الباحث القرآني

وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أي أخرجك أهلها يدلّ عليه أَهْلَكْناهُمْ ولم يقل: أهلكناها فَلا ناصِرَ لَهُمْ عن ابن عبّاس: لما خرج رسول الله عليه السلام من مكّة إلى الغار، التفت إلى مكّة، وقال: «أنت أحبّ بلاد الله إلى الله، وأحبّ بلاد الله إليّ، ولو أنّ المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك» [18] . فأنزل الله تعالى هذه الآية. أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وهو محمّد ﷺ‎ والمؤمنون كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وهم أبو جهل والمشركون. مَثَلُ شبه وصفة الْجَنَّةِ الَّتِي وقرأ علي بن أبي طالب أمثال الجنّة التي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ آجن متغيّر منتن، يقال: آسن الماء يأسن، وآجن يأجن، وأسن يأسن ويأسن، وأجن يأجن، ويأجن، أسونا، وأجونا، إذا تغيّر، ويقال: أسن الرجل: بكسر السين لا غير، إذا أصابته ريح منتنة، فغشى عليه قال زهير: يغادر القرن مصفرا أنا مله [[تاج العروس: 9/ 122 وفي تفسير القرطبي 16/ 236: قد أترك القرن، والبيت لزهير.]] ... يميد في الرمح ميل المائح الأسن وقرأ العامّة آسِنٍ بالمد، وقرأ ابن كثير بالقصر وهما لغتان. وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لم تدنسها الأيدي، ولم تدنسها الأرجل، ونظير لذّ ولذيذ، طب وطبيب. وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى قال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء الجنّة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر. وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ يعني المتّقين الّذين هم أهل الجنّة، كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ، فاستغنى بدلالة للكلام عليه، وقال ابن كيسان: مثل الجنّة التي فيها هذه الأنهار، والثمار، كمثل النّار التي فيها الحميم، ومثل أهل الجنّة في النعيم المقيم، كمثل أهل النّار في العذاب الأليم. وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ إذا أدني منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطّع أَمْعاءَهُمْ وَمِنْهُمْ يعني ومن هؤلاء الكفّار مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وهم المنافقون يستمعون قولك، فلا يعونه، ولا يفهمونه تهاونا منهم بذلك، وتغافلا حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من الصحابة ماذا قالَ آنِفاً (الآن) وأصله الابتداء. قال مقاتل: وذلك أنّ النبيّ ﷺ‎ كان ﷺ‎ يخطب ويحث المنافقين، فسمع المنافقون قوله، فلمّا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود عمّا قال رسول الله ﷺ‎ استهزاء وتهاونا منهم بقوله. قال ابن عبّاس في قوله: قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: أنا منهم وقد سئلت فيمن سئل. قال قتادة: هؤلاء المنافقون، دخل رجلان: رجل عقل عن الله تعالى وانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل عن الله، فلم ينتفع بما سمع، وكان يقال: النّاس ثلاثة: سامع عاقل، وسامع عامل، وسامع غافل تارك. أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فلم يؤمنوا. وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا يعني المؤمنين. زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ وقرأ ابن مسعود والأعمش وأنطاهم! وأعطاهم تَقْواهُمْ ألهمهم ذلك، ووفّقهم، وقال سعيد بن جبير: وَآتاهُمْ ثواب تَقْواهُمْ. فَهَلْ يَنْظُرُونَ ينتظرون. إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أماراتها وعلاماتها، وبعث [النبي] ﷺ‎ منها وقيل: أدلّتها وحجج كونها، واحدها شرط، وأصل الأشراط الإعلام، ومنه الشرط، لأنّهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، ومنه الشرط في البيع وغيره. ويقال: أشرط نفسه في عمل كذا، وأعلمها وجعلا له. قال أوس بن حجر يصف رجلا وقد تدلّى بحبل من رأس جبل إلى نبعة ليقطعها ويتخذ منها قوسا: فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا [[غريب الحديث: 1/ 41.]] فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ يعني فمن أين لهم التذكّر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم السّاعة، نظيره قوله تعالى: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [[سورة سبأ: 52.]] . فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ قال بعضهم: الخطاب للنبيّ ﷺ‎ والمراد به غيره وأخواتها كثيرة، وقيل: فاثبت عليه، وقال الحسين بن الفضل: فازدد علما على علمك، وقال عبد العزيز ابن يحيى الكناني: هو أنّ النبي ﷺ‎ كان يضجر، ويضيق صدره من طعن الكافرين، والمنافقين فيه، فأنزل الله هذه الآية، يعني فاعلم إنّه لا كاشف يكشف ما بك إلّا الله، فلا تعلق قلبك على أحد سواه. وقال أبو العالية وابن عيينة: هذا متصل بما قبله، معناه فاعلم إنّه لا ملجأ، ولا مفزع عند قيام السّاعة، إلّا الله. سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عدش يقول: معناه فاعلم إنّه لا قاضي في ذلك اليوم إلّا الله، نظيره مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [[سورة الحمد: 4.]] . وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ليتسنّ أمّتك بسنّتك، وقيل: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ من التقصير الواقع لك في معرفة الله. وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ أخبرني عقيل بن محمّد أنّ أبا الفرج القاضي أخبرهم، عن محمّد بن جرير، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا عثمان بن سعيد، حدّثنا إبراهيم بن سليمان، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرخس، قال: دخلت على رسول الله ﷺ‎، فقلت: غفر الله لك يا رسول الله، فقال رجل من القوم: استغفر لك يا رسول الله؟! قال: «نعم ولك» [19] . ثمّ قرأ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ. أخبرنا ابن منجويه الدينوري، حدّثنا أحمد بن علي بن عمر بن حبش الرازي، حدّثنا أبو بكر محمّد بن عيّاش العتبي، حدّثنا أبو عثمان سعيد بن عنبسة الحراز، حدّثنا عبد الرّحمن بن محمّد، عن بكر بن حنيس، عن محمّد بن يحيى، عن يحيى بن وردان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من لم يكن عنده مال يتصدّق به، فليستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنّها صدقة» [20] [[مجمع الزوائد: 10/ 21.]] . وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ قال عكرمة: يعني منقلبكم من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمّهات، وَمَثْواكُمْ: مقامكم في الأرض. ابن كيسان: مُتَقَلَّبَكُمْ من ظهر إلى بطن، وَمَثْواكُمْ: مقامكم في القبور. ابن عبّاس والضحّاك: منصرفكم ومنتشركم في أعمالكم في الدّنيا، وَمَثْواكُمْ: مصيركم إلى الجنّة وإلى النّار. ابن جرير: مُتَقَلَّبَكُمْ: منصرفكم لأشغالكم بالنهار، وَمَثْواكُمْ: مضجعكم للنوم بالليل، لا يخفى عليه شيء من ذلك. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا اشتياقا منهم إلى الوحي وحرصا على الجهاد. لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ تأمرنا بالجهاد. فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ بالأمر والنهي، قال قتادة: كلّ سورة ذكر فيها الجهاد، فهي محكمة، وهي أشدّ للقرآن على المنافقين. وفي حرف عبد الله (سورة محدثة) وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني المنافقين يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ شزرا، بتحديق شديد كراهة منهم للجهاد، وجبنا منهم على لقاء العدوّ نَظَرَ كنظر الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ وعيد وتهديد، قال: طاعَةٌ مجازه، ويقول هؤلاء المنافقون قبل نزول الآية المحكمة (طاعَةٌ) رفع على الحكاية أي أمرنا طاعة أو منّا طاعة. وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ حسن وقيل: هو متصل بالكلام الأوّل، (واللام) في قوله (لَهُمْ) بمعنى (الباء) مجازه فأولى بهم طاعة لله ورسوله وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ بالإجابة والطاعة. فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي جدّ الأمر وعزم عليه وأمروا بالقتال. فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ في إظهار الإيمان والطاعة لَكانَ خَيْراً لَهُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ فلعلّكم إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن الإيمان، وعن القرآن، وفارقتم أحكامه. أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعصية، والبغي، وسفك الدماء، وتعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الفرقة، بعد ما جمعكم الله تعالى بالإسلام، وأكرمكم بالألفة. قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولّوا عن كتاب الله؟ ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرّحمن؟، وقال بعضهم: هو من الآية. قال المسيب بن شريك والفراء: يقول: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ إن ولّيتم أمر الناس أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالظلم، نزلت في بني أمية، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا الحسين بن محمّد بن الحسين، حدّثنا هارون بن محمّد بن هارون، حدّثنا محمّد بن عبد العزيز، حدّثنا القاسم بن يونس الهلالي، عن سعيد بن الحكم الورّاق، عن ابن داود، عن عبد الله بن مغفل، قال: سمعت النبيّ ﷺ‎ يقرأ فهل عسيتم إن وليتم أن تفسدوا في الأرض ثم قال: «هم هذا الحي من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا الناس ألّا يفسدوا في الأرض ولا يقطّعوا أرحامهم» [[تفسير القرطبي: 16/ 246.]] . وقرأ علي بن أبي طالب إِنْ تُوُلِّيتُمْ بضمّ (التاء) و (الواو) وكسر (اللام) ، يقول [[في تفسير الطبري (6/ 483) : أي ولي عليكم.]] : إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة، وعاونتموهم [[في تفسير القرطبي: حاربتموهم.]] . ومثله روى رويس عن يعقوب. وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ قرأ يعقوب، وأبو حاتم، وسلام (وَتَقْطَعُوا) خفيفة من القطع اعتبارا بقوله: وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [[سورة البقرة: 27.]] وقرأ الحسن يقطّعوا مفتوحة الحروف، اعتبارا بقوله: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ [[سورة المؤمنون: 53.]] . وقرأ غيرهم وَتُقَطِّعُوا بضم (التاء) مشدّدا من التقطيع على التكثير لأجل الأرحام. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ عن الحقّ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب