الباحث القرآني

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ الآية. قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال رسول الله ﷺ‎: «من الذاكر فلانة؟» . فقام ثابت، فقال: أنا يا رسول الله. فقال: «انظر في وجوه القوم» . فنظر إليهم، فقال: «ما رأيت يا ثابت؟» . قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر. قال: «فإنّك لا تفضلهم إلّا في الدّين والتقوى» [79] [[أسباب نزول الآيات للواحدي: 264.]] ، فأنزل الله سبحانه في ثابت هذه الآية وبالّذي لم يفسح له: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ، فَافْسَحُوا ... [[سورة المجادلة: 11.]] الآية. وقال مقاتل: لمّا كان يوم فتح مكّة، أمر رسول الله ﷺ‎ بلالا حتّى علا على ظهر الكعبة وأذّن، فقال عتاب بن أسد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم، وقال الحرث بن هاشم: أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان بن حرب: إنّي لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به ربّ السماء. فأتى جبريل رسول الله ﷺ‎ وأخبره بما قالوا، فدعاهم رسول الله ﷺ‎ وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وزجرهم، عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء للفقراء ، وقال يزيد بن سخرة: كان رسول الله ﷺ‎ ذات يوم يمرّ ببعض أسواق المدينة، فإذا غلام أسود قائم، ينادى عليه ليباع، فمن يريد. وكان الغلام قال: من اشتراني فعلي شرط، قيل: ما هو، قال: ألا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ‎، فاشتراه رجل على هذا الشرط، فكان رسول الله ﷺ‎ يراه عند كلّ صلاة مكتوبة، ففقده ذات يوم، فقال لصاحبه: «أين الغلام؟» . فقال: محموم يا رسول الله، فقال لأصحابه: «قوموا بنا نعوده» . فقاموا معه فعادوه، فلما كان بعد أيّام قال لصاحبه: «ما حال الغلام؟» [80] [[أسباب نزول الآيات- الواحدي النيسابوري: 265.]] . قال: يا رسول الله، إنّ الغلام لما به، فقام رسول الله ﷺ‎ فدخل عليه وهو في ذهابه، فقبض على تلك الحال، فتولّى رسول الله ﷺ‎ غسله، وتكفينه، ودفنه، فدخل على المهاجرين، والأنصار من ذلك أمر عظيم، فقال المهاجرون: هاجرنا ديارنا، وأموالنا، وأهالينا، فلم ير أحد منّا في حياته ومرضه وموته ما لقي منه هذا الغلام، وقال الأنصار: آويناه، ونصرناه، وواسيناه فآثر علينا عبدا حبشيّا، فعذر الله سبحانه رسوله ﷺ‎، فيما تعاطاه من أمر الغلام، وأراهم فضل التقوى، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وهي رؤوس القبائل وجمهورها مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج. واحدها شعب بفتح الشين، سمّوا بذلك لتشعّبهم واجتماعهم، كتشعّب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرّقته، ومنه قيل للموت: شعوب. وَقَبائِلَ وهي دون الشعوب، واحدها قبيلة، وهم كندة من ربيعة، وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدها عمارة بفتح العين كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ، واحدها فخذ، وهم كبني هاشم، وأمية من بني لؤي، ثمّ الفصائل، والعشائر، واحدتها فصيلة، وعشيرة، وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل، وقال أبو رزين وأبو روق: الشعوب الذين لا يصيرون إلى أحد، بل ينسبون إلى المدائن، والقرى، والأرضين، والقبائل العرب الذين ينسبون إلى آبائهم. لِتَعارَفُوا يعرف بعضكم بعضا في قرب النسب، وبعده لا لتفاخروا. وقرأ الأعمش (ليتعارفوا) ، وقرأ ابن عبّاس (ليعرفوا) بغير (ألف) . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ بفتح (الألف) ، وقرأه العامة (إِنَّ) بكسر (الألف) على الاستئناف، والوقوف على قوله لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ قال قتادة: في هذه الآية أكرم الكرم التقوى. وألأم اللوم الفجور، وقال ﷺ‎: «من سرّه أن يكون أكرم الناس، فليتّق الله» [[تفسير الثعالبي: 5/ 277.]] . وقال: «كرم الرجل دينه، وتقواه، وأصله عقله، وحسبه خلقه» [[تفسير ابن كثير: 1/ 319 مسند أحمد: 2/ 365 مجمع الزوائد: 10/ 251 بتفاوت.]] ، وقال ابن عبّاس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. أخبرنا الحسن، قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المقري، قال: حدّثنا ابن رجاء، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ‎ على راحلته القصواء يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه، فما وجد لها مناخ في المسجد، حتّى أخرجنا إلى بطن الوادي، فأناخت فيه، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد أيّها الناس، قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء- وفي بعض الألفاظ: وتعظمها بآبائها- إنّما الناس رجلان، برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هيّن على الله» . ثمّ تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ ... الآية، وقال: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» [81] [[تفسير ابن كثير: 4/ 233 ومسند أحمد: 2/ 524.]] . وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسين الصوفي. قال: حدّثنا أبو شعيب الحراني. قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله الكابلي. قال: حدّثنا الأوزاعي، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، إنّ النبيّ ﷺ‎ قال: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم، وإنّما أنتم بنو آدم أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» [82] [[مسند أحمد: 2/ 285 صحيح مسلم: 8/ 11.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع المقري، قال: حدّثنا أحمد بن خادم. قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا طلحة، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: الله سبحانه يقول يوم القيامة: إنّي جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فأنتم تقولون: فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع أنسابكم، أين المتّقون؟ أين المتّقون؟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [[كنز العمال: 3/ 91 ح 5643 وتفسير الدر المنثور: 6/ 98.]] . وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيّوب. قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب. قال: حدّثنا محمّد بن أبي بكر. قال: حدّثني يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عمر، قال: حدّثني سعيد بن أبي سعيد المقري، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم» . وأنشدني ابن حبيب، قال: أنشدنا ابن رميح، قال: أنشدنا عمر بن الفرحان: ما يصنع العبد بعزّ الغنى ... والعزّ كلّ العزّ للمتّقي من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشقي [[تفسير القرطبي: 16/ 346.]] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا الآية نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، ثمّ من بني الحلاف بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله ﷺ‎ المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلّا الله، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعدوان، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون، ويروحون على رسول الله ﷺ‎ ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأفعال، والعيال والذراري، يمنون على رسول الله ﷺ‎، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية. وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، كانوا يقولون: آمنّا بالله، ليأمنوا على أنفسهم، وأموالهم، فلمّا استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله سبحانه: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فأخبر أنّ حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأنّ الإقرار به باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذي محلّه القلب، وأنّ الإسلام غير الإيمان. يدلّ عليه ما أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي، قرأه عليه محمّد بن زكريا في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو العبّاس محمد بن الدغولي، قال: حدّثنا محمّد بن الليث المروزي، قال: حدّثنا عبد الله بن عثمان بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الله ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري. قال: أخبرني عامر، عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول الله ﷺ‎ أعطي رهطا، وسعد جالس فيهم، فقال سعد: فترك رسول الله ﷺ‎ رجلا منهم، فلم يعطه، وهو أعجبهم إليّ. فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما» . فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ‎: «أو مسلما، فإنّي لأعطي الرجل، وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يكبّ في النار على وجهه» [83] [[صحيح مسلم: 3/ 104.]] . فاعلم أنّ الإسلام الدخول في السلم، وهو الطاعة والانقياد، والمتابعة، يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم وهو الطاعة والانقياد والمتابعة. يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، وأقحط إذا دخل في القحط، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان فالجنان، كقوله عزّ وجلّ لإبراهيم: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ [[سورة البقرة: 131.]] ، وقوله: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[سورة الذاريات: 3635.]] . ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا بيانه قوله سبحانه: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ظاهرا وباطنا، سرّا وعلانيّة لا يَلِتْكُمْ (بالألف) أبو عمر، ويعقوب، واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله: وَما أَلَتْناهُمْ [[سورة الطور: 21.]] يقال ألت يألت ألتا، قال الشاعر: أبلغ بني ثعل عني مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا [[لسان العرب: 2/ 4 تاج العروس: 1/ 522.]] وقرأ الآخرون (يَلَتْكَمْ) من لات يليت ليتا، كقول رؤبة: وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت [[زاد المسير: 7/ 187 وتاج العروس: 1/ 582.]] ومعناهما جميعا لا ينقصكم، ولا يظلمكم. مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثمّ بيّن حقيقة الإيمان، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لم يشكّوا في وحدانية الله، ولا بنبوّة أنبيائه ولا فيما آمنوا به، بل أيقنوا وأخلصوا [[تفسير الطبري: 26/ 186 بتفاوت.]] . وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم، لا من أسلم خوف السيف ورجاء الكسب، فلمّا نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسول الله ﷺ‎ فحلفوا بالله إنّهم مؤمنون في السرّ، والعلانية، وعرف الله غير ذلك منهم [[تفسير القرطبي: 16/ 349.]] ، فأنزل الله سبحانه قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الذي أنتم عليه. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ أي بإسلامكم. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ وفي مصحف عبد الله (إذ هداكم للإيمان) إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّكم مؤمنون. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قرأ ابن كثير، والأعمش، وطلحة، وعيسى (بالياء) ، غيرهم (بالتاء) .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب