الباحث القرآني

وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً. قرأ ابن كثير (ءاتيتم) مقصور غير ممدود لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ. قرأ الحسن وعكرمة وأهل المدينة لتربوا بضمّ التاء وجزم الواو وعلى الخطاب أي لتربوا أنتم، وهي قراءة ابن عبّاس واختيار يعقوب وأيّوب وأبي حاتم. وقرأ الآخرون (لّيربوا) بياء مفتوحة ونصب الواو وجعلوا الفعل للربا. واختاره أبو عبيد لقوله: فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ ولم يقل فلا يربى. واختلف المفسّرون في معنى الآية. فقال سعيد ابن جبير ومجاهد وطاوس وقتادة والضحاك: هو الرجل يعطي الرجل العطية ويهدي الهدية ليثاب أكثر منها، فهذا ربا حلال ليس فيه أجر ولا وزر، وهذا للناس عامّة، فأمّا النبيّ ﷺ‎ خاصّة فكان هذا عليه حراما لقوله عزّ وجلّ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [[سورة المدثر: 6.]] . وقال الشعبي: هو الرجل يلزق بالرجل فيحف له ويخدمه ويسافر معه فيجعل له ربح ماله ليجزيه وإنّما أعطاه التماس عونه ولم يرد به وجه الله. وقال النخعي: هذا في الرجل يقول للرجل: لأمولنّك فيعطيه مراعاة، وكان الرجل في الجاهلية يعطي ذا القرابة له المال ليكثر ماله، وهي رواية أبي حسين [[في نسخة أصفهان: أبي حصن.]] عن ابن عبّاس. وقال السدي: نزلت في ثقيف كانوا يعطون الربا. فَلا يَرْبُوا يزكو عِنْدَ اللَّهِ لأنّه لم يرد به وجه الله. وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ قال قتادة: هذا الذي يقبله الله ويضاعفه له عَشْرُ أَمْثالِها وأكثر من ذلك. ومعنى قوله: (الْمُضْعِفُونَ) . أهل التضعيف. كقول العرب: أصبحتم مسمنين، إذا سمنت إبلهم، ومعطشين إذا عطشت. ورجل مقو إذا كانت إبله قويّة، ومضعف إذا كانت ضعيفة، ومنه الخبيث المخبّث أي أصحابه خبّثا. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ أي قحط المطر ونقص الغلّات وذهاب البركة فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تقول: أجدبت البرّ وانقطعت مادّة البحر بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ بشؤم ذنوبهم. قال قتادة: هذا قبل أن يبعث الله نبيّه (عليه السلام) امتلأت الأرض ظلما وضلالة، فلمّا بعث الله عزّ وجلّ محمّدا (ﷺ‎) رجع راجعون من الناس. فالبرّ أهل العمود والمفاوز والبراري، والبحر أهل الرّيف والقرى. قال مجاهد: أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كلّ قرية على ماء جار فهو بحر. وقال عكرمة: العرب تسمّي الأمصار بحرا. وقال عطية وغيره: البرّ ظهر الأرض، الأمصار وغيرها، والبحر هو البحر المعروف. وقال عطية: إذا قلّ المطر قلّ الغوص. وقال ابن عبّاس: إذا مطرت السماء تفتح الأصداف فمها في البحر فما وقع فيها من ماء السماء فهو لؤلؤ. وقال الحسن: البحر القرى على شاطئ البحر. قال ابن عبّاس وعكرمة ومجاهد: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ بقتل ابن آدم أخاه وَالْبَحْرِ بالملك الجائر الذي كان يأخذ كلّ سفينة غصبا واسمه الجلندا، رجل من الأزد. لِيُذِيقَهُمْ قرأ السلمي بالنون وهو اختيار أبي حاتم. الباقون بالياء بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا أي عقوبة بعض الذي عملوا من ذنوبهم لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن كفرهم وأعمالهم الخبيثة. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ يتفرّقون، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.. مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ يفرشون ويسوّون المضاجع في القبور. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ ثوابه إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ. قوله: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ نعمته المطر. وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ رزقه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أشركوا كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ في العاقبة، فكذلك نحن ناصروك ومظفروك على من عاداك وناواك. قال الحسن: يعني أنجاهم مع الرسل من عذاب الأمم. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الدينوري، قال أبو العبّاس أحمد بن محمد بن يوسف الصرصري، عن الحسين بن محمد المطبقي، عن الربيع بن سليمان، عن علي ابن معبد عن موسى بن أعين، عن بشير بن أبي سليمان، عن عمرو بن مرّة عن شهر بن حوشب [عن أمّ الدرداء] عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «ما من امرئ يردّ عن عرض أخيه إلّا كان حقّا على الله سبحانه أن يردّ عنه نار جهنّم يوم القيامة» [179] [[كنز العمال: 3/ 418- بتفاوت يسير.]] ، ثمّ تلا هذه الآية: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً أخبرني ابن فنجويه عن مخلد الباقرحي، عن الحسن بن علوية، عن إسماعيل بن عيسى، عن إسحاق بن بشر، أخبرنا إدريس أبو الياس، عن وهب بن منبه: أنّ الأرض شكت إلى الله عزّ وجلّ أيّام الطوفان لأنّ الله عزّ وجلّ أرسل الماء بغير وزن ولا كيل فخرج الماء غضبا لله عزّ وجلّ فخدش الأرض وخدّدها فقالت: يا ربّ إنّ الماء خدّدني وخدشني، فقال الله عزّ وجلّ فيما بلغني- والله أعلم- إنّي سأجعل للماء غربالا لا يخدّدك ولا يخدشك، فجعل السّحاب غربال المطر. فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ردّ الكناية إلى لفظ السحاب لذلك ذكرها. والسحاب جمع كما يقال: هذا تمر جيّد وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً قطعا متفرّقة. فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وسطه. وقرأ ابن عبّاس من خلله. فَإِذا أَصابَ بِهِ أي بالودق مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كانوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ وقيل: وما كانوا إلّا. قال قطرب والفائدة في تكرار قبل هاهنا أنّ الأولى للإنزال والثّانية للمطر، وقيل على التأكيد، كقول الله عزّ وجلّ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ [[آل عمران: 188.]] كرّر تحسبنّ للتأكيد. وقال الشاعر: إذا أنا لم أؤمن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلّا من وراء وراء [[الصحاح: 6/ 2523.]] وفي حرف ابن مسعود لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا بمفازة من العذاب غير مكرّر، وفي حرفه أيضا: وإن كانوا من قبل أن ينزّل عليهم لمبلسين غير مكرّر. قوله عزّ وجلّ: فَانْظُرْ إِلى آثارِ بالألف على الجمع- أهل الشام والكوفة. واختلف فيه عن أصم، غيرهم: أثر على الواحد رَحْمَتِ اللَّهِ يعني المطر كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من البعث وغيره. وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً باردة مضرّة فأفسدت ما أنبت الغيث فَرَأَوْهُ يعني الزرع والنبات كناية عن غير مذكور مُصْفَرًّا يابسا بعد خضرته ونضرته لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ وقد رأوا هذه الآيات الواضحات، ثمّ ضرب لهم مثلا فقال: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب