نحن حبل الله الذي قال الله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا. أخبرني محمد بن كعب القرظي عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ‎ قال: «إن الله رضى لكم ثلاثا وكره لكم ثلاثا: رضى لكم أن تعبدوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وأن تعتصموا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لمن ولّاه الله أمركم، وكره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» [[أحكام القرآن للجصاص: 1/ 285.]] [137] . وعن عبد الله بن بارق الحنفي عن سماك- يعني الحنفي- قال: قلت لابن عباس: قوم يظلموننا ويعتدون علينا في صدقاتنا ألا تمنعهم؟ فقال: لا يا حنفي أعطهم صدقتهم وإن أتاك أهدل الشفتين منتفش المنخرين- يعني زنجيا- فأعطه، فنعم القلوص قلوص يأمن بها المرؤوس عروسه ووطنه- يعني امرأته- وقربة اللبن يا حنفي الجماعة الجماعة، إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها أما سمعت قول الله: جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا. وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً. قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار قال: كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب سمير وحاطب، وذلك أن سميرا هو سمير بن زيد ابن مالك أحد بني عمرو بن عوف، قيل: حليفا لملك بن عجلان، [والآخر من] [[أثبتناه للسياق.]] الخزرج يقال له: حاطب بن أبحر من مزينة، فوقعت بين القبيلتين الحرب، فزعم العلماء بأيام العرب أن تلك الحرب والعداوة تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة، ولم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم، واتصلت تلك العداوة إلى أن أطفأها الله بالإسلام وألّف بينهم برسوله ﷺ‎ وكان سبب ألفتهم وارتفاع وحشتهم أن سويد بن صامت أخا بني عمرو بن عوف قدم مكة حاجا أو معتمرا وكان سويد إنما تسميه قومه الكامل لجلادته وشعره ونسبه وشرفه وحكمته، فقدم سويد مكة وكان رسول الله ﷺ‎ قد بعث وأمر بالدعوة إلى الله عزّ وجلّ، فتصدّى له حين سمع به، فدعاه النبي ﷺ‎ إلى الله عزّ وجلّ وإلى الإسلام. فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله ﷺ‎: «وما الذي معك؟» قال: مجلة لقمان، يعني حكمته، فقال له رسول الله ﷺ‎: «اعرضها عليّ» فعرضها عليه فقال: «إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل، هذا قرآن أنزله الله عليّ نورا وهدى» [138] فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعده عنه وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتله الخزرج قبل يوم بعاث وكان قومه يقولون: قتل وهو مسلم، ثم قدم أبو الجيش أنس بن رافع ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم أياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ‎ أتاهم فجلس إليهم فقال: «هل لكم إلى خير ممّا جئتم له؟» قالوا: وما ذلك؟ قال: «أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد أدعوهم إلى [الله أن يعبدوا الله و] لا يشركوا بالله شيئا وأنزل عليّ الكتاب» [139] ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا: أي قوم هذا والله خير ممّا جئتم به، فأخذ أبو الجيش أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت أياس وقام رسول الله ﷺ‎ وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين بني الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله ﷺ‎ في الموسم الذي لقى فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة إذ لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا، وهم ستة نفر أسعد بن زرارة، وعوف بن عفراء، ورافع بن ملك، وقطبة بن عارف، وعقبة ابن عامر، وجابر بن عبد الله. فقال لهم رسول الله ﷺ‎: «من أنتم؟» قالوا: نفر من الخزرج، قال: «أمن موالي اليهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟» [140] . قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، قال: وكان ممّا صنع الله لهم به في الإسلام أن يهودا كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيّنا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ‎ أولئك النفر ودعاهم إلى الله، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي تدعوكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم لك وستقدم عليهم فتدعوهم إلى حربهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز عليك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ‎ راجعين إلى بلادهم قد آمنوا. فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله ﷺ‎ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشاهم فيهم تبق لهم دار من دور الأنصار إلّا وفيها ذكر من رسول الله حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار إثنا عشر رجلا وهم أسعد بن زرارة، وعوف ومعوّذ ابنا عفراء ورافع بن مالك بن العجلاني الخزرجي وذكوان بن عبد القيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة وعباس بن عبادة وعقبة بن عامر وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو فهؤلاء خزرجيون، وأبو الهيثم بن التيهان واسمه ملك وعويمر بن ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله ﷺ‎ على بيعة النساء على أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يزنوا إلى آخر الآية ثم قال: «إن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئا من ذلك [فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم] [[تفسير الطبري: 4/ 47، تاريخ الطبري: 2/ 86، وما بين المعكوفتين أثبتناه من المصدر.]] . قال رسول الله ﷺ‎ «السخي الجهول أحبّ إلى الله من العالم البخيل» [[كنز العمال: 6/ 392، ح 16210.]] [141] . عبد السلام بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ‎: «السماح شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى النار» [[روضة الواعظين: 385.]] [142] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب