الباحث القرآني

وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي الجامعين الغيظ عند امتلاء أنفسهم منه، والكافين غضبهم عن إمضائه يردّون غيظهم وحزنهم إلى أجوافهم ويصبرون فلا يظهرون، وأصل الكظم: حبس الشيء عن امتلائه، يقال: كظمت القربة إذا ملأتها، وما يقال لمجاري الماء: كظائم، لامتلائها بالماء وأخذ بها كظامة، ومنه قيل: أخذت بكظمه، يعني بمجاري نفسه، ومنه كظم الإبل وهو حبسها جررها في أجوافها ولا تجتر، وإنما يفعل ذلك من الفزع والجهل. قال أعشى باهلة يصف رجلا نحّارا للإبل وهي تفزع منه: قد تكظم البزل [[البزل: جمع بازل وهي البعير الذي دخل في التاسعة وفطر نابه.]] منه حين تبصره ... حتى تقطع في أجوافها الجرر [[تفسير القرطبي: 4/ 206.]] ومنه قيل: رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غضبا وغما وحزنا. قال الله تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [[سورة يوسف: 84.]] وقال: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [[سورة النحل: 58.]] وقال: إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ [[سورة القلم: 48.]] وقال: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ [[سورة غافر: 18.]] . وقال عبد المطلب بن هاشم: فحضضت قومي فاحتبست قتالهم ... والقوم من خوف المنايا كظم [[تفسير القرطبي: 9/ 249.]] وفي الحديث: «ما من جرعة أحمد عقبانا من جرعة غيظ مكظومة» [143] [[لسان العرب: 1/ 617.]] . وروى سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من كظم الغيظ وهو يقدر على إنفاذه دعاه الله يوم القيامة على رؤس الخلائق حتى يخيّره من أي الحور يشاء» [144] [[سنن الترمذي: 3/ 251، ح 2090.]] . أنشدنا أبو القاسم محمد بن حبيب قال: أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح قال: أنشدنا ابن أبي الزنجي ببغداد قال: أنشدنا العرجي: وإذا غضبت فكن وقورا كاظما ... للغيظ تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا تصبر ساعة ... يرضى بها عنك الإله وترفع [[تفسير القرطبي: 4/ 208.]] أي يرفع قدرك. وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ. قال الرباحي والكلبي: عن المملوكين، وقال زيد بن أسلم ومقاتل: عمّن ظلمهم وأساء إليهم، وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: بلغنا أن رسول الله ﷺ‎ قال عند ذلك: «إن هؤلاء في أمتي قليل إلّا من عصم الله وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت» [[تفسير القرطبي: 4/ 207.]] [145] . وعن أبي هريرة أن أبا بكر (رضي الله عنه) كان مع النبي ﷺ‎ في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر وهو ساكت والنبي ﷺ‎ يبتسم، ثم ردّ أبو بكر (رضي الله عنه) عنه بعض الذي قال، فغضب النبي ﷺ‎ وقام فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله شتمني وأنت تبتسم ثم رددت عليه بعض ما قال فغضبت وقمت، فقال: «إنك حين كنت ساكتا كان معك ملك يرد عنك فلما تكلمت وقع الشيطان فلم أكن لأقعد في مقعد يقعده الشيطان،. ثمّ قال.: يا أبا بكر ثلاث كلّهن حق: أنه ليس عبد يظلم بمظلمة فيعفوا عنها إلّا أعز الله نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد به كثرة إلّا زاده الله قلة وليس عبد يفتح باب عطية أو صلة إلّا زاده الله بها كثرة» [146] [[مسند أحمد: 2/ 436.]] . وقال عروة بن الزبير: لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا، وإن عزّوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مشرقة ... لا صفح ذل ولكن صفح أحلام [[تفسير الطبري: 4/ 127.]] وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. قال مقاتل: يعني إن هذه الأشياء إحسان ومن فعل ذلك فهو محسن وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. قال الحسن: الإحسان أن يعمّ ولا يخص كالريح والشمس والمطر. سفيان الثوري: الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، فإن الإحسان إلى المحسن [مزاجرة] [[هكذا في الأصل.]] كلمة السوق خذ وهات. السقطي: الإحسان أن يحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان. أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو العباس عبد الله بن محمد الجماني: ليس في كل ساعة وأوان ... تتهيأ صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذرا من تعذر الإمكان [[تفسير القرطبي: 4/ 209، سير أعلام النبلاء: 13/ 200.]] ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ‎: «رأيت قصورا مشرفة على الجنة فقلت يا جبرئيل لمن هذه؟ قال: ل الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» [147] [[كنز العمال: 3/ 375.]] . إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية. قال ابن عباس: قال المؤمنون يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منّا، كان أحدهم إذا ذنب ذنبا أصبحت كفارة ذنبهم مكتوبة في عتبة بابه اجدع أنفك وأذنك، افعل كذا، فسكت رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ‎: «ألا أخبركم بخير من ذلك» فقرأ عليهم هذه الآيات [[تفسير الطبري: 4/ 127.]] . وقال عطاء: نزلت هذه الآية في نبهان التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فهل لك فيه؟ قالت: نعم، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبّلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم على ذلك فأتى النبي ﷺ‎ وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي: آخا رسول الله ﷺ‎ بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذه منه دخل على أثرها فدخلت المرأة بيتا فتبعها فاتقته بيدها، فقبّل يدها ثم ندم وانصرف، فقالت له: والله ما حفظت غيبة أخيك ولا نلت حاجتك، فخرج الأنصاري ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله. فقالت: لا أكثر الله في الاخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، وطلبه الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر (رضي الله عنه) رجاء أن يجدا راحة عنده فخرجا، وقال الأنصاري: هلكت، قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة، فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم، ثم لقى عمر (رضي الله عنه) فقال: مثل ذلك، فأتيا النبي ﷺ‎ فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً هي صفة لاسم متروك تقديره: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني قبيحة خارجة عمّا أذن الله فيه، وأصل الفحش القبيح والخروج عن الحد، ولذلك قيل للمفرط في الطول أنه فاحش الطول، والكلام القبيح غير [القصد] فالكلام فاحش والمتكلم به مفحش. قال السدي: يعني بالفاحشة هاهنا الزّنا، يدل عليه ما روى حماد بن ثابت عن جابر وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قال: زنى القوم وربّ الكعبة، أو ظلموا أنفسهم بالمعصية. وقال مقاتل والكلبي: وهو ما دون الزنا من قبله أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل. الأصم: فعلوا فاحشة الكبائر أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالصغائر، وقيل: فَعَلُوا فاحِشَةً فعلا وظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ قولا. ذَكَرُوا اللَّهَ قال الضحاك: ذكروا العرض الأكبر على الله عزّ وجلّ، مقاتل والواقدي: تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه، مقاتل بن حيان: ذَكَرُوا اللَّهَ باللسان عند الذنوب فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ أي وهل يغفر الذنوب إلّا الله وما يغفر الذنوب إلّا الله فلذلك رفع. وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا واختلفوا في معنى الإصرار: فقال أكثر المفسرين: معناه لم يقيموا ولم يدوموا ولم يثبتوا عليه، ولكنهم تابوا وأقرّوا واستغفروا. قتادة: إيّاكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدما قدما في معاصي الله، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرّمه الله، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك. وقال الحسن: إتيان العبد ذنبا عمدا إصرارا، السدي: الإصرار السكوت وترك الاستغفار، وفي الخبر قال رسول الله ﷺ‎: «ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» [[مسند أبي يعلى: 1/ 124.]] [148] . وروى عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «ليس كبيرة بكبيرة مع الاستغفار وليس صغيرة بصغيرة مع الإصرار» [[مسند الشهاب: 2/ 204.]] [149] وأصل الإصرار الثبات على الشيء. قال الحطيئة: يصف الخيل: عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا ... غلالتها بالمحصدات أصرّت [[تفسير القرطبي: 4/ 211.]] أي ثبتت على عدوّها، نظم الآية: ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ... وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ... ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ. قال ابن عباس والحسن ومقاتل وابن يسار: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنها معصية. الضحاك: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن الله يملك مغفرة ذنوبهم. السدي: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم قد أذنبوا. وقيل: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن الإصرار ضار، فإن ترك الإصرار خير من التمادي، كما قيل: أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه ... إن الجحود الذنب ذنبان [[تفسير القرطبي: 4/ 213.]] وقال الحسين بن الفضل: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن لهم ربّا يغفر الذنوب، وإنما اقتبس هذا من قول النبي ﷺ‎: «من أذنب ذنبا وعلم أن له ربّا يغفر الذنوب غفر له وإن لم يستغفر» [[تفسير القرطبي: 4/ 212. بتفاوت.]] [150] . وقال ﷺ‎: «يقول الله عزّ وجلّ: من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي» [[المصنف- الكوفي-: 7/ 90.]] [151] . وقال عبيد بن عمير: في بعض الكتب المنزلة: يا بن آدم إنك ما دعوتني وما رجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي. وروى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ‎: «مرّ رجل ممّن كان قبلكم في بني إسرائيل بجمجمة فنظر إليها فحدث نفسه بشيء ثم قال: أنت أنت وأنا أنا، أنت العواد بالمغفرة وأنا العواد بالذنوب ثم خرّ لله ساجدا، فقيل له ارفع رأسك فأنا العواد بالمغفرة وأنت العواد بالذنوب فرفع رأسه فغفر له» [[تاريخ بغداد: 9/ 94، كنز العمال: 4/ 225، ح 10276.]] [152] . وقيل: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم إن استغفروا غفر لهم وإن التوبة تمحق الحوبة. أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي إلى الْعامِلِينَ ثواب المطيعين. يقال: أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) أن يا موسى ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، يا موسى كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي. وقال شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب. وقال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً الآية إلى آخرها. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ، قال ابن زيد: أمثال. المفضّل: أمم، والسنّة الأمّة. قال الشاعر: ما عاين الناس من فضل كفضلكم ... ولا رأوا مثلكم في سالف السنن [[تفسير القرطبي: 4/ 216. بتفاوت.]] وقال بعضهم: معناه أهل السنن، وقال عطاء: شرائع، الكلبي: قد مضت لكل أمة سنّة ومنهاج إذا ابتغوها رضي الله عنهم، مجاهد: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ بالهلاك فيمن كذب قبلكم، والسنّة في اللغة: المثال المتبع والإمام المؤتم به، فقال: سنّ فلان سنّة حسنة أو سنّة سيئة إذا عمل عملا يقتدى به من خير أو شر. قال لبيد: من معشر سنّت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنّة وإمامها [[تفسير القرطبي: 4/ 216.]] قال سليمان بن قبة: وإن الألى بالطف من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التآسيا [[تفسير الطبري: 4/ 134، لسان العرب: 14/ 35.]] ومعنى الآية: قد مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية المكذبة الكافرة سنن بإمهالي واستدراجي إياهم حتى بلغ الكتاب فيهم أجلي على الذي أجلته لأدلة أنبيائي وإهلاكهم. فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ آخر أمرهم الْمُكَذِّبِينَ منهم، وهذا في يوم أحد. يقول: فإذا أمهلهم واستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي ﷺ‎ وأوليائه وهلاك أعدائه، هكذا قال ابن إسحاق هذا الذي ذكرت. هذا القرآن بَيانٌ لِلنَّاسِ عامة وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ من الجهالة لِلْمُتَّقِينَ خاصّة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب