الباحث القرآني

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى - الآية- قال ابن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنّهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون نجواهم قالوا: ما نراهم إلّا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو مصيبة أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلا يزالون كذلك حتى يقدم أصحابهم وأقرباؤهم. فلمّا طال ذلك وكثر شكوا إلى رسول الله ﷺ‎ فأمرهم ألّا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال مقاتلان [[كذا في المخطوط، والأولى: المقاتلان.]] : أنزلت في اليهود، وكانت بينهم وبين النبي ﷺ‎ موادعة، فإذا مرّ بهم رجل من أصحاب النبيّ ﷺ‎ (عليه السّلام) جلسوا يتناجون فيما بينهم حتى ينظر المؤمن أنّهم يتناجون بقتله أو بما يكره، فينزل الطريق عليهم من المخافة، فبلغ ذلك النبي (عليه السلام) فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله ﷺ‎ يسأله الحاجة ليري الناس أنّه قد ناجى فيقول لهم: إنّما يتناجون في حرب حضرت، أو جمع قد جمع لكم، أو أمر مهمّ قد وقع، فأنزل الله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى أي المناجاة. ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها وَيَتَناجَوْنَ، قرأ يحيى والأعمش وحمزة (ينتجون) على وزن (يفتعلون) ، وقرأ الباقون يَتَناجَوْنَ على وزن (يتفاعلون) ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: إِذا تَناجَيْتُمْ وتَناجَوْا ولم يقل (انتجيتم) و (انتجوا) . بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وقرأ الضحّاك: (ومعصيات الرسول) فيهما بالجمع وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ وذلك أنّ اليهود كانوا يدخلون على رسول الله ﷺ‎ فيقولون: السام عليك. فيرد عليهم رسول الله: «وعليكم» . ولا يدري ما يقولون، والسام الموت، فإذا خرجوا قالوا: لو كان نبيّا لعذّبنا واستجيب فينا وعرف قولنا. فدخلوا عليه ذات يوم وقالوا: السام عليك. ففطنت عائشة رضي الله عنها إلى قولهم وقالت: وعليكم السام والذام والداء واللعنة. فقال رسول الله ﷺ‎: «مه يا عائشة، إنّ الله- عزّ وجلّ- يحبّ الرفق في الأمر كلّه ولا يحبّ الفحش والتفحّش» . فقالت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟، فقال رسول الله (عليه السّلام) : «ألم تسمعي ما رددت عليهم؟» . فأنزل الله هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ‎: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» [232] [[كنز العمال: 9/ 120 ح هامش رقم 2، ومسند احمد: 3/ 99.]] . ثم نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا، قراءة العامّة بالألف، وروى أويس [[كذا في المخطوط، والظاهر أنه رويس.]] عن يعقوب: (فلا تتنجوا) من الانتجاء. بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ كفعل المنافقين واليهود وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ التناجي بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا حمّاد بن الحسن قال: حدّثنا عبيد الله قال: حدّثنا الأعمش، عن سفيان عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون [صاحبهما] [[في المخطوط (صاحبه) . وما أثبتناه أصح.]] فإنّ ذلك يحزنه» [233] [[مسند احمد: 1/ 375.]] . أخبرنا محمّد بن حمدون قال: أخبرنا مكّي قال: أخبرنا عبد الله بن بشر قال: حدّثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنّ النبي ﷺ‎ قال: «لا يتناج اثنان دون الثالث» [234] [[مسند أحمد بن حنبل 1: 375، 425، 431، 432، 438، 462، 464.]] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا الآية، قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبيّ ﷺ‎ (عليه السّلام) ، وكانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنّوا بمجلسهم عند رسول الله ﷺ‎ فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض. وقال [المقاتلان] [[في المخطوط: مقاتلان.]] : كان النبي (عليه السّلام) في الصفّة وفي المكان ضيق وذلك يوم الجمعة، وكان رسول الله ﷺ‎ يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدر وفيهم ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبي ﷺ‎ فقالوا: السلام عليكم- أيّها النبيّ ورحمة الله. فردّ عليهم النبي (عليه السلام) ثم سلّموا على القوم بعد ذلك، فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم، فعرف النبي (عليه السلام) ما يحملهم على القيام فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبيّ ﷺ‎ فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار والتابعين من غير أهل بدر: «قم يا فلان وأنت يا فلان» [235] [[زاد المسير: 7/ 323.]] . فأقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من أهل بدر، فشقّ ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبيّ ﷺ‎ (عليه السلام) الكراهية في وجوههم، فقال المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس؟ فو الله ما عدل على هؤلاء، أنّ قوما أخذوا مجالسهم وأحبّوا القرب من نبيّهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مقامهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال الكلبي: نزلت في ثابت بن قيس بن الشماس- وقد ذكرت هذه القصّة في سورة الحجرات- فأنزل الله عزّ وجلّ في الرجل الذي لم يتفّسح له يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا: توسّعوا، ومنه قولهم: مكان فسيح إذا كان واسعا في المجلس. قرأ السلمي والحسن وعاصم فِي الْمَجالِسِ- بالألف- على الجمع، وقرأ قتادة: (تفاسحوا) بالألف فيهما، وقرأ الآخرون تَفَسَّحُوا (في المجلس) يعنون مجلس النبيّ ﷺ‎، واختاره أبو حاتم وأبو عبيد قال: لأنّه قراءة العامّة، مع أن المجلس يؤدي معناه عن المجالس كلّها من مجلس النبيّ ﷺ‎ (عليه السلام) وغيره. أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدّثنا فليح، عن أيوب بن عبد الرحمن بن صعصعة [الأنصاري، عن يعقوب] [[بياض في مصوّرة المخطوط، وتمام السند من مسند أحمد بن حنبل.]] بن أبي يعقوب، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «لا يقم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن افسحوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ» [236] [[مسند أحمد بن حنبل 5: 483.]] . وقال أبو العالية والقرظي: هذا في مجالس الحرب ومقاعد القتال، كان الرجل يأتي القوم في الصّف فيقول لهم: توسّعوا، فيأبون عليه لحرصهم على القتال، فأمرهم الله سبحانه أن يفسح بعضهم لبعض. وهذه رواية العوفي عن ابن عباس. قال الحسن: بلغني أنّ رسول الله ﷺ‎ كان إذا قاتل المشركين وصفّ أصحابه للقتال تشاحّوا على الصف الأوّل ليكونوا في أوّل غارة القوم، فكان الرجل منهم يجيء إلى الصّف الأوّل فيقول لإخوانه: توسّعوا لي ليلقى العدوّ ويصيب الشهادة، فلا يوسّعون له رغبة منهم في الجهاد والشهادة، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا قرأ عاصم وأهل المدينة والشام بضم الشينين، وقرأ الآخرون بكسرهما. وهما لغتان، يعني وإذا قيل لكم: قوموا وتحرّكوا وارتفعوا وتوسّعوا لإخوانكم فافعلوا. وقال أكثر المفسّرين: معناه: وإذا قيل لكم: انهضوا إلى الصلاة والجهاد والذكر وعمل الخير أي حق كان فَانْشُزُوا ولا تقصّروا. قال عكرمة والضحاك: يعني إذا نودي للصلاة فقوموا لها، وذلك أن رجالا تثاقلوا عن الصلاة إذا نودي لها، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال ابن زيد: هذا في بيت رسول الله ﷺ‎ وذلك أن كلّ رجل منهم كان يحبّ أن يكون آخر عهده رسول الله، فقال الله سبحانه: وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا عن النبيّ ﷺ‎ وأنّ له حوائج فَانْشُزُوا ولا تطلبوا المكث عنده يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بطاعتهم رسول الله وقيامهم من مجالسهم وتفسّحهم لإخوانهم وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ منهم بفضل علمهم وسابقتهم دَرَجاتٍ فأخبر الله سبحانه أنّ رسول الله ﷺ‎ مصيب فيما أمر وأنّ أولئك المؤمنين مثابون فيما ائتمروا، وأنّ النفر من أهل بدر مستحقّون لما عوملوا من الإكرام وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عامر البلخي قال: حدّثنا القاسم ابن عبّاد قال: حدّثنا صالح بن محمّد الترمذي قال: حدّثنا المسيّب بن شريح، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن قال: قرأ ابن مسعود هذه الآية يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ فقال: أيّها الناس، افهموا هذه الآية ولترغّبكم في العلم فإن الله سبحانه يقول: يرفع الله المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم درجات [[زاد المسير: 7/ 324.]] . وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه قال: أخبرنا صالح ابن مقاتل، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ‎: «فضل العالم على الشهيد درجة، وفضل الشهيد على العابد درجة، وفضل النبيّ ﷺ‎ على العالم درجة، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وفضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناهم» [237] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 418.]] . وقال رسول الله ﷺ‎: «من جاءته منيّته وهو يطلب العلم فبينه وبين الأنبياء درجة واحدة» [238] [[تفسير مجمع البيان: 9/ 418.]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب