الباحث القرآني

مدنية، وهي عشرة آلاف وأربعمائة وثمانون حرفا، وأربعة آلاف وثمان وتسعون كلمة، ومائة وثلاثون آية هشام بن عامر عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّه ما نزل عليّ القرآن إلا آية آية وحرفا حرفا خلا سورة براءة، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فإنّهما أنزلتا عليّ ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة كل يقول: يا محمد استوص بنسبة الله خيرا» [[تفسير مجمع البيان: 5/ 6.]] . يزيد الرقاشي عن ابن عباس. قال: قلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه: ما حملكم على أن [عمدتم] إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ، ووضعتموها في السبع الطوال؟. قال عثمان رضي الله عنه: إن رسول الله ﷺ‎ كان مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فلا انزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وينزل عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال مما نزلت بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزلت، وكانت قصتها شبيهة بقصتها [فظننت أنها منها] ، وقبض رسول الله ﷺ‎ ولم يبين لنا أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم اكتب سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتها في السبع الطوال [[تفسير الطبري: 10/ 70.]] . وسمعت أبا القاسم الحبيبي، سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع السجزي بهراة يقول: سمعت أبا يزيد حاتم بن محبوب الشامي، سمعت عبد الجبار بن العلاء العطار يقول: سئل سفيان بن عيينة: لم لم يكن في صدر براءة: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، فقال: لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين وبالسيف، ولا أمان للمنافقين. بَراءَةٌ رفع بخبر ابتداء مضمر أي: هذه الآيات براءة، وقيل: رفع بخبر معرّف الصفة على التقدير تقديره يعني إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ براءة بنقض العهد وفسخ العقد، وهي مصدر على فعالة كالشناءة والدناءة. مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إلى الذين عاهدهم رسول الله ﷺ‎، كان هو المتولي على العقود وأصحابه كلهم بذلك راضون، فكأنهم عقدوا وعاهدوا فَسِيحُوا رجع من الخبر إلى الخطاب أي قل لهم: سيحوا أي سيروا فِي الْأَرْضِ مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين من أحد من المسلمين بحرب ولا سلب ولا قتل ولا أسر [[تفسير الطبري: 10/ 87.]] . أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يقال: ساح في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسياحا وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي غير فائتين ولا سابقين وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ أي مذلّهم ومورثهم العار في الدنيا وفي الآخرة. واختلف العلماء في كيفية هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله منهم ورسوله إليكم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله من المشركين. فقال محمد بن إسحاق وغيره من العلماء: هم صنفان من المشركين: أحدهما كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر فأمهل تمام أربعة أشهر، والآخر كانت مدة عهده بغير أجل محدود فقصر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه ثم [....] [[كلمة مطموسة في الأصل.]] بحرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يقتل حيث ما أدرك، ويؤسر إلى أن يتوب وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وانتهاؤه إلى عشر من ربيع الآخر. وأما من لم يكن له عهد فإنّما أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يوما، وقال الزهري: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال، وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله ﷺ‎ عهد دون أربعة أشهر، فأتمّ له الأربعة الأشهر، ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر، فهذا الذي أمر أن يتم له عهده، وقال: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، وقال مقاتل: نزلت في ثلاثة أحياء من العرب: خزاعة وبني مذحج وبني خزيمة كان النبي ﷺ‎ عاهدهم بالحديبية سنتين فجعل الله عز وجل أجلهم أربعة أشهر، ولم يعاهد النبي ﷺ‎ بعد هذه الآية أحدا من الناس. وقال الحسن: بعث الله محمدا ﷺ‎ وأمره أن يدعو إلى التوحيد والطاعة، وفرض عليه الشرائع، وأمره بقتال من قاتله من المشركين، فقال: قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وكان لا يقاتل إلّا من قاتله، وكان كافّا عن أهل العهد الذين كانوا يعاهدونه الثلاثة والأربعة الأشهر حتى ينظروا في أمرهم، فإما أن يسلموا وإما أن يؤذنوا بالحرب، ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم وأجلهم أربعة أشهر على أن يسلموا أو يؤذنوا بالحرب، ولم يكن لأحد منهم أجل أكثر من أربعة أشهر، لا من كان له عهد قبل البراءة، ولا من لم يكن له عهد، وكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر، وأحلّ دماء المشركين كلهم من أهل العهد وغيرهم بعد انقضاء الأجل. قال عبد الرحمن بن زيد: نقض كل عهد كان أكثر من أربعة أشهر فردّه إلى الأربعة، وقال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة، وذلك أن رسول الله ﷺ‎ عاهد قريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، فدخلت خزاعة في عهد محمد ﷺ‎، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وكان مع ذا عهود من رسول الله ﷺ‎ ومن قبائل من العرب خصائص، فعدت بنو بكر على خزاعة [فقتلوا رجلا] منها ورفدتهم قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهودهم خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله ﷺ‎ فقال: يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه إلا تلدا كنت لنا أبا وكنا ولدا ... ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا [عتدا] ... وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجرّدا ... أبيض مثل الشمس ينمو صعدا إن سيم خسفا وجهه تربدا ... في فيلق في البحر تجري مزبدا إن قريشا لموافوك [[في تفسير القرطبي: أخلفوك، وهو الصواب بحسب ما يظهر من السياق.]] الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعوا أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا هم [وجدونا] بالحطيم هجّدا ... وقتلونا ركّعا وسجّدا [[انظر تفسير القرطبي: 8/ 65.]] فقال رسول الله ﷺ‎: «أنصرف إن لم أنصركم» [1] فخرج وتجهز إلى مكة، وفتح الله مكة وهي سنة ثمان من الهجرة، ثم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف من تخلف من المنافقين وأرجفوا الأراجيف جعل المشركون ينقضون عهودهم، وأمره الله بإلقاء عهودهم إليهم ليأذنوا بالحرب، وذلك قوله تعالى وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ الآية. فلمّا كانت سنة تسع أراد رسول الله ﷺ‎ الحج فقال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة ولم [........] [[كلام مطموس في الأصل.]] أن حج حتى لا يكون ذلك، فبعث رسول الله ﷺ‎ أبا بكر رضي الله عنه تلك السنة أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، فلمّا سار دعا ﷺ‎ عليا فقال: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذّن بذلك في الناس إذا اجتمعوا» . فخرج علي رضي الله عنه على ناقة رسول الله ﷺ‎ الجدعاء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فأخذها منه فرجع أبا بكر رضي الله عنه إلى النبي ﷺ‎ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل بشأني شيء؟ قال: «لا ولكن لا يبلّغ عني غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنّك كنت معي في الغار وأنّك صاحبي على الحوض» [2] [[زاد المسير لابن الجوزي: 3/ 266.]] . قال: بلى يا رسول الله، وذلك أن العرب جرت عادتها في عقد عهودها ونقضها أن يتولى ذلك عن القبيلة رجل منهم فبعث النبي ﷺ‎ عليا لئلا، يقولوا: هذا خلاف ما نعرفه في بعض العهود. قال جابر: كنت مع علي رضي الله عنه حتى أتبعه رسول الله ﷺ‎ أبا بكر، فلمّا كنا [بالعرج ثوب] بصلاة الصبح، فلمّا استوى أبو بكر ليكبّر سمع الرغاء فوقف وقال: هذه رغاء ناقة رسول الله ﷺ‎ الجدعاء، لقد بدا لرسول الله في الحج، فإذا عليها عليّ، فقال أبو بكر أمير أم مأمور؟ قال: بل ارسلني رسول الله ﷺ‎ ببراءة أقرأها على الناس، فكان أبو بكر أميرا على الحج وعليا ليؤذن ببراءة، فقدما مكة، فلمّا كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس وحدثهم عن مناسكهم وأقام للناس بالحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على مناسكهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأذّن في الناس بالحج بالذي أمره به، وقرأ عليهم سورة براءة [[سنن الدارمي: 2/ 67، سنن الترمذي: 4/ 339.]] . قال الشعبي: حدّثني محمد بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه النبي ﷺ‎ ينادي، وكان إذا [ضحل] [[الضحل: الماء القليل على وجه الأرض لا عمق له وفي بعض المصادر: اضمحل.]] صوته ناديت قلت: بأيّ شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع لا يطف بالكعبة عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فعهده إلى مدّته، ولا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك، قالوا: فقال المشركون: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب، وطفقوا يقولون: اللهم أنا قد منعنا أن نبرّك، فلمّا كان سنة عشر حج النبي ﷺ‎ حجة الوداع، ونقل إلى المدينة، فمكث بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وليالي من شهر ربيع الأول حتى لو لحق بالله عز وجل. وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ عطف على قوله بَراءَةٌ، ومعناه: إعلام، ومنه الأذان بالصلاة، يقال: أذنته فأذن أي أعلمته فعلم، وأصله من الأذن أي أوقعته في أذنه، وقال عطية العوفي [و ... ] [[كلام غير مقروء.]] [الأذان] وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ إلى قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً الآية، وذلك ثمان وعشرون آية. وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ اختلفوا فيه فقال أبو جحيفة وعطاء وطاوس ومجاهد: يوم عرفة، وهي رواية عمرو عن ابن عباس، يدل عليه حديث أبي الصّهباء البكري، قال: سألت علي بن أبي طالب عن يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فقال: إن رسول الله ﷺ‎ بعث أبا بكر بن أبي قحافة يعلم الناس الحج وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة، فخطب الناس يوم عرفة فلمّا قضى خطبته التفت اليّ وقال: هلمّ يا علي فأدّ رسالة رسول الله، فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى أتينا منى، فرميت الجمرة ونحرت البدنة وحلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضروا كلهم خطبة أبي بكر رضي الله عنه يوم عرفة فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرأها عليهم، فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر ألا وهو يوم عرفة [[البداية والنهاية لابن كثير: 5/ 47.]] . وروى شهاب بن عباد القصري عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: هذا يوم عرفة يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فلا يصومنّه أحد. قال: فحججت بعد أبي فأتيت المدينة فسألت عن أفضل أهلها فقالوا: سعيد بن المسيب، فأتيته فقلت: أخبرني عن صوم يوم عرفة فقال: أخبرك عمّن هو أفضل مني مائة ضعف عن عمر وابن عمر، كان ينهى عن صومه ويقول هو يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. وقال معقل بن داود: سمعت ابن الزبير يقول يوم عرفة: هذا يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فلا يصمه أحد، وقال غالب بن عبيد الله: سألت عطاء عن يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فقال: يوم عرفة فاقض منها قبل طلوع الفجر. وقال قيس بن مخرمة: خطب رسول الله ﷺ‎ عشية عرفة ثم قال: أما بعد- وكان لا يخطب إلّا قال أما بعد- فإنّ هذا يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ [[تفسير الطبري: 10/ 89.]] ، وقال نافع بن جبير، وقيس بن عباد، وعبد الله ابن شراد، والشعبي والنخعي والسدي، وابن زيد هو يوم النحر وهو إحدى الروايتين عن علي رضي الله عنه. قال يحيى بن الجواد: خرج علي رضي الله عنه يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبّانة فجاءه رجل فأخذ بلجام دابته وسأله عن الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فقال: هو يومك هذا فخلّ سبيلها. وقال عياش العامري: سئل عبد الله بن أبي أوفى عن يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فقال: سبحان الله هو يوم النحر يوم يهراق فيه الدماء ويحلق فيه الشعر ويحل فيه الحرام. وروى الأعمش عن عبد الله بن سنان. قال خطبنا المغيرة بن شعبة على ناقة له يوم الأضحى فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. وروى شعبة بن أبي بشر، قال: اختصم علي بن عبد الله بن عباس ورجل من آل شيبة في يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فقال علي: هو يوم النحر، وقال الذي من آل شيبة: هو يوم عرفة فأرسلوا إلى سعيد بن جبير فسألوه فقال: هذا يوم النحر إلا ترى أنه من فاته يوم عرفة لم يفته الحج، وإذا فاته يوم النحر فقد فاته الحج، يدل عليه ما روى الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في نفر بعثهم يوم النحر يؤذّنون بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فأردف رسول الله ﷺ‎ عليا يأمره أن يؤذّن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذّن معنا علي كرم الله وجهه أهل منى يوم النحر ببراءة. صالح عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أبا بكر بعث في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ‎ قبل حجة الوداع في رهط يؤذّنون في الناس: لا يحجّنّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فكان حميد يقول: يوم النحر يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ من أصل حديث أبي هريرة. ابن عيينة عن ابن جريج عن مجاهد قال: يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ حين الحج أيام منى كلها ومجامع المشركين بعكاظ وذي المجارة ومخشة، ويوم نادى فيه علي بما نادى ، وكان سفيان الثوري يقول: يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أيامه كلّها مثل يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث [[يوم بعاث: حرب كانت بين الأوس والخزرج.]] والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب كانت أياما كثيرة. واختلفوا أيضا في السبب الذي لأجله قيل: هذا اليوم يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. فقال الحسن: يسمّى الحج الأكبر من أجل أنه اجتمع فيها حج المسلمين والمشركين، وقال عبد الله بن الحرث ابن نوفل: يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ كان لحجة الوداع، اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين، ولم يجتمع قبله ولا بعده. وروى منصور وحماد عن مجاهد قال: يقال الحج الأكبر القرآن، والحج الأصغر أفراد الحج، وقال الزهري والشعبي وعطاء: الحج الأكبر: الحج، والحج الأصغر: العمرة، وقيل لها [..........] [[كلام مطموس في الأصل.]] عملها [..........] [[كلام مطموس في الأصل.]] من الحج. قوله عز وجل: أَنَّ اللَّهَ قرأ عيسى إِنَّ اللَّهَ بالكسر على الابتداء لأن الأذان قول بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره مضمر تقديره: ورسوله أيضا بريء، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب (وَرَسُولَهُ) بالنصب عطفا على اسم الله، ولم يقل بريئان لأنه يرجع إلى كل واحد منهما كقول الشاعر: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فأني وقيار بها لغريب [[قيار: قيل اسم جمل وقيل اسم فرس، والبيت في لسان العرب: 5/ 125.]] وروي عن الحسن وَرَسُولِهِ بالخفض على القسم، وبلغني أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ هذه القراءة. فقال: إن كان أمرا من رسوله فإني بريء منه أيضا، فأخذ الرجل [بتلنته] وجرّه إلى عمر ابن الخطاب، فقص الأعرابي قصته وقوله أيضا، فعند ذلك أمر عمر بتعليم العربية. فَإِنْ تُبْتُمْ رجعتم من كفركم وأخلصتم بالتوحيد فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن الإيمان [إلى الإصرار] على الكفر فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ وأخبر الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ثم قال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ. وهو استثناء من قوله: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى الناس إلا من الذين عاهدتم مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من عهدكم الذي عاهدتموهم عليه وَلَمْ يُظاهِرُوا يعاونوا عَلَيْكُمْ أَحَداً من عدوكم بأنفسهم ولا بسلاح ولا بخيل ولا برجال ولا مال. وقرأ عطاء بن يسار ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوكُمْ بالضاد المعجمة من نقض العهد، وقرأ العامة بالصاد. قوله فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ فأوفوا بعهدهم إِلى مُدَّتِهِمْ أجلهم الذي عاهدتموهم عليه ف إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وهم بنو ضمرة وكنانة وكان بقي لهم من مدتهم تسعة أشهر فأمر بإتمامها لهم فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ انتهى ومضى وقتها، يقال: منه سلخت أشهر كذا نسلخه سلخا وسلوخا بمعنى خرجنا. قال الشاعر: إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي [[لسان العرب: 3/ 25.]] وفيه قيل: شاة مسلوخة المنزوعة من جلدها، وحية سالخ إذا أخرجت من جلدها الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وهي أربعة، ثلاثة فرد، وواحد زوجي وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب. وقال مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمر بن شعيب: هي شهور العهد، وقيل لها الحرم لأن الله حرّم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم إلا سبيل الخير فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في الحلّ والحرم، وجدتموهم فأسروهم وَاحْصُرُوهُمْ وامنعوهم دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ أي على كل طريق ومرقب، يقال: رصدت فلانا أرصده رصدا إذا رقبته. قال عامر بن الطفيل. ولقد علمت وما إخالك ناسيا ... أن في المنيّة للفتى بالمرصد [[انظر: تفسير القرطبي: 8/ 73.]] فَإِنْ تابُوا من الشرك وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ يقول: دعوهم في أمصارهم، ودعوهم يدخلوا مكة إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [........] [[كلام غير مقروء.]] في حكم هذه الآية. قال الحسين بن الفضل: فنسخت هذه الآية كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء، وقال الضحاك والسدّي وعطاء: قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) منسوخة بقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [[سورة محمّد: 4.]] وقال قتادة: بل هي ناسخة لقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً. والصحيح أنّ حكم هذه الآية ثابت، وأنها غير منسوخة إحداهما بصاحبتها لأنّ المنّ، والقتل، والفداء لم يزل من حكم رسول الله ﷺ‎ فهم من أول حاربهم وهو يوم بدر، ويدلّ عليه قوله تعالى: وَخُذُوهُمْ والأخذ هو الأسر، والأسر إنّما يكون للقتل أو الفداء، والدليل عليه أيضا قول عطاء قال: أتى النبي ﷺ‎ بأسير يقال له أبو أمامة وهو سيد اليمامة، فقال له النبي ﷺ‎: «يا أبا أمامة أيّها أحب إليك: أعتقك أو أفاديك أو أقتلك أو تسلم؟» [3] . فقال: أن تعتق تعتق عظيما، وأن تفاد عظيما، وإن تقتل تقتل عظيما، وأما أن أسلم فلا والله لا أسلم أبدا. قال فأني أعتقتك. فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسوله. وكانت مادّة ميرة مكة من قبل اليمامة فقال لأهل مكة: والذي لا إله إلا هو لا تأتيكم ميرة أبدا، ولا حبّة من قبل اليمامة حتى تؤمنوا بالله ورسوله فأضرّ إلى أهل مكة فكتبوا إلى النبي ﷺ‎ أيّهم له حزب يشكون ذلك إليه، فكتب إلى أبي أمامة: لا تقطع عنهم ميرة كانت من قبلك، ففعل ذلك أبو أمامة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب