الباحث القرآني

وَقَوْمَ نُوحٍ قرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائي وخلف (وَقَوْمِ) بجرّ الميم في قَوْمَ نُوحٍ، وقرأ الباقون بالنصب، وله وجوه: أحدهما: أن يكون مردودا على الهاء والميم في قوله فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي وأخذت قوم نوح، والثاني: وأهلكنا قوم نوح، والثالث: واذكر قوم نوح مِنْ قَبْلُ أي من قبل عاد وثمود وقوم فرعون إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ بقوة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ قال ابن عباس قادرون، وعنه أيضا: لَمُوسِعُونَ الرزق على خلقنا. الضحاك: أغنياء، دليله قوله سبحانه عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ القتيبي: ذوو سعة على خلقنا. الحسين بن الفضل: أحاط علمنا بكل شيء. الحسن: مطبقون. وَالْأَرْضَ فَرَشْناها بسطنا ومهّدنا لكم فَنِعْمَ الْماهِدُونَ الباسطون، والمعنى في الجمع التعظيم. وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل والجبل، والشتاء والصيف، والجن والانس، والكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والحق والباطل، والذكر والأنثى، والجنة والنار. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتعلمون أنّ خالق الأزواج فرد. فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أي: فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان ومجانبة العصيان. قال ابن عباس: فرّوا منه إليه، واعملوا بطاعته، وقال أبو بكر الورّاق: فرّوا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرّحمن، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف قال: حدّثنا محمد بن حمدان بن سفيان، قال: حدّثنا محمد بن زياد قال: حدّثنا يعقوب بن القاسم، قال: حدّثنا محمد بن معز عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان في قوله سبحانه فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ قال: اخرجوا إلى مكة. الحسين بن الفضل: احترزوا من كل شيء دونه، فمن فرّ إلى غيره لم يمتنع منه. قال الجنيد: الشيطان داع إلى الباطل، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ يمنعكم منه. ذو النون: ففرّوا من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الشكر. عمرو بن عثمان: فرّوا من أنفسكم إلى ربّكم. الواسطي: فرّوا إلى ما سبق لكم من الله ولا تعتمدوا على حركاتكم. سهل بن عبد الله: فرّوا مما سوى الله إلى الله. إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ. وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ. كَذلِكَ أي: كما كفر بك قومك، وقالوا ساحر ومجنون كذلك ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَواصَوْا بِهِ أوصى بعضهم بعضا بالتكذيب وتواطؤوا عليه، والألف فيه ألف التوبيخ. بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ عاصون. فَتَوَلَّ فأعرض عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ فقد بلّغت ما أرسلت به وما قصّرت فيما أمرت. قال المفسرون: فلمّا نزلت هذه الآية حزن رسول الله ﷺ‎، واشتدّ ذلك على أصحابه، ورأوا أن الوحي قد انقطع وأنّ العذاب قد حضر، فأنزل الله سبحانه ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قال علي بن أبي طالب: معناه إلّا لآمرهم أن يعبدون، وأدعوهم إلى عبادتي ، واعتمد الزجاج هذا القول، ويؤيده قوله وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً وقوله: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. قال ابن عباس: ليقرّوا لي بالعبودية طوعا أو كرها. فإن قيل: فكيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلّل لأمره ومشيئته، وأنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضى عليهم؟ [قلنا:] لأنّ قضاءه جار عليهم ولا يقدرون الامتناع منه إذا نزل بهم، وإنّما خالفه من كفر به في العمل بما أمره به، فأمّا التذلّل لقضائه فإنّه غير ممتنع فيه، وقال مجاهد: إلّا ليعرفون. ولقد أحسن في هذا القول لأنّه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده، ودليل هذا التأويل قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ الآيات. وروى حيّان عن الكلبي: إلّا ليوحّدون، فأمّا المؤمن فيوحّده في الشدّة والرخاء، وأمّا الكافر فيوحده في الشدّة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله سبحانه: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الآية. وقال عكرمة: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ويطيعون. فأثيب العابد وأعاقب الجاحد، وقال الضحاك وسفيان: هذا خاص لأهل عبادته وطاعته. يدلّ عليه [ما] قرأه ابن عباس: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ من المؤمنين إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. قال في آية أخرى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقال بعضهم: معناه وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلّا لعبادتي، والأشقياء منهم إلّا لمعصيتي، وهذا معنى قول زيد بن أسلم، قال: ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة، وقال الحسين بن الفضل: هو الاستعباد الظاهر. وليس على هذا القدر لأنّه لو قدر عليهم عبادته لما عصوه ولما عبدوا غيره وإنمّا هو كقوله: جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ثم قال: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ. ووجه الآية في الجملة أنّ الله تعالى لم يخلقهم للعبادة خلق جبلة وإجبار وإنّما خلقه لهم خلق تكليف واختيار، فمن وفّقه وسدّده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل بما خلق لها. كقوله ﷺ‎: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» [98] [[مسند أحمد: 1/ 82.]] والله أعلم. ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ أي رزقا وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ قراءة العامّة برفع النون على نعت الله سبحانه وتعالى، وهو القوي المقتدر المبالغ في القوّة والقدرة. قال ابن عباس: المتين الصلب الشديد، وقرأ يحيى والأعمش الْمَتِينِ خفضا على نعت القوّة. قال الفرّاء: كان حقّه التأنيث [[في المخطوط: التثنية.]] فذكّره لأنّه ذهب به إلى الشيء المبرم المحكم الفتل، كما يقال: حبل متين، وأنشد الفرّاء: لكلّ دهر قد لبست أثوبا ... حتى اكتسى الرأس قناعا أشيبا [[غريب الحديث: 2/ 206.]] من ريطة واليمنة المعصّبا [[تفسير القرطبي: 17/ 57.]] فذكّر المعصب لأنّ اليمنة صنف من الثياب. ومن هذا الباب قوله سبحانه: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ أي وعظ، وقوله: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ أي الصياح والصوت. وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، قال: حدّثنا القطيفي، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا يحيى بن آدم ويحيى بن أبي كثير قالا: حدّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرّحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ‎ إنّي أنا الرزاق ذو القوة المتين. فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا من أهل مكة ذَنُوباً قال ابن عباس وسعيد بن جبير: سجّلا. مجاهد: سبيلا. النخعي: طرفا. عطاء وقتادة: عذابا. الحسن: دولة. الكسائي: حظا. الأخفش: نصيبا. وأصل الذّنوب في اللغة الدلو الكبيرة العظيمة المملوءة ماء. قال الراجز: لها ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب [[لسان العرب: 1/ 392.]] ثم يستعمل في الحظ والنصيب كقول علقمة بن عبيدة. وفي كل قوم قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب [[جامع البيان للطبري: 27/ 18، وفي لسان العرب (كل حي) بدل (كل قوم) لسان العرب: 1/ 277.]] لعمرك والمنايا طارقات ... لكل بني أب منهم ذنوب [[تفسير القرطبي: 17/ 57.]] مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ من كفار الأمم الخالية فَلا يَسْتَعْجِلُونِ بالعذاب، فإنّما أمهلوا مع ذنوبهم لأجل ذنوبهم. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ وهو يوم بدر، وقيل: يوم القيامة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب