الباحث القرآني

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ الآية، وذلك أن أوس بن ثابت الأنصاري توفى وترك امرأة يقال لها: أم كحة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصيّاه. واختلف في اسميهما فقال الكلبي وقتادة: عرفطة، وقال غيره: سويد وعرفجة. فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا. وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، وإنما كانوا يورثون الرجال الكبار، فكانوا يقولون: لا نعطي إلّا من قاتل على ظهر الخيل وجاز القسمة. قال: فجاءت أم كحة إلى رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات له ثلاثا وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة، فلم يعطياني ولا بناته من المال شيئا وهنّ في حجري، ولا يطعمن ولا يسقين ولا يرفع لهن رأس. فدعاهما رسول الله ﷺ‎ فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلأ ولا ينكأ عدوا. فقال رسول الله ﷺ‎: «انصرفوا حتى أنظر ماذا يحدث الله لي فيهن» [[أسباب النزول: 96.]] [246] فانصرفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية. لِلرِّجالِ يعني الذكور من أولاد الميت وأقربائه نَصِيبٌ وحظ وسهم مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من الميراث، والإناث لهن حصّة من الميراث. مِمَّا قَلَّ مِنْهُ المال أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً حظا معلوما واجبا، نظيرها فيما قال: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [[سورة النساء: 118.]] وهو نصب لخروجه مخرج المصدر كقول القائل: لك عليّ حق حقا واجبا، وعندي درهم هبة مقبوضة، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: هو نصب على الخروج، الكسائي: على القطع، الأخفش: جعل ذلك نصيبا فأثبت لهم في الميراث حقا، ولم يبيّن كم هو. - فأرسل رسول الله ﷺ‎ إلى سويد وعرفجة: «لا تفرّقا من مال أوس بن ثابت شيئا، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا ممّا ترك ولم يبين كم هو، حتى ننظر ما ينزل الله عزّ وجلّ فيهن» ، فأنزل الله عزّ وجلّ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى قوله ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فلما نزلت أرسل رسول الله إلى سويد وعرفجة: «أن ادفعا إلى أم كحة الثمن ممّا ترك وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال» [[تفسير القرطبي: 5/ 47.]] . وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة المواريث أُولُوا الْقُرْبى الذين لا يرثون وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي فارضوهم من المال قبل القسمة، واختلف العلماء في حكم هذه الآية: فقال قوم: هي منسوخة. وقال سعيد بن المسيب والضحاك وأبو مالك: كانت هذه قبل آية المواريث، فلما نزلت آية الميراث جعلت الميراث لأهلها الوصية ونسخت هذه الآية، وجعلت لذوي القربى الذين يحزنون ولا يرثون اليتامى والمساكين، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس. وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول الأشعري والنخعي والشعبي والزهري ورواية عكرمة ومقسم عن ابن عباس. وقال مجاهد: واجبة على أهل الميراث ما طابت بها أنفسهم. قتادة عن الحسن: ليست بمنسوخة ولكن الناس شحوا وبخلوا. وروى عبد الرزاق عن معمّر عن هشام بن عروة: أن أباه أعطاه من ميراث مصعب حين قسم ماله، قاله الحسن. وقال التابعون: كانوا يعطون التابوت والأواني وباقي المتاع والثياب، والشيء الذي يستحي من قسمته، فإن كان بعض الورثة طفلا، فاختلفوا: فقال ابن عباس والسدي وغير هما: إذا حضر القسمة هؤلاء، فإن كان الميّت أوصى لهم بشيء أنفدت لهم وصيته، وإن كانت الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانت صغارا اعتذروا إليهم، فيقول الولي والوصي: إني لا أملك هذا إنما هو لهؤلاء الضعفاء الصغار الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، ولو كان لي من الميراث شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم، وإن ماتوا فورثناهم أعطيناكم حقكم، وهذا هو القول المعروف. وقال سعيد بن جبير: هذه الآية ممّا يتهاون به الناس، هما وليان: وليّ يرث وهو الذي يعطي ويكسي، ووليّ لا يرث وهو الذي يقال له قول المعروف. وقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كبارا تولوا إعطاءهم، وإن كانوا صغارا تولى إعطاء ذلك وليّهم. روى محمد بن سيرين: أن عبيدة السلماني قسّم أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاما لأهل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. روى قتادة عن يحيى بن يعمر قال: تلك آيات محكمات مدنيات تركهن الناس، هذه الآية وآية الاستئذان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [[سورة النور: 58.]] وقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [[سورة الحجرات: 13.]] . وقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب لا على الحتم والإيجاب، وهو أول الأقاويل بالصواب. وقال ابن زيد وغيره: هذا في الوصية لا في الميراث، كان الرجل إذا أوصى قال: فلان ماله أمر أن يوصي بثلث ماله لمن سمّى الله في هذه الآية. وروى ابن أبي مليكة عن أسماء بنت عبد الرحمن وأبي بكر والقاسم بن محمد بن أبي بكر: أخبرا أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسّم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حيّة، قالا: فلم يترك في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلّا أعطاهم من مال أبيه، وتلا هذه الآية وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ. قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب، ليس ذلك له إنما ذلك في الوصية. وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا الآية. قال أكثر المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت فيقول من بحضرته عند وصيته: أنظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا، فقدّم لنفسك أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا حتى يأتي على عامّة ماله ويستغرقه ولا يبقي لورثته شيئا، فنهاهم الله عزّ وجلّ من ذلك وأمر هم أن يأمروه أن يبقي لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث ولا يجحف بورثته، كما لو كان هذا الميت هو الموصي، لسرّه أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده ولا يدعهم عالة مع ضعفهم، ويجرهم إلى التصرّف والحيلة. وقال مقسم الحضرمي: الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته: اتق الله وأمسك عليك مالك فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية لأقربائه ولليتامى والفقراء، ولو كان هذا هو الموصي لسرّه أن يوصي لهم. وقال الكلبي: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه، فليقل وليفعل خيرا وليأت إليه ما يحب أن يفعل بذريته من بعده. وهي رواية عطية عن ابن عباس. وقال الشعري: كنّا بالقسطنطينيّة أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محبرين وابن الديلمي وهاني بن مكتوم، وجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فضقت ذرعا لما سمعت فقلت لابن الديلمي: يا أبا بشير عليّ ودّي أنه لا يولد لي ولد أبدا قال: فضرب بيده على منكبي وقال: يا ابن أخي لا تفعل فإنه ليست من قسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلّا وهي خارجة شئنا أو أبينا، ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجّاك الله منه، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟ قلت: بلى فتلا هذه الآية، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً والسديد العدل والصواب من القول إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الآية. قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان يقال له مرثد بن زيد، ولّي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله فأنزل الله عزّ وجلّ فيه إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً حراما بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً أخبر عن ماله وأخبر عن حاله، والعرب تقول للشيء الذي يؤدى إلى الشيء: هذا كذا لما يؤدى إليه، مثل قولهم: هذا الموت، أي يؤدي إليه. وقال النبي ﷺ‎: في الشارب من أواني الذهب والفضة «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» [[تفسير القرطبي: 16/ 112، تفسير ابن كثير: 1/ 212.]] [247] . وقال (عليه السلام) : «البحر نار في نار» [[تفسير القرطبي: 18/ 211.]] [248] أي عاقبتها كذلك، وذكر البطون تأكيدا كما يقال: نظرت بعيني وقلت بلساني وأخذت بيدي ومشيت برجلي وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً وقودا. قرأه العامة بفتح الياء، أي يدخلون، تصديقها إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقوله: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى [[سورة الليل: 15.]] . وقرأ أبو رجاء والحسن وابن عامر وعاصم وأبو جعفر: بضم الياء، أي يدخلون النار ويحرقون نظيره، قوله: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [[سورة المدثر: 26.]] وقوله: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً [[سورة النساء: 30.]] . وقرأ حميد بن قيس: (وسيصلّون) بضم الياء وتشديد اللام، من التصلية، لكثرة الفعل، أي مرّة بعد مرّة، دليله قوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [[سورة الحاقة: 31.]] وكل صواب، يقال: صليت الشيء إذا شويته. وفي الحديث: أتى بشاة مصلية، فاصليته ألقيته في النار، وصليته مرّة بعد مرّة ، وصليت بكسر اللام دخلت النار وتصلّيت استدفأت بالنار. قال الشاعر: وقد تصليت حرّ حربهم ... كما تصلّى المقرور من قرس [[تفسير القرطبي: 5/ 54.]] . وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلما يوم القيامة، ولهب النار ودخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه يأكل مال اليتيم. وقال النبي ﷺ‎: «رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل إحداهما عالية على منخريه وأخرى على بطنه، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها، ثم يخرج من أسافلهم، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً» [[تفسير الطبري: 4/ 263، (بتفاوت) .]] [249] . يُوصِيكُمُ اللَّهُ. فصل في بسط الآية اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون النساء والأطفال، فأبطل الله عزّ وجلّ ذلك بقوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية، وبدأ الإسلام بالمحالفة قال الله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ يعني الحلفاء فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم صارت بعد الهجرة، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [[سورة الأنفال: 72.]] فنسخ هذا كله وصارت الوراثة على وجهين: بالسبب والنسب، فأما السبب فهو النكاح والولاء، وهذا علم عريض لذلك. قال رسول الله ﷺ‎: «عليكم بالفرائض فإنها نصف العلم وهو أول علم ينزع من أمتي» [[فتح الباري: 12/ 4، كنز العمال: 11/ 3 بتفاوت يسير.]] [250] . ولا يمكن معرفة ذلك إلّا بمعرفة الورثة والسهام، وقد أفردت فيه قولا وجيزا جامعا كما يليق بشرط الكتاب والله الموفق للصواب. اعلم أن الميت إذا مات يبدأ أولا بالتجهيز ثم بقضاء ديونه ثم بإنفاذ وصاياه، فما فضل يقسّم بين الورثة، والورثة على ثلاثة أقسام: منهم من يرث بالفرض، ومنهم من يرث بالتعصيب، ومنهم من يرث بهما جميعا، فصاحب الفرض: من له سهم معلوم ونصيب مقدّر، مثل البنات والأخوات والأمهات والجدّات والأزواج والزوجات، وصاحب التعصيب: من يأخذ جميع المال عند عدم أصحاب الفروض، أو يأخذ الفاضل منهم ويكون محروما إذا لم يفضل من أصحاب السهام شيء، مثل الأخ والعم ونحوهما، والذي يرث بالوجهين: هو الأب مع البنت وبنت الابن، يأخذ نصيبه المقدر وهو السدس، ثم يأخذ ما فضل منهما وجملة الورثة سبعة عشر، عشرة من الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل والأب وأب الأب وإن علا والأخ وابن الأخ والعم وابن العم والزوج ومولى العتاق، ومن النساء سبع: البنت وبنت الابن والأم والجدّة والأخت والزوجة ومولاة العتاق، والذين لا يسقطهم من الميراث أحد الستة، الأبوان والولدان والزوجان. والعلة في ذلك: أنه ليست بينهم وبين الميت واسطة، والذين لا يرثون بحال ستة: العبد والمدبّر والمكاتب وأم الولد وقاتل العمد وأهل الملتين، والسهام المحدودة في كتاب الله عزّ وجلّ ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. والنصف فرض خمسة: بنت الصلب، وبنت الابن إذا لم يكن بنت الصلب، والأخت للأب والأم، والأخت للأب إذا لم يكن الأخت للأب والأم، والزوج إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والربع فرض اثنين: الزوج إذا كان للميت ولد أو ولد ابن، والزوجة والزوجات إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والثمن فرض واحد: الزوجة والزوجات إذا كان للميت ولد أو ولد ابن. والثلثان فرض كل اثنين فصاعدا ممّن فرضه النصف. والثلث فرض ثلاثة: الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن ولا اثنان من الأخوة والأخوات إلّا في مسألتين: أحد هما زوج وأبوان، والأخرى امرأة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج، وهو في الحقيقة سدس جميع المال، والزوجة وهو ربع جميع المال، وفرض الاثنين من ولد الأم ذكورهم وإناثهم سواء، وفرض الجدّ مع الأخوة والأخوات إذا كانت المقاسمة خيرا له من الثلث. والسدس فرض سبعة: بنت الابن مع بنت الصلب، والأخت للأب مع الأخت للأب والأم، والواحد من ولد الأم، والأم إذا كان للبنت ولدا، وولد ابن أو اثنان من الأخوة والأخوات، وفرض الجدة والجدات وفرض الأب مع الولد وولد الابن [....] [[بياض في الأصل.]] مع الابن وابن الابن، وأما العصبات فأقربهم البنون ثم بنوهم ثم بنو بنيهم وإن سفلوا [ ... ] [[بياض في الأصل.]] أخواتهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، ثم الأب وله ثلاثة أحوال: حال ينفرد بالتعصيب، وهو مع عدم الولد وولد الابن، وحال ينفرد بالفرض، وهو مع الابن أو ابن الابن، وحال يجمع له الفرض والتعصيب، وهو مع البنت وابنة الابن، ثم الجد إن لم يكن له أخوة، وإن كان له أخوة قاسمهم، ثم الأخوة والأخوات للأب والأم، ثم الأخوة والأخوات للأب يقسمون المال بينهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والواحدة منهن عصبة مع البنات، وسائر العصبات ينفرد ذكورهم بالتعصيب، دون الإناث، ثم بنو الأخوة للأب والأم، ثم بنو الأخوة للأب، ثم الأعمام للأب والأم، ثم الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم أعمام الأب كذلك، ثم أعمام الجد، على هذا الترتيب لا يرث بنو أب أعلى وبنو أب أقرب منهم موجود، ثم مولى العتق، ثم عصبته على هذا الترتيب، فهذه جملة من هذا العلم. رجعنا إلى تفسير الآية، اختلف المفسرون في سبب نزولها: فأخبر محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: مرضت فعادني رسول الله ﷺ‎ وأبو بكر (رضي الله عنه) وهما يتمشيان، فأغشي عليّ فدعا بماء فتوضأ ثم صبّه عليّ فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أمضي في مالي؟ كيف أصنع في مالي؟ فسكت رسول الله ﷺ‎ فنزلت فيّ آية المواريث. وقال عطاء: استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد وترك امرأة وابنتين وأخا، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله ﷺ‎ فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد، وإن سعدا قتل يوم أحد معك شهيدا، وإن عمّهما أخذ مالهما ولا ينكحان إلّا ولهما مال، فقال رسول الله ﷺ‎: «ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك» [251] فأقامت حينا ثم عادت وشكت وبكت، فنزل على رسول الله ﷺ‎ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى آخرها. فدعا رسول الله ﷺ‎ عمّهما وقال: «أعط بنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» [[سنن الترمذي: 3/ 280، ارواء الغليل: 6/ 121- 122.]] [252] ، فهذا أول ميراث قسّم في الإسلام. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة وقد مضت القصة. وقال السدي: نزلت في عبد الرحمن أخي حسان الشاعر، وذلك أنه مات وترك امرأة وخمس أخوات، فجاء الورثة فأخذوا ماله ولم يعطوا امرأته شيئا، فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله آية المواريث. وقال ابن عباس: كانت المواريث للأولاد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله ذلك، وأنزل آية المواريث، فقال رسول الله ﷺ‎: «إن الله لم يرض بملك مقرب ونبي مرسل حتى تولى قسم التركات وأعطى كل ذي حق حقه ألا فلا وصية للوارث» [[مجمع البيان: 3/ 29، ولم يرد فيه ذيل الرواية.]] [253] وقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ أي يعهد إليكم ويفرض عليكم فِي أَوْلادِكُمْ أي في أمر أولادكم إذا متم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً يعني المتروكات فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فصاعدا يعني البنات فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ و (فوق) صلة، كقوله عزّ وجلّ: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [[سورة الأنفال: 12.]] . وَإِنْ كانَتْ يعني البنت واحِدَةً. قرأه العامة: نصب على خبر كان، ورفعهما أهل المدينة على معنى: إن وقعت واحدة، وحينئذ لا خبر له. فَلَهَا النِّصْفُ ثم قال: وَلِأَبَوَيْهِ يعني لأبوي الميت، كناية عن غير المذكور لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ أو ولدان، والأب هاهنا صاحب فرض فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ قرأ أهل الكوفة: (فَلِأِمِّهِ) بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بالضم على الأصل. فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ اثنين كانا أو أكثر ذكرانا أو إناثا فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ هذا قول عامة الفقهاء، وكان ابن عباس لا يحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة أخوة، وكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث وما بقي فللأب، اتبع ظاهر اللفظ. وروى: أن ابن عباس دخل على عثمان فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله عزّ وجلّ: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة؟ فقال عثمان: هل أستطيع نقض أمر قد كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار. وقول ابن عباس في هذا غير مأخوذ به، وأما الآية فإن العرب توقع اسم الجمع على التثنية، لأن الجمع ضمّ شيء إلى شيء، فأقل الجموع اثنان وأقصاها لا غاية له، قال الله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] . وتقول العرب: ضربت من زيد وعمرو، رؤوسهما فأوجعت من إخوتك ظهورهما. وأنشد الأخفش: لما أتتنا المرأتان بالخبر ... أن الأمر فينا قد شهر [[تفسير القرطبي: 5/ 73.]] قال الثعلبي: وأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد بن رمح الزيدي: ويحيى بالسلام غني قوم ... ويبخل بالسلام على الفقير أليس الموت بينهما سواء ... إذا ماتوا وصاروا في القبور [[تفسير القرطبي: 5/ 73، و 14/ 106.]] مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: (يوصى) بفتح الصاد، الباقون: بالكسر وكذلك الآخر. واختلفت الرواية فيهما عن عاصم، والكسر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأنّه جرى ذكر الميت قبل هذا، قال الأخفش: وتصديق الكسر يوصين ويواصون. آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً. قال مجاهد: في الدنيا، وقرأ بعضهم: (أيهما أقرب لكم نفعا) أي رفع بالابتداء، ولم يعمل فيه ال (ما) قبله، لأنه استفهام و (أقرب) خبره و (نفعا) نصب على التمييز، كأنه يقول: لا يدرون أي الوارثين والموروثين أسرع موتا فيرثه صاحبه، فلا تتمنوا موت الموروث ولا تستعجلوه. وقال ابن عباس: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله عزّ وجلّ يشفّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده في درجته ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله والديه إلى درجته ليقرّ بذلك عينيهما. قال الحسن: لا تدرون بأيّهم أنتم أسعد في الدين والدنيا. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ يعني وللزوجات الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ نظم الآية: وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة، وهو نصب على المصدر، وقيل: على الحال، وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، تقديرها: وإن كان رجل يورث ماله كلالة. وقرأ الحسن وعيسى: (يُوَرِثُ) بكسر الراء [جعلا] فعلا له. واختلفوا في الكلالة: فقال الضحاك والسدي: هو الموروث. سعيد بن جبير: هم الورثة. النضر بن شميل: هو المال. واختلفوا أيضا في معناه وحكمه: فروى أنس عن النبي ﷺ‎ أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فردّ عليه السائل فقال ﷺ‎: «لست بزائدك حتى أزاد» [[تأويل مختلف الحديث: 185، (بتفاوت) .]] [254] . وروى شعبة عن عاصم الأحوال قال: سمعت الشعبي يقول: إن أبا بكر (رضي الله عنه) قال في الكلالة: أقضي فيها قضاء وأن كان صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن الشيطان ومني، والله بريء منه: هو ما دون الوالد والولد، يقول: كل وارث دونهما كلالة قال: فلما كان عمر (رضي الله عنه) بعده قال: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر: هو ما خلا الوالد والولد. وقال طاوس: هو ما دون الولد. والحكم: هو ما دون الأب. عطية: هم الأخوة للأم. عبيد بن عمير: هم الأخوة للأب. وقيل: هم الأخوة والأخوات. قال جابر بن عبد الله: قلت يا رسول الله إنما يرثان أختان لي فكيف بالميراث؟ فنزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. وقال الأخفش: كل من لم يرثه أب أو أم فهو كلالة. وقال أهل اللغة: هو من نكلله النسب إذا أحاط به كالإكليل. قال امرؤ القيس: أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبّي مكلل [[غريب الحديث: 3/ 105، لسان العرب: 7/ 252.]] فسمّوا كلالة، لأنهم أحاطوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وأحاطتهم به أنهم ينسبون معه. قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك غير كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم [[الصحاح: 5/ 1811، لسان العرب: 11/ 592.]] وقال بعضهم: وإن أبا المرؤ أحمى وله ... ومولى الكلالة لا يغضب وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ولم يقل: (ولهما) وقد مضى ذكر الرجل والمرأة على عادت العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما كانا في الحكم سواء، ربّما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعا، يقول: من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما كلها جائز، قال الله عزّ وجلّ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ ونظائرها، وأراد بهذا الأخ والأخت من الأمر، يدل عليه قراءة سعد بن أبي وقاص: وله أخ أو أخت من الأم فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ بينهم بالسوية ذكورهم وإناثهم سواء مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ. قال علي (عليه السلام) : إنكم تقرؤون الوصيّة قبل الدين وبدأ رسول الله بالدين قبل الوصية. وهذا قول عامة الفقهاء، ومعنى الآية الجمع لا الترتيب غَيْرَ مُضَارٍّ مدخل الضرر على الورثة. قال الحسن: هو أن توصي بدين ليس عليه وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ. وقرأ الأعمش: (غير مضار وصية من الله) على الإضافة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. قال قتادة: إن الله عزّ وجلّ كره الضرار في الحياة وعند الموت ونهى عنه وقدر فيه، ولا يصلح مضارة في حياة ولا موت. وفي الخبر من قطع ميراثه في الجنة [[انظر: كشف الخفاء: 2/ 310.]] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى قوله:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب