الباحث القرآني

مدينة، فيها من المنسوخ تسع آيات منها قوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ نسختها آية السيف [[عن هامش المخطوط: (بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ) (سورة الأنفال: 75) . مما جاوز الرحم من المعصية، أجرا من الله. أنزلت آخر سورة كاملة «براءة» وآخر آية في سورة النساء (يَسْتَفْتُونَكَ) . وقال السدّي: آخر ما نزل من القرآن تلك الآيات: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (سورة النساء: 176) (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ) (سورة التوبة: 129) (اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (سورة البقرة: 281).]] . قال رسول الله ﷺ‎ في خطبته يوم حجة الوداع قال: «يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» [[تفسير القرطبي: 6/ 31.]] [1] وهي إحدى عشر ألفا وتسعمائة وثلاثة وثلاثون حرفا، وألفان وثمانمائة وأربع كلمات، ومائة وعشرون آية. عن عبد الله بن عمر قال: قرأ رسول الله ﷺ‎ سورة المائدة وهو على راحلة فلم تستطع أن تحمله حتى نزل عنها. أبو أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات» [[تفسير مجمع البيان: 3/ 257، وفي المصدر: (ورفع له عشر درجات).]] [2] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا يا نداء أي إشارة، ها تنبيه الَّذِينَ آمَنُوا [[قال ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 230: اختلف فيه فقيل: إنّهم المؤمنون من أمّتنا وهذا قول الجمهور وقيل: إنّهم أهل الكتاب، قاله ابن جريج.]] [نصب على البدل من: أيّها] [[هكذا في المخطوط.]] أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني بالعهود. قال الزجّاج: العقود أو كل العهود. يقال: عاقدت فلانا وعاهدت فلانا، ومنه ذلك باستيثاق وأصله عقد الشيء بغيره. وهو وصله به كما يعقد الحبل بحبل إذا وصل شدّا قال الحطيئة: قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا [[الصحاح: 1/ 331.]] واختلفوا في هذه العقود ما هي، قال ابن جريح: هذا الخطاب خاص لأهل الكتاب وهم الذين آمنوا بالكتب المقدسة والرسل المتقدمين. أوفوا بالعهود التي عهد بها بينكم في شأن محمد، وهو قوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ [[سورة آل عمران: 81.]] . وقوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [[سورة آل عمران: 187.]] وقال الآخرون: فهو عالم. قال قتادة: أراد به الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية دليله قوله وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ [[سورة النساء: 33.]] . ابن عباس: هي عهود الأيمان و [الفراق] ، غيره: هي العقود التي عقدها الناس بينهم، أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ اختلفوا فيها، فقال الحسن وقتادة والربيع والضحّاك والسدّي: هي الأنعام كلها وهي اسم للبقر والغنم والإبل، يدل عليه قوله تعالى وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً [[سورة الأنعام: 142.]] ثم بيّن ما هي، فقال ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وأراد بها ما حرّم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام. وقال الشعبي: بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ: الأجنّة التي توجد ميتة في بطن أمهاتها إذا ذبحت. وروى عطية العوفي عن ابن عمر في قوله تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ قال ما في بطونها، قلت: إن خرج ميتا آكله. قال: نعم هي بمنزلة رئتها وكبدها [[تفسير الطبري: 6/ 68.]] . وروى قابوس عن أبيه عن ابن عباس أن بقرة نحرت فوجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذنب الجنين وقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أُحِلَّتْ لَكُمْ [[تفسير الطبري: 6/ 68.]] . وقال أبو سعيد الخدري: سألنا رسول الله ﷺ‎ عن الجنين، فقال: «ذكاته ذكاة أمّه» [[مسند أحمد: 3/ 31.]] [3] . قال الكلبي: بهيمة الأنعام وحشها، كالظباء وبقر الوحش مفردين، وإنما قيل لها بهيمة لأن كل حي لا يمّيز فهو بهيمة، سمّيت بذلك لأنها أبهمت عن أن تميّز. إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ يقول: عليكم في القرآن [لأنه حاكم] وهو قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ إلى قوله وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ وقوله وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [[سورة الأنعام: 121.]] . غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ قال الأخفش: هو نصب على الحال يعني أَوْفُوا بِالْعُقُودِ منسكين غير محلي الصيد وفيه [معنى النهي] [[كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.]] . وقال الكسائي: هو حال من قوله أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ ... غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ كما يقول: أحل لكم الطعام غير معتدين فيه. معناه أنّه أحلت لكم الأنعام كلها إلّا ما كان منها وحشيا فإنه صيد ولا يحل لكم إذا كنتم محرمين. فذلك قوله تعالى وَأَنْتُمْ حُرُمٌ قرأه العامة بضم أوّله وهي من حرم يحرم حراما في الحركات وهما جميعا جمع حرام، ويقال: رجل حرام وحرم ومحرم، وحلال وحلّ ومحلّ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ [يحرم ما يريد على من يريد] [[زيادة عن زاد المسير: 2/ 231.]] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الآية نزلت في الحطم واسمه شريح بن ضبيعة بن هند بن شرحبيل البكري، وقال: إنه لما أتى المدينة وخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي ﷺ‎، فقال له: إلى ما تدعو الناس؟ فقال: «إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» [[أسباب نزول الآيات: 125، وتفسير القرطبي: 67/ 43.]] [4] . فقال: حسن إلّا إن لي من لا أقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم. وقد كان النبي ﷺ‎ قال لأصحابه: يدخل عليكم بعض من ربيعة يتكلم بلسان الشيطان، ثم خرج شريح من عنده، فلما خرج، قال رسول الله ﷺ‎ لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر، فمرّ بسرح المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز: لقد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر الوضم ... باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم ... خلج الساقين مسموح القدم [[جامع البيان: 6/ 79.]] فلما كان في العام القابل خرج حاجّا في حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلّدوا الهدي فقال ناس من أصحابه للنبي ﷺ‎: هذا الحطم خرج حاجّا فحل بيننا وبينه، فقال النبي ﷺ‎: «مه قد قلد الهدي» [5] . فقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : إنّما هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية. فأبى النبي ﷺ‎: فأنزل الله عزّ وجل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ. ابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج، وكان المشركون يحجّون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم الله تعالى عنها، [وقال الحسن دين الله كلّه] يدل عليه قوله وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [[سورة الحج: 32.]] . عطية عن ابن عباس: هي أن تصيد وأنت محرم، يدل عليه قوله وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا. عطاء: شعائر حرمات الله اجتناب سخطه واتباع طاعته بالّذي حرم الله. أبو عبيدة: هي الهدايا المشعرة وهي أن تطعن في سنامها ويحلل ويقلّد ليعلم أنها هدي، والإشعار العلامة، ومنه [الحديث] : حين ذبح عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أشعر أمير المؤمنين بها [[غريب الحديث لابن سلام: 2/ 66، وتاريخ دمشق: 44/ 397.]] كأنه أعلم بعلامة، وهي على هذا القول فعيلة، بمعنى مفعّلة. قال الكميت: نقتلهم جيلا فجيلا تراهم ... شعائر قربان بهم يتقرب [[تفسير الطبري: 2/ 60.]] ودليل هذا التأويل قوله: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ [[سورة الحج: 36.]] وقيل: الشعائر المشاعر. وقال القتيبي: شَعائِرَ اللَّهِ واحدتها شعيرة [[في تفسير القرطبي: 6/ 37 عن ابن فارس: شعارة.]] ، وهي كل شيء جعل علما من أعلام طاعته. وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ بالقتال فيه فإنه محرم لقوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ [[سورة البقرة: 217.]] . وقال: النّسيء، وذلك أنهم كانوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً، دليله قوله إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [[سورة التوبة: 37.]] وَلَا الْهَدْيَ وهو كل ما يهدى إلى بيت الله من بعير أو بقرة أو شاة. وَلَا الْقَلائِدَ قال أكثر المفسّرين هي الهدايا، والمراد به [المقلدات] وكانوا إذا أخرجوا إلى الحرم في الجاهلية قلّدوا السمر فلا يتعرض لهم أحد وإذا رجعوا تقلّدوا قلادة شعر فلم يتعرّض لهم أحد فهي عن استحلال واجب منهم. وقال مطرف بن الشخير وعطاء: هي القلائد نفسها وذلك أنّ المشركين كانوا يأخذون من لحاء [[لحاء الشجر: قشره.]] شجر مكّة ونحوها فيقلّدونها فيأمنون بها في الناس فنهى الله عز وجل أن ينزع شجرها فيقلدوه كفعل أهل الجاهلية وَلَا آمِّينَ قاصدين الْبَيْتَ الْحَرامَ يعني الكعبة. وقرأ الأعمش: ولا آمّي البيت الحرام بالإضافة كقوله تعالى غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ. يَبْتَغُونَ يطلبون فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ يعني الرزق بالتجارة وَرِضْواناً معناه على زعمهم وعدهم لأن الكافر لا نصيب له في الرضوان، وهذا كقوله وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ [[سورة طه: 97.]] فلا يرضى الله تعالى عنهم حتى يسلموا. قتادة: هو أن يصلح معايشهم في الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها. وقيل: ابتغاء الفضل للمؤمنين والمشركين عامّة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة لأن الناس كانوا يحجون من بين مسلم وكافر، يدل عليه قراءة حميد بن قيس تبتغون فضلا من ربّكم على الخطاب للمؤمنين، وهذه الآية منسوخة بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [[سورة التوبة: 5.]] وقوله فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا. فلا يجوز أن يحجّ مشرك، ولا يأمن الكافر بالهدي والقلائد والحج. وَإِذا حَلَلْتُمْ من إحرامكم فَاصْطادُوا أمر إباحة وتخيير كقوله فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [[سورة الجمعة: 10.]] وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ. روح ابن عبادة عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: أقبل رجل مؤمن كان حليفا لأبي سفيان بن الهذيل يوم الفتح بعرفة لأنه كان يقتل حلفاء محمد ﷺ‎ فقال رسول الله ﷺ‎: «لعن الله من قبل دخل الجاهلية [ما شيء كان في الجاهلية إلّا وهو] » تحت قدميّ هاتين إلّا سدانة الكعبة وسقاية الحج فإنّهما مردودتان إلى أهليهما» [[تاريخ اليعقوبي: 2/ 60.]] [6] . وقال الآخرون: نزلت في حجاج كفار العرب، وقوله لا يَجْرِمَنَّكُمْ، قرأ الأعمش وعيسى ويحيى بن أبي كثير: يُجْرِمَنَّكُمْ بضم الياء وقرأ الباقون بالفتح، وهما لغتان ولو أن الفتح أجود وأشهر وهو اختيار أبي محمد وأبي حاتم، قال أبو عبيد: لأنها اللغة الفاشية وإن كانت الأخرى مقبولة. واختلفوا في معناه، فقال ابن عباس وقتادة: لا يحملنكم. قال أبو عبيد: يقال جرمني فلان على أن صنعت كذا أي حملني. قال الشاعر، وهو أبو أسماء بن الضرية: يا كرز إنك قد فتكت بفارس ... بطل إذا هاب الكماة مجرّب ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا [[لسان العرب: 12/ 93. 94.]] . والمؤرج: لا يدعونكم. الفرّاء: لأكسبنكم، يقال فلان جرمه أهله أي كافيهم. وقال الهذلي يصف عقابا: جرمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا [[الصحاح: 1/ 164.]] . وقال بعضهم وهو الأخفش: قوله لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ: أي حق لهم النار. شَنَآنُ قَوْمٍ أي بغضهم وعداوتهم وهو مصدر شنئت. قرأ أهل المدينة والشام، وعاصم والأعمش: بجزم النون الأول، وقرأ الآخرون بالفتح، وهما لغتان إلّا أن الفتح أجود لأنه أفخم اللغتين. فهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأن المصادر نحوه على فعلان بفتح العين مثل الضربان والنزوان والعسلان ونحوها. أَنْ صَدُّوكُمْ قرأ ابن كثير وابن أبي إسحاق وأبو عمر: إِنْ صَدُّوكُمْ بكسر الألف على الاستيناف والجزاء واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة عبد الله: أن يصدّوكم، وقرأ الباقون بفتح الألف أي لأن صدّوكم، ومعنى الآية لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء لأنهم صدّوكم، واختاره أبو حاتم ومحمد بن جرير، قال ابن جرير: لأنه لا يدافع بين أهل العلم أن هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية فإذا كان كذلك فالصدّ قد يقدم. أَنْ تَعْتَدُوا عليهم فتقتلوهم وتأخذوا أموالهم. وَتَعاوَنُوا أي ليعين بعضكم بعضا، ويقال للمرأة إذا كسى لحمها وتراجمها: متعاونة عَلَى الْبِرِّ وهو متابعة الأمر وَالتَّقْوى وهو مجانبة الهوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ يعني المعصية والظلم. عن واصب بن معبد صاحب النبي ﷺ‎ قال: جئت إلى النبي ﷺ‎ أسأله عن البر والإثم قال: «جئت إليّ تسألني عن البر والإثم» ؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما جئت أسألك عن غيره، فقال: «البر ما انشرح به صدرك، والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه الناس» [[المعجم الكبير: 22/ 148.]] [7] . عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، قال: حدّثني أبي قال: سمعت النؤاس بن سمعان الأنصاري، قال: سألت رسول الله ﷺ‎ عن البر والإثم فقال: «البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك فكرهت أن يطلع عليه الناس» [[مسند أحمد: 4/ 182.]] [8] وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وهي كل ما له نفس سائلة مما أباح الله عز وجل أكلها، فارقتها روحها بغير تذكية، وإنما قلنا: نفس سائلة لأن السمك والجراد دمان وهما حلال. وَالدَّمُ أجمل هاهنا وفسر في آية أخرى فقال عز من قائل: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً فالدم الملطخ فهو كاللحم في أكله لأن الكبد والطحال دمان وهما حلال. عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «أحلّت لنا ميتتان ودمان فالميتتان الحوت والجراد وأما الدّمان فالطحال والكبد» [[كنز العمال: 15/ 277، ح/ 40972.]] [9] . وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وكل شيء منه حرام وإنما خصّ اللحم لأنّ اللحم من أعظم منافعه. وَما أُهِلَّ ذبح لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وذكر عليه غير اسم الله. قال أبو ميسرة: في المائدة ثمان عشرة [[كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.]] فريضة ليس في سورة من القرآن وهي آخر سورة نزلت ليس فيها منسوخ. وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ، وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ. ولا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ إلى قوله ذُو انْتِقامٍ [[سورة المائدة: 95.]] ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [[سورة المائدة: 103. 104.]] . فأما الْمُنْخَنِقَةُ فهي التي تختنق فتموت، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها، وَالْمَوْقُوذَةُ: التي تضرب بالخشب حتّى تموت. قال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصا حتّى إذا ماتت أكلوها. فقال فيه: قذّه يقذّه وقذا إذا ضربه حتى شفى على الهلاك. قال الفرزدق: شغارة [[الشغارة: هي الناقة ترفع قوائمها لتضرب والنطر الحلب بالسبابة والوسطى ويستعين بطرف الإبهام.]] تقذ الفصيل برجلها ... طارة لقوادم الأبكار [[كتاب العين: 7/ 417، تفسير الطبري: 6/ 92 وتفسير القرطبي: 6/ 48.]] وَالْمُتَرَدِّيَةُ: التي تتردى من مكان عال أو في بئر فتموت. وَالنَّطِيحَةُ: التي تنطحها صاحبتها فتموت، و «هاء» التأنيث تدخل في الفعيل بمعنى الفاعل فإذا كان بمعنى المفعول استوى فيها المذكر والمؤنث نحو لحية دهين، وعين كحيل، وكف خضيب، فإنما أدخل الهاء هاهنا لأن الإسم لا يسقط منها ولو أسقط الهاء منها لم يدر أهي صفة لمؤنث أو مذكر، والعرب تقول لحية دهين، وعين كحيل، وكف خضيب فإذا حذفوا الإسم وأفردوا الصفة أدخلوا الهاء، قالوا: رأينا كحيلة وخضيبة ودهينة، وأكيلة السبع فأدخلوا الهاء مثل الذبيحة والسكينة وَما أَكَلَ السَّبُعُ غير [المعلم] . وقرأ ابن عباس: وأكيل السبع، وقرأ ابن أبي زائدة: وأكيلة السبع، وقرأ الحسن وطلحة ابن سليمان: وما أكل السبْعُ بسكون الباء [وهي لغة لأهل نجد] [[زيادة عن تفسير القرطبي: 6/ 50.]] . قال حسّان بن ثابت في عتبة بن أبي لهب: من يرجع العام إلى أهله ... فما أكيل السبع بالراجع [[تفسير القرطبي: 17/ 83.]] قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا أكل السبع مليا أو أكل منه أكلوا ما بقي إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ يعني إلّا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء، والتذكية تمام فري الأوداج، وانهار الدم، ومنه الذكاة في السنّ وهو أن يأتي على قروحه سنة، وذلك تمام استكمال القوة ومثله المثل السائد: جري المذكيات غلاب [[الغاب: المغالبة أي إنّ المذكّي يغالب مجاريه فيغلبه لقوّته.]] . قال الشاعر [[والقائل هو: زهير.]] : يفضله إذا اجتهدوا عليه ... تمام السن منه والذكاء [[لسان العرب: 14/ 288.]] ومنه الذكاء في الفهم إذا كان تام العقل سريع القبول. ويقول في الذكاة إذا أتممت إشعالها، فمعنى ذكيتم أدركتم ذبحه على التمام. وقال ابن عباس وعتبة بن عمير: إذا طرفت بعينها أو ظربت بذنبها أو ركضت برجلها أو تحركت فقد حلت لك. وعن زيد بن ثابت: أن ذئبا نيب في شاة فذبحوها بمروة فرخص النبي ﷺ‎ في أكله [[مسند أحمد: 5/ 184.]] . أبو قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» [[سنن ابن ماجة: 2/ 1058.]] [10] . قال عاصم عن عكرمة: إن رجلا أضجع شاته وجعل يحدّ شفرته ليذبحها، فقال له النبي ﷺ‎: «تريد أن تميتها موتات قبل أن تذبحها!» [[المستدرك للحاكم: 4/ 231.]] [11] . وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ قال بعضهم: فهو جمع واحدها نصاب، وقيل: هو واحدة جمعها أنصاب مثل عنق وأعناق. وقرأ الحسن بن صالح وطلحة بن مصرف: النَّصْبِ بجزم الصّاد. وروى الحسن بن علي الجعفي عن أبي عمرو: النَّصْبِ بفتح النون وسكون الصّاد. وقرأ الجحدري: بفتح النون والصّاد [جعله] اسما موحدا كالجبل والجمل والجمع أنصاب كالأجمال والأجبال وكلها لغات وهو الشيء المنصوب، ومنه قوله تعالى كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [[سورة المعارج: 43.]] واختلفوا في معنى النصب هاهنا. فقال مجاهد وقتادة وابن جريح: كان حول البيت ثلاثمائة وستين حجرا وكان أهل الجاهلية يذكّون عليها يشرّحون اللّحم عليها وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها ويذبحون لها، وكانوا مع هذا يبدلونها إذا شاؤوا لحجارة [من قبالهم] [[هكذا في الأصل.]] منها، قالوا: وليست هي بأصنام إنما الصنم ما يصوّر وينقش. وقال الآخرون: هي الأصنام المنصوبة. قال الأعشى: وذا النصب المنصوب لا تستكنّه ... لعاقبة واللَّه ربك فاعبدا [[الصحاح: 1/ 225، وتاج العروس: 1/ 486.]] ثم اختلفوا في معناها. فقال بعضهم: تقديره على اسم النصب. ابن زيد وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ هما واحدة. قطرب: معناه: ما ذبح للنصب أي لأجلها على معنى اللام وهما يتعاقبان في الكلام. قال الله تعالى فَسَلامٌ لَكَ [[سورة الواقعة: 91.]] أي عليك، وقال وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [[سورة الإسراء: 7.]] أي فعليها، وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا معطوف على ما قبله، وأن في محل الرفع أي وحرم عليكم الاستقسام بِالْأَزْلامِ، والاستقسام طلب القسم والحكم من الأزلام وهي القداح التي لا ريش لها ولا نصل، واحدها زلم مثل عمر، وزلم وهي القداح. قال الشاعر: فلئن جذيمة قتّلت سرواتها ... فنساؤها يضربن بالأزلام [[تفسير القرطبي: 6/ 58.]] وكان استقسامهم بالأزلام على ما ذكره المفسّرون أن أهل الجاهلية إذا كان سفرا أو غزوا أو تجارة أو تزويجا أو غير ذلك ضرب القداح وكانت قداحا مكتوب على بعضها: نهاني ربي، وعلى بعضها: أمرني ربي، إن خرج الآمر مضى لأمره، وإن خرج الناهي أمسك. وقال سعيد بن جبير: الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها. أبو هشام عن زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق قال: كانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة وكانت عند هبل أقداح سبعة كل قدح منها فيه كتاب، قدح فيه: العقل، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة فإن خرج العقل حمله، وقدح فيه: نعم، للأمر، إذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح فإن خرج ذلك القدح فعلوا ذلك الأمر. وقدح فيه: لا إذا أرادوا أمر يضربون فإن خرج قدح «لا» لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه: منكم وقدح فيه: ملصق وقدح فيه: من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القداح فحيثما خرج عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختتنوا غلاما أو أن ينكحوا امرأة أو يدفنوا ميّتا أو شكّوا في نسب خصمهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وبجزور فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها ثم قرّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ثم قالوا: يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب فيضرب، فإن خرج عليه: منكم، كان وسيطا منهم وإن خرج عليه: من غيركم، كان حليفا، وإن خرج عليه: ملصق، كان على منزلته منهم لا نسب له ولا حليف، وإن كان في شيء مما سوى هذا مما يعملون به كنعم عملوا به، فإن خرج: لا، أخّروا عامهم ذلك حتى يأتوه مرة أخرى ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. فقال الله عز وجل ذلِكُمْ فِسْقٌ [[بطوله في تفسير الطبري: 6/ 104 وتصويب العبارة منه.]] . قال مجاهد: هي كعاب فارس والرّوم التي يتقامرون بها [[تفسير الطبري: 6/ 102.]] . قال سفيان بن وكيع: الشطرنج. رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من تكهّن أو استقسم أو تطيّر طيرة تردّه عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة» [[تاريخ دمشق: 18/ 98 ط دار الفكر.]] [12] . الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ يعني عن أن يرجعوا إلى دينهم كفّارا، وفيه لغتان قال: الشعبي وائس يايس إياسا وإياسة. قال النضر بن شميل: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ نزلت الآية في يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر للهجرة والنبي ﷺ‎ واقف بعرفات على ناقته العضباء وكادت عضد الناقة ينقد من ثقلها فبركت [[تفسير القرطبي: 6/ 61.]] . وقال طارق بن شهاب: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فقال: آية [نقرؤها] لو علينا نزلت في ذلك اليوم لاتخذناه عيدا، قال: أية آية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ، قال عمر: قد علمت في أي يوم نزلت وفي أي مكان!، إنها نزلت يوم عرفة في يوم جمعة ونحن مع رسول الله ﷺ‎ وقوفا بعرفات وكلاهما بحمد الله لنا عيد، ولا يزال ذلك اليوم عيدا للمسلمين ما بقي منهم أحد وقد صار من ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود والنصارى والمجوس ولا يجمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده. وروى هارون بن عنترة عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية بكى عمر (رضي الله عنه) فقال له النبي ﷺ‎: «ما يبكيك يا عمر» قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأمّا إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلّا نقص، فقال: «صدقت» [13] [[تفسير الطبري: 6/ 107. 106.]] . وكانت هذه الآية نعي رسول الله ﷺ‎ وعاش بعدها أحد وثمانون يوما أو نحوها. واختلف المفسّرون في معنى الآية فقال ابن عباس والسدّي: الْيَوْمَ وهو يوم نزول هذه الآية أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أي الفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض. فهذا معنى قول ابن عباس والسدي. وقال سعيد بن جبير وقتادة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فلم يحج معكم مشرك، وقيل: هو أن الله تعالى أعطى هذه الأمة من أنواع العلم والحكمة جميع ما أعطى سائر الرسل والأمم فزادهم. وقيل: إن شرائع الأنبياء زالت ونقضت وشريعة هذه الأمة باقية لا تنمح ولا تتغيّر إلى يوم القيامة [ ... ] [[كلام غير مقروء.]] هو بايعك ثم فرّقوه، يكن هذا لغيرهم، وقيل: لم يكن إلّا هذه الأمة، وقيل: هو أن الله تعالى جمع بهذه الآية جميع [ ... ] » الولاية وأسبابها. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حسيب قال: سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرّازي قال: سمعت العباس بن حمزة قال: سمعت ذا النون يقول يعلمنا من سياسة فيقول أربعة أشياء: الكتاب والرسول، والخلعة والولاية. قال: كتاب جعله أشرف الكتب وأكثرها يسرا وأخفّها أمرا وأغزرها علما وأوفرها حكما، ورسول الله جعله أعظم الرسل وأفضلهم، والخلعة جعله عطاء ولم يجعلها عارية، والولاية جعلها دائمة إلى نفخ الصور. وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي حققت وعدي في قولي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين وعليها ظاهرين وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين. وقال الشعبي: نزلت هذا الآية بعرفات حيث هدم منار الجاهلية ومناسكهم واضمحل الشرك ولم يحج معهم في ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت [غيرهم] . السّدي: أظهرتكم على العرب. وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ اجتهد فِي مَخْمَصَةٍ مجاعة يقال: هو خميص البطن إذا كان طاويا خاويا، ورجل خمصان وامرأة خمصانة إذا كانا ضامرين مضيمين والخمص والخمص الجوع. قال الشاعر: يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة ... يبت قلبه من قلّة الهمّ مبهما [[زاد المسير: 2/ 240.]] غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ. قال أبو عبيدة: غير متحرف مائل، قطرب: مائل، المبرّد: [زائغ] وقرأ النخعي: متجنف وهما بمعنى واحد يقال: تجنّف وتجانف مثل تعهد وتعاهد. قتادة: غير متعرض بمعصية في مقصده وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: ما أكل فوق الشبع فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه إضمار، تقديره: فأكله، ويكتفى بدلالة الكلام عليه، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي غفور له غفور كما يقول عبد اللَّه: ضربت، فيريد ضربته. قال الشاعر: ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا ... فأخرى الله رابعة تعود [[شرح الرضي على الكافية: 1/ 239.]] وقد فسر رسول الله ﷺ‎ المخمصة [بما رواه] [الأوزاعي] عن حسان بن عطية عن أبي واقد قال: سألت رسول الله ﷺ‎: إنا بأرض يصيبنا بها مخمصة فمتى تحل لنا الميتة؟ قال ﷺ‎: «إذا لم تصطبحوا [[في المعجم الكبير (3/ 251) وتفسير ابن كثير: 2/ 16،: تصطحبوا.]] ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلا فشأنكم بها» [[مسند أحمد: 5/ 218.]] [14] . يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ الآية. قال أبو رافع: جاء جبرئيل إلى النبي ﷺ‎ فاستأذن عليه فأذن له فأبطأ وأخذ رسول الله ﷺ‎ رداءه فخرج فقال: قد أذنا لك يا رسول الله، قال: أجل يا رسول الله ولكنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. عن عبد الله بن يحيى عن أبيه عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ‎ قال: «الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب» [[السنن الكبرى: 3/ 148.]] [15] . رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: فأمرني أن لا أدع كلبا بالمدينة إلّا قتلته وقلت حتى خفت العوالي [فأتيت] إلى امرأة في ناحية المدينة عندها كلب يحرس عنها فرحمته فتركته، فأتيت النبي ﷺ‎ فأخبرته بأمري، فأمرني بقتله فرجعت إلى الكلب فقتلته. وقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول رافعا صوته: «اقتلوا الكلاب» [16] [[المعجم الأوسط: 6/ 252.]] . قال: وكنا نلقى المرأة [تقدم من] المدينة بكلبها فنقتله، فأمر النبي ﷺ‎ بقتلها وحرم ثمنها. وروى علي بن رباح اللخمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لا يحل ثمن الكلاب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي» [[سنن أبي داود: 2/ 141، ح/ 3448، وسنن النسائي: 1/ 177.]] [17] . ونهى عن اقتنائها وإمساكها وأمر بغسل الإناء من ولوغها سبع مرات أولاهنّ بالتراب نرجع إلى الحديث الأول. قال: فلما أمر رسول الله ﷺ‎ بقتل الكلاب جاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحلّ لنا من هذه الآمة التي نقتلها، فسكت رسول الله فأنزل الله هذه الآية وأذن رسول الله في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها، وأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي ورفع القتل عمّا سواها ممّا لا ضرر فيه. وروى الحسن عن عبد الله بن معقل قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لولا أنّ الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم وأيما قوم اتخذوا كلبا ليس بكلب حرث أو صيد أو ماشية نقصوا من أجورهم كل يوم قيراطا» [[مسند أحمد: 4/ 85.]] [18] . عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ‎ قال: «من اقتنى كلبا ليس كلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينتقص من أجره قيراطان كل يوم» [[صحيح مسلم: 5/ 38.]] [19] . والحكمة في ذلك ما روى أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الرزاق السريعي قال: قيل لعبد الله بن المبارك: ما تقول في قول المصطفى ﷺ‎: «من اقتنى كلبا لا كلب صيد ولا ماشية نقص من عمله كل يوم كذا وكذا من الأجر» [[مسند أحمد: 2/ 60.]] [20] . فقال حدّثني [الأصمعي] قال: قال أبو جعفر المنصور لعمرو بن عبيد: ما بلغك في الكلب؟ قال: بلغني أن من أخذ كلبا لغير زرع ولا حراسة نقص من أجره كل يوم قيراط. فقال له: ولم ذلك؟ قال: هكذا جاء الحديث، قال: خذها بحقّها إنّما ذلك لأنّه ينبح على الضيف ويروع السائل [[تنوير الحوالك: 697 ح 1742،.]] . وكانت أسخياء العرب تبغض الكلاب لهذا المعنى وتذم من ربطه وهمّ بقتله. قال الثعلبي: أنشدني أبو الحسن الفارسي قال: أنشدني أبو الحسن الحراني البصري أنّ بعض شعراء البصرة نزل بعمّار فسمع لكلابه نبحا فأنشأ يقول: نزلنا بعمار فأشلى كلابه ... علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل فقلت لأصحابي أسر إليهم ... إذا اليوم أم يوم القيامة أطول [[عمار: اسم شخص، والبيت في تفسير القرطبي: 6/ 74.]] . قال عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال: نزلت في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل [الطائيين] وهو زيد الخيل الذي سمّاه رسول الله ﷺ‎ زيد الخير وذلك إنهما جاءا إلى النبي ﷺ‎ قالا: يا رسول الله إنّا قوم نصيد الكلاب والبزاة فإن كلاب آل درع وآل حورية تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما يدرك ذكاته ومنه ما يقتل فلا يدرك ذكاته وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزلت يَسْئَلُونَكَ يا محمد ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعني الذبائح التي أحلّها الله وَما عَلَّمْتُمْ يعني وصيد ما علمتم مِنَ الْجَوارِحِ. واختلفوا في هذه الجوارح التي يحل صيدها بالتعليم غير المدرك ذكاته وما أدركت فما ذكاته فهو لك، وإلّا فلا يطعم، وهذا غير معمول به. وقال سائر العلماء: هي الكواسب من السباع والبهائم والطير مثل النمر والفهد والكلب والعقاب، والصقر، والبازي، والباشق، والشاهين ونحوها مما يقبل التعليم، فسميت جوارح لجرحها أربابها أقواتهم من الصيد أي كسبها. يقال: فلان جارحة أهلها أي كاسبهم ولا جارحة لفلان إذ لم تكن لها كسب مُكَلِّبِينَ منصوب على الحساب في المعنى وصيد ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ إلى هذه الحال أي في حال صيدكم [أصحاب] كلاب، والتكليب إغراء الصيد وإشلاؤه [[أشليت الكلب على الصيد دعوته فأرسلته، وقيل: أغريته.]] على الصيد. قال الشاعر: باكره عند الصباح مكلّب ... أزلّ كسرحان القصيمة أغبر [[لسان العرب: 12/ 486.]] قرأ أبن مسعود وأبو زرين والحسن: مُكْلِبِينَ بتخفيف اللام على هذا المعنى، وهي قراءة الحسن والقتيبي أيضا، ويجوز أن يكون من قولهم: أكلب الرجل، إذا كثرت كلابه، مثل: وأمشى إذا كثرت ماشيته، وذكر الكلاب لأنها أكثر وأعم والمراد به جميع الجوارح. تُعَلِّمُونَهُنَّ آداب الصيد مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أي من العلم الذي علمكم الله، وقال السّدي: من بمعنى الكاف، أي كما علّمكم الله، وهو أن لا [يجثمن] [[هكذا في الأصل.]] ولا يعضنّ ولا يقتلن ولا يأكلن فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ عند إرسال البهم والجوارح. حكم الآية والمعلم من الجوارح الذي يحلّ صيده هو أن يكون إذا أرسله صاحبه وأشلاه استشلى وإذا أخذ أمسك ولم يأكل. فإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يفرّ منه، فإذا فعل ذلك مرّات. فهو معلّم فمتى كان بهذا الوصف. فاصطاد جاز أكله فإذا أمسك الصيد ولم يأكل منه جاز أكله، وكان حلالا، فإن أكل منه، فللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يحلّ ولا يؤكل وهو الأشهر والأظهر من مذهبه لأنّ الله عز وجل قال: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وهو لم يمسك علينا وإنما أمسك على نفسه، وهذا قول الحسن وطاوس والشعبي وعطاء والسدّي. وقال ابن عباس: إذا أرسلت الكلب فأكل من صيد فهي ميتة لا يحل أكله لأنه سبع أمسكه على نفسه، ولم يمسك عليك ولم يتعلم ما علّمته، فاضربه ولا تأكل من صيده. يدل عليه ما روى الشعبي عن عدي بن حاتم أنه سأل رسول الله ﷺ‎ عن الصيد فقال: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه فإن أدركته لم يقتل، فاذبح واذكر اسم الله عليه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك، فإن وجدته قد أكل منه فلا تطعم منه شيئا، فإنما أمسك على نفسه، فإن خالط كلبك كلاب فقتلن ولم يأكلن فلا تأكل منه فإنك لا تدري أيّها قتل) [[سنن النسائي: 7/ 179.]] . (وإذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن أدركته فكل، إلّا أن تجده وقع في ماء فمات فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك) فإن وجدته بعد ليلة أو ليلتين ولم تر فيه سهمك فإن شئت أن تأكل منه فكل» [[السنن الكبرى: 9/ 242 والمعجم الكبير: 17/ 74 بتفاوت يسير.]] [21] . والقول الثاني: أنه يحلّ وإن أكل وهو قول سلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقّاص، وابن عمر، وأبي هريرة، قال حميد بن عبد الله وسعد ابن أبي وقّاص: لنا كلاب ضواري يأكلن ويبقين، قال: كل وإن لم يبق إلّا نصفه أو ثلثيه فكل ميتة. وروى ذلك عن النبي ﷺ‎ ولا فرق في حمله على ما ذكرنا من الطيور والسباع المعلمة. وروى أبو قلابة عن ثعلبة [[في المصدر: عن أبي ثعلبة.]] الخشني: أنه جاء إلى النبي ﷺ‎ قال: يا رسول الله إن أرضنا أرض صيد فأرسل سهمي وأذكر اسم الله وأرسل كلبي المعلم وأذكر اسم الله وأرسل كلبي الذي ليس معلم فقال النبي ﷺ‎: «ما حبس عليك سهمك، وذكرت اسم الله [فكل] ، وما حبس عليك كلبك المعلم وذكرت اسم الله، فكل وما حبس عليك كلبك الذي ليس معلم فأدركت ذكاته فكل وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل» [[المعجم الكبير: 22/ 231.]] [22] . وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعني الذبائح وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ يعني ذبائح اليهود والنصارى، ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل أن يبعث محمد ﷺ‎ حلال لكم، فمن دخل في دينهم بعد بعث النبي ﷺ‎ فلا تحل ذبيحته، فأما إذا سمّى أحدهم غير الله عند الذبح مثل قول النصارى: باسم المسيح، اختلفوا فيه. فقال ربيعة: سمعت ابن عمر يقول: لا تأكلوا ذبائح النصارى، فإنهم يقولون: باسم المسيح، فإنهم لا يستطيعون أن تهدوهم وقد ظلموا أنفسهم، دليله قوله وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ. والقول الثاني: إنّه يجوّز ذبيحتهم، الكتابي، وإن سمّي غير الله فإن هذا مستثنى من قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وهي إنما نزلت في ذبائح المشركين وما كانوا يذبحونها لأصنامهم، وعلى هذا أكثر العلماء. قال الشعبي وعطاء: في النصراني يذبح فيقول: باسم المسيح قالا: يحلّ. فإنّ الله عز وجل قد أحل ذبائحهم وهو أعلم بما يقولون. وسأل الزهري ومكحول عن ذبائح عبدة أهل الكتاب، [والمربيات] لكنائسهم وما ذبح لها فقالا: هي حلال، وقرأ هذه الآية. وقال الحسن والحرث العكلي: ما كنت أسأله عن ذبحه فإنه أحل الله لنا طعامه، فإذا ذبح اليهودي والنصراني فذكر غير اسم الله وأنت تسمع فلا تأكله، فإذا غاب عنك فكل، فقد أحل الله لك [ما في] القرآن، فذبح اليهود والنصارى ونحرهم مكروه. قال علي (رضي الله عنه) : «لا يذبح ضحاياكم اليهود ولا النصارى ولا يذبح نسكك إلّا مسلم» [[السنن الكبرى: 5/ 239 قريب منه.]] [23] . قوله عز وجل وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها، فقال قوم: عنى بالإحصان في هذه الآية الحرية وأجازوا نكاح كل حرّة، مؤمنة كانت أو كتابية فاجرة كانت أو عفيفة وحرّموا إماء أهل الكتاب أن يتزوجهن المسلم بحال، وهذا قول مجاهد وأكثر الفقهاء، والدليل عليه قوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا الآية، فشرط في نكاح الإماء الإيمان. وقال آخرون: إنما عنى الله تعالى بالمحصنات في هذه الآية، العفائف من الفريقين إماءكنّ أو حرائر، فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب بهذه الآية، وحرّموا البغايا من المؤمنات والكتابيات، وهذا قول أبي ميسرة والسّدي. وقال الشعبي: إحصان اليهودية والنصرانية أن تغتسل من الجنابة، وتحصن فرجها. وقال الحسن: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة فاستيقن فإنه لا يمسكها، ثم اختلفوا في الآية أهي عامة أم خاصة. فقال بعضهم: هي عامة في جميع الكتابيات حربيّة كانت أو ذميّة، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. وقال بعضهم: هي الذميّات، فإما الحربيات فإنّ نساءهم حرام على المسلمين، وهو قول ابن عباس. السدّي عن الحكم عن مقسم عنه قال: من نساء أهل الكتاب من تحلّ لنا ومنهم من لا تحل لنا، ثم قرأ: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.... إلى قوله. صاغِرُونَ. فمن أعطى الجزية حلّ لنا نساؤه ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه. قال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم فأعجبه، وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات، ويفسر هذه الآية بقوله: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ يقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى. وروى المبارك عن سليمان بن المغيرة قال: سأل رجل الحسن: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ماله ولأهل الكتاب وقد أكثر الله المسلمات: فإن كان لا بدّ فاعلا فليعمد إليها حصانا غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة، قال: هي التي إذا ألمح الرجل إليها بعينه أتبعته وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. قال قتادة: ذكر لنا ان رجالا قالوا لما نزل قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ: كيف نتزوّج نساء لسن على ديننا؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل ابن حيّان: نزلت فيما أحصن المسلمون من نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إحصان المسلمين إيّاهنّ بالذي يخرجهنّ من الكفر يعني عنهن في دينهن [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] وجعلهن ممن كفر بالإيمان، فقد حبط عمله وهو بعد للناس عامّة، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني من أهل النّار. وقال ابن عباس: ومن يكفر بالله قال الحسن بن الفضل: إن صحت هذه الرواية كان فمعناه برب الإيمان وقيل: بالمؤمنين به. قال الكلبي: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أي بما أنزل على محمد ﷺ‎. قال الثعلبي رحمه الله: وسمعت أبا القاسم الجهني قال: سمعت أبا الهيثم السنجري يقول: الباء صلة كقوله تعالى: يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [[سورة الإنسان: 6.]] تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [[سورة المؤمنون: 20.]] والمعنى وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أي يجحده فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. وقرأ الحسن بفتح الباء، قرأ ابن السميع: فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب