الباحث القرآني

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ تعجّب وفيه اختصار إلى وكيف يجعلونك حاكما ويرضون بمحمد وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ وهو الرجم فلا يرضون بذلك. ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ إلى قوله لِلَّذِينَ هادُوا فإن قيل: وهل فينا غير مسلم؟ فالجواب أن هؤلاء نبيو الإسلام لا على أن غيرهم من النبيين لم يتولوا المسلمين وهذا كقوله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [[سورة الفتح: 29.]] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ [[سورة الأعراف: 158.]] لا يريد أن غيره من الأنبياء لم يؤمنوا بالله وكلماته. وقيل: لم يرد به الإسلام الذي هو ضد الكفر. وإنما المراد به الذين انقادوا لحكم الله فلم يكتموه كما كتم هؤلاء، يعرّض بأهل الكتاب. وهذا كقوله وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة آل عمران: 83.]] . وقال يزيد بن عمرو بن فقيل: أسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا، وأسلمت وجهي لمن أسلمت له العيون تحمل عذبا زلالا. وقيل: معناه الَّذِينَ أَسْلَمُوا أنفسهم إلى الله. كما روي إن النبي ﷺ‎ كان يقول إذا أوى إلى فراشه: «أسلمت نفسي إليك» [[نصب الراية: 2/ 296.]] [74] . وقيل: معناه: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بما في التوراة من الشرائع ولم يعمل به كمثل عيسى (عليه السلام) وهو قوله تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [[سورة المائدة: 48.]] وهو معنى قول ابن حيّان يحكم بما في التوراة من لدن موسى إلى عيسى عليهما السلام. وقال الحسن والسدّي أراد محمدا ﷺ‎ حكم على اليهود بالرجم وذكره بلفظ الجمع كما قال تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [[سورة النحل: 120.]] وقال: أم تحسدون الناس في الحياة وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ يعني العلماء وهم ولد هارون (عليه السلام) وأحدهم محبر وحبر وهو العالم المحكم للشيء ومنه الكعب بن قانع كعب الأحبار وكعب الحبر. قال الفرّاء: أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد الأحبار بكسر الحاء واختلفوا في اشتقاق هذا الإسم. فقال الكسائي وأبو عبيدة: هو من الحبر الذي يكتب به. وقال النضر بن شميل: سألت الخليل عنه، فقال: هو من الحبار وهو الأثر الحسن. فأنشد: لا تملأ الدلو وعرق فيها ... ألا ترى حبّار من يسقيها [[الصحاح: 2/ 620.]] قال قطرب: هو من الحبر وهو الجمال والهيئة يدل عليهم قول النبي ﷺ‎: «يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره» [أي جماله وبهاؤه] [[زاد المسير: 2/ 281.]] [75] . وقال العباس لرسول الله ﷺ‎: يا ابن أخ فيم الجمال؟ قال: «في اللسان» [76] . وقال مصعب بن الزبير لابنه: يا بني تعلم العلم فإن كان لك مال كان جمالا وإن لم يكن عندك علم كان لك مالا، بِمَا اسْتُحْفِظُوا استودعوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ إنه كذلك فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ إلى قوله الْكافِرُونَ واختلف العلماء في معنى الآية وحكمها. فقال الضحّاك وأبو إسحاق وأبو صالح وقتادة: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود وليس في أهل الإسلام منها شيء فأما هذه الأمّة فمن أساء منهم وهو يعلم إنه قد أساء وليس بدين. يدلّ على صحة هذا التأويل. ما روى الأعمش عن عبد الله بن مرّة عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ‎ في قوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ والظَّالِمُونَ والْفاسِقُونَ. قال: كلها في الكافرين. وقال النخعي والحسن: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضىّ لهذه الآية بها فهي على الناس كلّهم واجبة. عن ابن عباس وطاوس ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعل ذلك وهو به كفر، وليس كمن يكفر بالله واليوم [الآخر] . عطاء: هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. عكرمة: معناه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ جاحدا به فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وهذه رواية الوالبي عن ابن عباس قال: وسمعت أبا القاسم الحبيبي، قال: سمعت أبا زكريا العنبري، يحكي عن عبد العزيز بن يحيى الكناني إنه سأل عن هذه الآيات، قال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق. فأما من يحكم ببعض ما أنزل الله من التوحيد [وترك] الشرك ثم لم يحكم بهما [فبين] [[هذا الظاهر من الأصل.]] ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات. قالت الحكماء: هذا إذا ردّ بنص حكم الله عيانا عمدا، فأما من جهله أو أخفي عليه أو أخطأ في تأويل ابتدعه أو دليل اتّجه له فلا، وأجراها بعضهم على الظاهر. وقال ابن مسعود، والسدّي: من ارتشى في الحكم وحكم فيه بغير حكم الله فهو كافر [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 191.]] وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أي وأوحينا في بني إسرائيل في التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ يعني النفس القاتلة بالنفس المقتولة [ظلما] [[تفسير الطبري: 6/ 364.]] وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ بقلعهما وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ يجدع به وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ يقطع به أذنيه. نافع: في جميع الفقهاء [وقرأ] الباقون وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ يقلع به وسائر الجوارح قياس على العين والأنف والأذن وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ وهذا مخصوص فيما يمكن القصاص فيه، فأما ما كان من هيضة لحم أو هيضة عظم ويعده ركن لا يحيط العلم به وقياس أو حكومة. واختلف الفقهاء في هذه الآية، فقرأ الكسائي: وَالْعَيْنَ رفعا إلى آخره. واختار أبو عبيد لما روى ابن شهاب عن أنس أن رسول الله ﷺ‎ قرأه وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ نصبا، والعينُ بالعين، والأنفُ بالأنف، والأذنُ بالأذن، والسنُّ بالسن، والجروحُ قصاص، كله رفع. وأما أبو جعفر وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو فكانوا يرفعون الْجُرُوحَ وينصبون سائرها. وقتادة، أبو حاتم قالوا: لأن لهما نظائر في القرآن قوله أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ وإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [[سورة الأعراف: 128.]] وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ [[سورة الجاثية: 32.]] . وقرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة ويعقوب [بالعطف] كلها نصبا ودليلهم قوله تعالى: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَأن الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَأن الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَأن الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ فإن الْجُرُوحَ قِصاصٌ. فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ اختلفوا في الهاء في قوله «بِهِ» ، فقال قوم: هي كناية عن المجروح وولي القتيل، ومعناه فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، للمتصدق يعدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدّق. وهو قول عبد الله بن عباس والحسن والشعبي وقتادة وجابر بن زيد، دليل هذا القول لحجة ما روى الشعبي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من تصدّق عن جسده بشيء كفّر الله عنه بقدر ذلك من ذنوبه» [[مسند أحمد: 5/ 330، وسنن النسائي: 6/ 335.]] [77] . وروى وكيع عن يوسف بن أبي إسحاق عن أبي السهر قال: كسر رجل من قريش سنّ رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية، فقال القريشي: إن هذا داق سني. قال معاوية: كلا أما تسترضيه، فلمّا ألحّ عليه الأنصاري، قال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس. فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «ما من مسلم يصاب بشيء عن جسده فيتصدّق به إلّا رفعه الله به درجة وحطّ به عن خطيئة» [[كنز العمال: 15/ 12، ح 39850.]] [78] . فقال الأنصاري: أنت سمعت بهذا من رسول الله ﷺ‎؟ قال: نعم سمعته أذناي ووعاه قلبي فعفى عنه. وروى عوف عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: جيء بالقاتل الذي قتل إلى رسول الله ﷺ‎ جاء به ولي المقتول، فقال رسول الله ﷺ‎: أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: القتل، قال: نعم [قال: اذهب، فذهب] فدعاه فقال: أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: القتل، قال: نعم، قال: اذهب، فلما ذهب قال: أما لك أن عفوت فإنه يبوء بإثمك، وإثم صاحبك. قال: فعفي عنه فأرسله ورأيته وهو يجر شسعيه. وروى عمران عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: طعن رجل رجلا على عهد معاوية، فأعطوه ديتين على أن يرضى. فلم يرض وأعطوه ثلاث ديات فلم يرض. وحدث رجل عن المسلمين عن النبي ﷺ‎ إنه قال: «من تصدّق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق» [[مجمع الزوائد: 6/ 302 وجامع البيان: 6/ 356.]] [79] . وعن عمر بن نبهان عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ‎ قال: «ثلاث من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة من أي أبواب الجنة شاء وتزوج من الحور العين حيث [[في المصدر: كم.]] شاء من أدى دينا [خفيا] وعفا عن قاتل وقرأ دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرّات قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» [80] . قال أبو بكر: وإحداهن يا رسول الله؟ قال: وإحداهن. وقال آخرون: عني بذلك الجارح والقاتل، يعني إذا عفا المجنى عليه عن الجاني فعفوه عن الجاني كفّارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة كما أن القصاص كفّارة له كما إن العافي المتصدق فعلى الله تعالى، قال الله تعالى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم، وروي ذلك عن ابن عباس. والقول الأوّل أجود لأنّه ربما تصدّق من عليه ولم يتب الخارج من فعله فإنه كفّارة له والدليل عليه قراءة أبي: فمن تصدّق به فهو كفّارة له. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ على آثار النبيين المسلمين للتوراة العالمين به بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب