الباحث القرآني

قوله عز وجل: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً عامة لِلنَّاسِ كلهم العرب والعجم وسائر الأمم. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدثنا علي بن حرب قال: حدثنا ابن فضيل قال: حدثنا (يزيد بن أبي زياد عن مجاهد ومقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ‎ قال: «أعطيت خمسا ولا أقول فخرا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأحل لي المغنم ولم يحل لأحد كان قبلي، ونصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة فادّخرتها لأمتي يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة من لم يشرك بالله شيئا» [37] . وقيل: معناه كافّ للناس. يكفّهم عما هم عليه من الكفر، ويدعوهم إلى الإسلام، والهاء فيه للمبالغة. بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب، ثم أخبر حالهم في مآلهم، فقال: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ: الكافرون مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يتلاومون ويحاور بعضهم بعضا يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ. وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي مكركم بنا. فهما كما يقال: عزم الأمر وفلان نهاره صائم وليله قائم. قال الشاعر: ونمت وما ليل المطي بنائم وقيل: مكر الليل والنهار بهم طول السلامة فيهما كقوله: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ [[الحديد/ 16.]] ، ونحوه. إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ... ، نَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا: أظهروا النَّدامَةَ، وهو من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء، والإبداء لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ: الجوامع من النار فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا: الأتباع والمتبوعين، هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا؟ وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ: رسول إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها: رؤساؤها وأغنياؤها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ. وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً منكم، ولو لم يكن راضيا بما نحن عليه من الدين والعمل لم يخوّلنا الأموال والأولاد. وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ، وليس يدل ذلك على العواقب والمنقلب، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنها كذلك. وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ: لكن من آمن وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا من الثواب بالواحد عشرة، و (من) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون محله نصبا بوقوع تقرب عليه، والآخر: رفع تقديره: وما هو إلّا من آمن. وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ الدرجات آمِنُونَ. وقراءة العامة: جَزاءُ الضِّعْفِ بالإضافة، وقرأ يعقوب: (جَزاءً) منصوبا منوّنا. الضعف رفع مجازه: فأولئك لهم الضعف جزاء على التقديم والتأخير، وقراءة العامة: الْغُرُفاتِ بالجمع، واختاره أبو عبيد قال: لقوله: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً [[سورة العنكبوت: 58.]] ، وقرأ الأعمش وحمزة: (في الغرفة) على الواحدة. وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ: يعملون فِي آياتِنا بإبطال حججنا وكتابنا، ومُعاجِزِينَ معاونين معاندين يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم ويعجزوننا، أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ. قال سعيد بن جبير: ما كان من غير إسراف ولا تقتير فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير والبر من نفقة فَهُوَ يُخْلِفُهُ إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخر له في الآخرة. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله قال: حدثنا أبي قال: حدثنا علي بن داود القنطري قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن عمرو بن الحرث عن أبي يونس مولى أبي هريرة عن رسول الله ﷺ‎ أنه قال: «إنّ الله عزّ وجل قال لي: أنفق أنفق عليك» [38] [[فتح الباري: 9/ 411، تفسير القرطبي: 6/ 240.]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا ابن شاذان عن جعونة بن محمد قال: حدثنا صالح ابن محمد عن سليمان بن عمرو عن ابن حزم عن أنس بن مالك أنّ النبي ﷺ‎ قال: «ينادي مناد كلّ ليلة: لدوا للموت وينادي مناد: ابنوا للخراب، وينادي مناد: اللهمّ هب للمنفق خلفا، وينادي مناد: اللهم هب للممسك تلفا، وينادي مناد: ليت الناس لم يخلقوا، وينادي مناد: ليتهم إذ خلقوا فكروا فيما له خلقوا» [39] [[تفسير مجمع البيان: 8/ 222.]] . وأخبرني الحسين بن محمد الحافظ قال: حدثنا موسى بن محمد قال: حدثنا الحسن بن علويه قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدثنا المسيب، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرّحمن عن أبيه قال: قال عمر لصهيب: إنك رجل لا تمسك شيئا، قال: إني سمعت الله عز وجل يقول: ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ. وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، وأخبرني أبو سفيان الثقفي قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا الحسن بن داود الخشاب قال: حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا عبد الحميد بن الحسن عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كل معروف صدقة وما أنفق الرجل على نفسه وأهله فهو له صدقة وما وقى به عرضه فهو صدقة، وما أنفق المؤمن من نفقة فإنّ خلفها على الله ضامن إلّا ما كان نفقة في بنيان أو معصية» [40] [[نصب الراية: 4/ 415.]] . قال عبد الحميد: فقلت لمحمد: ما معنى «ما يقي به الرجل عرضه» ؟ قال: يعطي الشاعر أو ذا اللسان المتّقى. وقال مجاهد: إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول هذه الآية وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ فإنّ الرزق مقسوم، فلعل رزقه قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه، ومعنى الآية (ما كان من خلف فهو منه) ، وربما أنفق الإنسان ماله أجمع في الخير ثم لم يزل عائلا حتى يموت، ولكن ما كان من خلف فهو منه، ودليل تأويل مجاهد ما أخبرني أبو سفيان الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن الحسين بن بشير قال: أخبرني أبو بكر بن أبي الخصيب قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا عمرو بن الحصين قال: حدثنا ابن علانة- وهو محمد- عن الأوزاعي عن ابن أبي موسى عن أبي أمامة قال: إنكم تؤوّلون هذه الآية على غير تأويلها وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ. وسمعت رسول الله ﷺ‎ يقول وإلّا فصمتا: «إياكم والسّرف في المال والنفقة، وعليكم بالاقتصاد، فما افتقر قوم قط اقتصدوا» [41] [[كنز العمال: 3/ 53 ح 5454.]] . وقال (عليه السلام) : «ما عال من اقتصد» [[مسند أحمد: 1/ 447.]] [42] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم بن هاشم البغوي قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا عاصم بن خالد قال: أخبرني أبو بكر قال: حدثنا حمزة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ‎ قال: «من فقه الرجل رفقه في معيشته» [43] [[مجمع الزوائد: 4/ 74.]] . وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وإنما جاز الجمع لأنه يقال: رزق السلطان الجند، وفلان يرزق عياله، كأنه قال: وهو خير المعطين. وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يعني هؤلاء الكفّار ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ في الدّنيا؟ فتتبرأ منهم الملائكة فتقول: سُبْحانَكَ: تنزيها لك. أَنْتَ وَلِيُّنا: ربنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أي يطيعون إبليس وذريته وأعوانه في معصيتك. أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ: مصدقون. قال قتادة: هو استفهام تقديره كقوله لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي ... [[سورة المائدة: 116.]] . فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا: شفاعة ولا عذابا، وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ في الدّنيا فقد وردتموها. وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا يعني محمدا (عليه السلام) إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً يعنون القرآن وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَما آتَيْناهُمْ هؤلاء المشركين مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها يقرءونها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ. وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم رسلنا وتنزيلنا وَما بَلَغُوا يعني هؤلاء المشركين مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ يعني مكذبي الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ: إنكاري وتغيري عليهم، يحذر كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية. قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ آمركم وأوصيكم بِواحِدَةٍ بخصلة واحدة وهي أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ لأجل الله و (أن) في محل الخفض على البيان من (واحدة) والترجمة عنها مَثْنى يعني اثنين اثنين متناظرين، وَفُرادى واحدا واحدا متفكرين ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا جميعا، والفكر: طلب المعنى بالقلب، فتعلموا، ما بِصاحِبِكُمْ محمد مِنْ جِنَّةٍ جنون كما تقولون، و (ما) جحد ونفي. إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ. قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ على تبليغ الرسالة والنصيحة مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي ما ثوابي إلّا على الله وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ: يرمي ويأتي بِالْحَقِّ ينزله من السماء إلى خير الأنبياء، عَلَّامُ الْغُيُوبِ رفع بخبر إن.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب