الباحث القرآني

إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يعني حين قال الله يا عيسى بن مريم، محل عيسى نصب لأنه نداء المنصوب إذا جعلته نداء واحدا: فإن شئت جعلته ندائين فيكون عيسى في محل الرفع لأنه نداء مفرد وابن في موضع النصب لأنه نداء مضاف، وتقدير الكلام يا عيسى يا ابن مريم. نظيره قوله: يا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد ابن الجواد ابن الجود [[تفسير مجمع البيان: 3/ 448.]] ذلك في حكم الرفع والنصب، وليس بن المنذر عن النصب اذْكُرْ نِعْمَتِي قال الحسن: ذكر النعمة شكرها وأراد بقوله نعمتي نعمي لفظه واحد ومعناه الجمع كقوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [[سورة إبراهيم: 34.]] أراد نعم الله لأن العدد لا ينفع على الواحد عَلَيْكَ يا عيسى وَعَلى والِدَتِكَ مريم، ثم ذكر النعم إِذْ أَيَّدْتُكَ قوّيتك وأعنتك بِرُوحِ الْقُدُسِ يعني جبرئيل تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صبيا وَكَهْلًا نبيا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ قال ابن عباس: أرسله الله وهو ابن ثلاثين سنة فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [[زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 332.]] . وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ يعني الخط وَالْحِكْمَةَ يعني العلم والقيم وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ وتجعل وتصوّر وتقدر إلى قوله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [[سورة المؤمنون: 14.]] أي المصورين من الطين كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ كصورة الطير. بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي حيا يطير بإذني وَتُبْرِئُ تصح وتشفي الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم أحياء بِإِذْنِي فأحيا سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية وَإِذْ كَفَفْتُ منعت وصرفت بَنِي إِسْرائِيلَ يعني اليهود عَنْكَ حين همّوا بقتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني الدلالات والمعجزات التي ذكرتها فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني ما جاءتهم من البينات ومن قال ساحر بالألف فإنه راجع إلى عيسى (عليه السلام) . محمد بن عبد الله بن حمدون، مكي بن عبدان، أبو الأزهر عن أسباط عن مجاهد بن عبد الله ابن عمير قال: لما قال الله لعيسى اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد ولم يكن له بيت فيخرب ولا ولد فيموت أينما أدركه الليل بات. وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم الوحي. والوحي على أقسام، وحي بمعنى إرسال جبرئيل إلى الرسول، ووحي بمعنى الإلهام كالإيحاء إلى أم موسى والنحل ووحي بمعنى الأحلام في حال اليقظة في المنام. قال أبو عبيدة: أوحى لها: أي إليها، وقال الشاعر: ومن لها القرار فاستقرت ... وشدها بالراسيات الثبت [[لسان العرب: 15/ 380 وتفسير القرطبي: 20/ 149.]] يعني أمرت (وإلى) صلة يقال: أوحى ووحى. قال الله بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [[سورة الزلزلة: 5.]] . قال العجاج: أوحى لها القرار فاستقرّت. أي أمرها بالقرار فقرت. والحواريون خواص أصحاب عيسى. قال الحسن: كانوا قصارين. وقال مجاهد: كانوا صيادين. وقال السدي: كانوا ملاحين [[راجع تفسير القرطبي: 4/ 97.]] . وقال قتادة: الحواريون الوزراء. وقال عكرمة: هم الأصفياء. وكانوا اثني عشر رجلا، بطرس ويعقوب ويحنس واندرواسى وخيلبس وأبرثلما ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقيا، وتداوسيس، وفتاتيا، وتودوس [[تفسير الطبري: 6/ 20.]] ، أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي عيسى قالُوا حين لقيتهم ورفقتهم آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ. قرأ علي وعائشة وابن عباس وابن جبير ومجاهد: هل تستطيع بالتاء، ربَّك بنصب الباء ، وهو اختيار الكسائي وأبي عبيد على معنى هل تستطيع أن تدعو ربّك كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] وقالوا: لأن الحواريين لم يكونوا شاكّين في قدرة الله تعالى. وقرأ الباقون بالياء قيل: يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ برفع الباء فقالوا: إنهم لم يشكوا في قدرة الله تعالى وإنما معناه هل ينزل أم لا كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنّه يستطيع وإنّما يريد هل يفعل أم لا، وأجراه بعضهم على الظاهر، فقالوا: غلط قوم وكانوا مشوا، فقال لهم عيسى عند الغلط استعظاما لقولهم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ... اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي أن تشكوا في قدرة الله تعالى أو تنسبوه إلى عجز أو نقصان ولستم بمؤمنين والمائدة هي الخوان الذي عليه الطعام وهي فاعلة إذا أعطاه وأطعمه، كقولهم: ماد يميد، وغار يغير، وامتاد افتعل ومنه قول روبة: تهدى رؤس المترفين الأنداد ... إلى أمير المؤمنين الممتاد أي المستعطي. قال رؤبة: والمائدة هي المطعمة المعطية الآكلين الطعام وسمي الطعام أيضا مائدة على الخوان لأنه يؤكل على المائدة كقولهم للمطر سماء، وللشحم ثرى. وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد الآكلون أي تميل ومنه قوله وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [[سورة النحل: 15.]] . قال الشاعر: وأقلقني قتل الكناني بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد [[تفسير القرطبي: 6/ 367.]] فقال أهل البصرة: هي فاعلة بمعنى المفعول أي تميد بالآكلين إليها، كقوله عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي مرضية، قال عيسى مجيبا لهم اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فلا تشكوا في قدرته. وقيل: اتَّقُوا اللَّهَ أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم قالُوا إنما سألنا لأنا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها نستيقن قدرته وَتَطْمَئِنَّ تسكن قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا بأنك رسول الله. وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لله بالوحدانية والقدرة ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لك عند بني إسرائيل، إذا رجعنا إليهم، قالَ عِيسَى عند ذلك اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ حال ردّ إلى الاستقبال أي كائنة وذلك كقوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي [[سورة مريم: 6.]] يعني يصدقني في قراءة من رفع. وقرأ عبد الله والأعمش: تكن لنا بالجزم على جواب الدعاء. عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا أي عائدا من علينا وحجة وبرهانا والعيد اسم لما أعتد به وعاد إليك من كل شيء ومنه قيل: أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة. ويقال: لطيف الخيال عيد. قال الشاعر: يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومرّ طيف على الأهوال طراق [[لسان العرب: 3/ 318.]] فقال آخر: إعتاد قلبك من جبينك عود ... شق عناك فأنت عنه تذود وأنشد الفراء: فوا كبدي من لاعج الحب والهوى ... إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها [[كتاب العين: 1/ وفيه: نفسي، بدل: قلبي.]] وأصله عود بالواو ولأنه من عاد يعود إذا رجع فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها مثل النيران والميقات والميعاد. قال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا. وقال سفيان: نصلي فيه. وقال الخليل بن أحمد: العيد كل يوم مجمع كأنهم عادوا إليه. وقال ابن الأنصاري: سمي العيد عيدا للعود من الترح إلى الفرح فهو يوم سرور للخلق كلهم ألا ترى أن المسجونين لا يطالبون ولا يعاقبون ولا تصطاد فيه الوحوش والطيور ولا ينفذ الصبيان إلى المكتب [[راجع روضة الواعظين للفتال النيشابوري: 352.]] ، وقيل: سمي عيدا لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته ألا ترى إختلاف ملابسهم وأحوالهم وأفعالهم فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف ومنهم من يظلم ومنهم من يرحم، وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف فاضل تشبيها بالعيد وهو فحل نجيب كريم ومشهور في العرب وينسبون إليه فيقال: إبل عيدية [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 368.]] . قال الراعي: عيد به طويت على زفراتها ... طي القناطر قد نزلن نزولا [[لسان العرب: 4/ 325، وفيه: حوزيّة طويت.]] وقوله لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا يعني قبل زماننا ولمن يجيء بعدنا. وقرأ زيد بن ثابت: لأولنا وآخرنا على الجميع. وقال ابن عباس: يعني نأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. وَآيَةً مِنْكَ دلالة وحجة وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قالَ اللَّهُ مجيبا لعيسى إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ يعني المائدة. وقرأ أهل الشام والمدينة، وقتادة وعاصم: مُنَزِّلُها في التشديد لأنها نزلت وقرأت والتفعل يدل في الكثير مرة بعد مرة لقوله وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا. وقرأ الباقون بالتخفيف لقوله: أَنْزِلْ عَلَيْنا ... فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ أي بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير. وقال عبد الله بن عمران: أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. واختلف العلماء في المائدة هل نزلت عليهم أم لا؟ فقال مجاهد: ما نزلت المائدة وهذا مثل ضربه الله. وقال الحسن: والله ما نزلت مائدة إن القوم لما سمعوا الشرط وقيل لهم فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ الآية استغفروا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة فيها فلم ينزل، والصواب إنها نزلت لقوله: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ولا يقع في خبره الخلف، وتواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ‎ وأصحابه والتابعين وغيرهم من علماء الدين في نزولها، قال كعب: نزلت يوم الأحد، لذلك اتخذه النصارى عيدا. واختلفوا في صفتها وكيف نزولها وما عليها. فروى قتادة عن جلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله ﷺ‎ قال: «نزلت المائدة خبزا ولحما وذلك أنهم سألوا عيسى طعاما يأكلون منه لا ينفد، قال، فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا أو تخبوا أو ترفعوا فإن فعلتم ذلك عذبتكم، قال: فما مضى يومهم حتى خبوا ورفعوا وخانوا» . وقال إسحاق بن عبد الله: إن بعضهم سرق منها، وقال لعلها لا تنزل أبدا فرفعت ومسخوا قردة وخنازير. وقال ابن عباس: إن عيسى بن مريم قال لبني إسرائيل: صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه فصاموا ثلاثين يوما فلما فرغوا قالوا: يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا طعاما ولأصبحنا من وجعنا، فادع لنا الله أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ فنزل الملائكة بمائدة يحملونها، عليه سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم وأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. وروى عطاء بن سائب عن باذان وميسرة قالا: كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي من السماء بكل طعام إلّا اللحم. وقال ابن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلّا الخبز واللحم. قال عطاء: نزل عليها كل شيء إلّا السمك واللحم. قال العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء. وقال عمار وقتادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمر من ثمار الجنة. وقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا، فقيل لوهب: ما كان ذلك يغني عنهم، قال: لا شيء ولكن الله أضعف لهم البركة، فكان لهم يأكلون ثم يخرجون فيجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوها جميعهم وفضل. وقال الكلبي ومقاتل: استجاب الله لعيسى (عليه السلام) فقال إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ كما سألتم فمن أكل من ذلك الطعام ثم لا يؤمن جعلته مثلا، ولعنة لمن بعدهم، قالوا: قد رضينا فدعا شمعون وكان أفضل الحواريين، فقال: هل لكم طعام؟ قال: نعم معي سمكتان صغيرتان وستة أرغفة، فقال: عليّ بها فقطعهن عيسى قطعا صغارا، ثم قال: اقعدوا في روضة فترفقوا رفاقا كل رفقة عشرة، ثم قام عيسى ودعا الله فاستجاب الله له ونزل فيها البركة فصار خبزا صحاحا وسمكا صحاحا، ثم قام عيسى فجعل يلقي في كل رفقة ما عملت أصابعه ثم قال: كلوا بسم الله فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم فأكلوا ما شاء الله وفضل خمس الذيل، والناس خمسة آلاف ونيف. وقال الناس جميعا: نشهد إنك عبده ورسوله ثم سألوا مرة أخرى فدعا عيسى (عليه السلام) فأنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة وسمكتين فصنع بها ما صنع في المرة الأولى فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا هذا الحديث ضحك منهم من لم يشهدوا وقالوا لهم: ويحكم إنما سحر أعينكم. فمن أراد به الخير بثّته على بصيرته ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة فمكثوا بذلك أيام ثم هلكوا ولم تبق ولم يأكلوا ولم يشربوا فكذلك كل ممسوخ. وقال كعب الأحبار: نزلت مائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلّا اللحم. وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل. فقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاءوا. وروى عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي إنه قال: والله ما اتبع عيسى (عليه السلام) شيئا من المآذي قط ولا انتهر شيئا ولا قهقه ضحكا ولا ذبّ ذبايا عن وجهه ولا أخلف على أنفه من أي شيء قط ولا عتب إليه. ولما سأله الحواريون أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا وبكى، وقال: اللَّهُمَّ ... أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ الآية وَارْزُقْنا عليها طعاما نأكله وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فنزل الله سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها [وهي تجيء مرتفعة] حتى سقطت من أيديهم فبكى عيسى فقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة. واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال عيسى: أيكم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله ويأكل منها؟ فقال شمعون. رئيس الحواريين-: أنت بذلك أولى منا، فقام عيسى وتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا ثم كشف المنديل عنها وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا هو بسمكة مشوية ليس عليها ضلوعها ولا شوك فيها سيل سيلا من الدسم وعند رأسها ملح ويمتد ذنبها خل وجهها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد. فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء فعله الله بالقدرة العالية فكلوا مما سألتم مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منكم في الآخرة. وقال محمد بن كعب: تعلم ما أريد فلا أعلم ما تريد. وقال عبد العزيز بن يحيى: تعلم سرّي ولا أعلم سرّك لأن السرّ هو موضعه الأنفس. قال الزجاج: يعلم جميع ما أعلم ولا أعلم ما يعلم من النفس عبارة عن حملة الشيء وحقيقته وذاته ولا أنه إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما كان وما يكون ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوه وأطيعوه ولا تشركوا به شيئا وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ أقمت فيهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي قبضتني إليك. قال الحسن: الوفاة في كتاب الله على ثلاثة أوجه، وفاة الموت وذلك قوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [[سورة الزمر: 42.]] يعني وجعل نقصان أجلها وفاة النوم، وذلك قوله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [[سورة الأنعام: 60.]] يعني ينيمكم، ووفاة بالرفع كقوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [[سورة آل عمران: 55.]] . إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وقرأ الحسن: فإنهم عبيدك وإن يتوبوا فيغفر لهم فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وقال السدي: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ وتميتهم بنصرانيتهم فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام فَإِنَّكَ الرب الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في الملك والنقمة، الحكيم في قضائك. قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [[سورة المائدة: 119.]] في الآخرة. قال قتادة: متكلمان خطها يوم القيامة وهو ما قص الله عليكم وعدو الله إبليس وهو قوله وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ فصدهم عن ذلك يومئذ وكان قبل ذلك كاذبا فلم ينفعه صدقه يومئذ، وأما عيسى فكان صادقا في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه. وقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الآخرة ليس فيها عمل إنما فيها الثواب والجزاء، ويَوْمُ رفع على خبر هذا، ونصبه نافع على الحرف يعني إنما تكون هذه الأشياء في يوم يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، وقرأ الحسن: هذا يومٌ بالتنوين، ثم بيّن لهم ثوابها فقال لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فازوا بالجنة ونجوا مما خافوا، ثم عظّم نفسه عمّا قالت النصارى من بهتان بأن معه إلها فقال لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب