الباحث القرآني

ثم قال: قُلْ يا محمد للمتخلّفين عن الهجرة والجهاد إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وقرأ أبو رجاء ويعقوب وعشيراتكم بالألف على الجمع واختلف فيه عن عاصم وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها اكتسبتموها وقال قتادة: اكتسبتموها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وهو ضد النفاق وأصله البقاء. قال الشاعر: كسدن من الفقر في قومهن ... وقد زادهن مقامي كسودا [[فتح القدير: 2/ 346.]] وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها [تعجبكم] قال السدي: يعني القصور والمنازل أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا فانتظروا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ قال عطاء: بقضائه، وقال مجاهد ومقاتل: يعني فتح مكة وَاللَّهُ لا يَهْدِي لا يرشد ولا يوفّق الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين من طاعته إلى معصيته. لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ أيّها المؤمنون فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ أي مشاهدوها أماكن حرب تستوطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم وَيَوْمَ حُنَيْنٍ يعني وفي يوم حنين وهو واد بين مكة والطائف. وقال عروة بن الزبير: هو واد إلى جنب ذي المجاز والحري، ولأنه اسم لمذكر فقد يترك إجزاؤه يراد به اسم البلدة التي هو بها، ومنه قول الشاعر: نصروا نبيهم وشدّوا أزره ... بحنين يوم تواكل الابطال [[معجم ما استعجم: 2/ 472، ونسبه لحسّان بن ثابت.]] وكانت قصة حنين على ما ذكره المفسّرون بروايات كثيرة لفّقتها ونسّقتها لتكون أقرب إلى الأفهام وأحسن [....] [[كلمة غير مقروءة في الأصل.]] أن رسول الله ﷺ‎ افتتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان ثم خرج متوجها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر الفا، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من الطائف. قال قتادة، وقال مقاتل: كانوا أحد عشر ألفا وخمسمائة، وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا [.......] [[كلمة غير مقروءة في الأصل.]] وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف، وعلى هوازن ملك بن عوف النضري، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، فلما التقى الجمعان قال رسول الله ﷺ‎: لن تغلب اليوم من قلّة، ويقال: بل قال ذلك رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة [وسمع] رسول الله ﷺ‎ كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل. قال: فاقتلوا قتالا شديدا. فانهزم المشركون وخلوا من الذراري، ثم نادوا: يا حماة السوء اذكروا الفضائح، فتراجعوا وانكشف المسلمون. وقال قتادة: وذكر لنا أن الطلقاء [انجفلوا] يومئذ بالناس وسأل رجل البراء بن عازب: أفررتم يوم حنين؟ فقال: كانت هوازن رماة وإنّا لمّا حملنا عليهم وانكشفوا وأقبلنا على الغنائم، فاستقبلوا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ‎، وقال الكلبي: كان حول رسول الله ﷺ‎ يومئذ ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس عنهم. وقال الآخرون: لم يبق يومئذ مع النبي ﷺ‎ غير العباس بن عبد المطلب وعلي وأيمن بن أم أيمن، وقتل يومئذ بين يدي رسول الله ﷺ‎، وطفق رسول الله يركض بغلته نحو الكفار لا يألوا، وكانت بغلة شهباء أهداها له فروة الجدامي. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا العمري، حدّثنا أحمد بن محمد، حدّثنا الحمامي، حدّثنا شريك عن أبي إسحاق، قيل للبراء: كان النبي ﷺ‎ فيمن ولى دبره يوم حنين قال: والذي لا إله إلّا هو ما ولّى رسول الله دبره قط، لقد رأيناه وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالركاب والعباس آخذ لجام الدابة، وهو يقول: أنا النبي لا كذب ... أنا بن عبد المطلب ، قالوا: قال رسول الله ﷺ‎ للعباس: ناد يا معشر المهاجرين ويا معشر الأنصار وكان العباس رجلا صوّيتا. ويروى من شدة صوت العباس أنه أغير يوما على مكة فنادى: وا صباحاه فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها. فجعل ينادي: يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، وعطف المسلمون حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك يا لبيك يا لبيك وجاءوا عنقا واحدا فالتفت رسول الله ﷺ‎ إلى عصابة من الأنصار فقال: هل معكم غيركم؟ فقالوا: يا نبي الله لو عمدت إلى برك العماد من ذي يمن لكنّا معك، ثم أقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون، وتنادى الأنصار: يا معشر الأنصار أم قصرت الدعوة على بني الحرث والخزرج، فتنادوا فنظر رسول الله ﷺ‎ وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس، فأخذ بيده كفّا من [الحبّ] [[في المصادر: تراب، وفي بعضها: حصيّات.]] فرماهم وقال: شاهت الوجوه، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة. قال: فوالله ما زال أمرهم مدبرا وجدّهم كليلا حتى هزمهم الله تعالى. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منا أحد يومئذ إلا وامتلأت عيناه من ذلك التراب، قال يزيد بن عامر وكان في المشركين يومئذ: فانصرفنا ما بقي منّا أحد، وكأن أعيننا عميت فأنجز الله وعده وأنزل نصره وجنده فقهر المشركين ونصر المسلمين ، وقال سعيد بن جبير: أمدّ الله [المسلمين] بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وقال الحسن: كانوا ثمانية آلاف من الملائكة. قال عطاء: كانوا ستة عشر ألفا، وقال سعيد بن المسيب: حدّثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ‎ لم يقفوا لنا حلب شاة، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله ﷺ‎ فتلقّانا رجال بيض الوجوه، حسان الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانوا إياها، يعني الملائكة. وفي الخبر أن رجلا من بني نضر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، والرجال عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيها [..........] [[كلام غير مقروء في المخطوط.]] ، وما كان قتلنا إلا بأيديهم فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ‎ فقال: تلك الملائكة. قال الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان قال: استدبرت رسول الله ﷺ‎ يوم حنين وأنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، وكانا قتلا يوم أحد، فأطلع الله تعالى رسوله على ما في نفسي فالتفت إليّ وضرب في صدري وقال: أعيذك بالله يا شيبة، فارتعدت فرائصي فنظرت إليه وهو أحبّ إليّ من سمعي ومن بصري فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأن الله أطلعك على ما في نفسي. فلمّا هزم الله المشركين وولّوا مدبرين وانطلقوا حتى أتوا [أوطاس] وبها عيالهم وأموالهم فبعث رسول الله إلى هناك رجلا من الأشعريين يقال له: أبو عامر وأمّره على الناس، فسار إليهم فاقتتلوا بها، ثم إن الله تعالى هزمهم، وثبتوا قبال المشركين وهزم أميرهم مالك بن عوف النضري، فأتى الطائف فتحصّن بها وأخذ أهله وماله فيمن أخذ، وقتل أمير المسلمين ابن عامر، ثم إن رسول الله ﷺ‎ أتى الطائف من فوره ذلك فحاصرهم بقية ذلك الشهر، فلمّا دخل ذو القعدة وهو شهر حرام لا يحلّ فيه القتال انصرف عنهم فأتى الجعرانة فأحرم فيه بعمرة، فقسم بها النبي المال وغنائم حنين وأوطاس وتألّف أناسا، كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس فأعطاهم فجعل يعطي الرجل منهم الخمسين والمائة من الإبل، فقالت الأنصار: حنّ الرجل وآثر قومه يا للعجب إنّ أسيافنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ‎ وهو في قبة من أدم فجمعهم فقال لهم: يا معشر الأنصار ما هذا الذي بلغني عنكم. فقالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون، فقال: ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم أذلاء فأعزكم الله بي، وكنتم وكنتم، فقال سعيد بن عبد الله: أتأذن لي أتكلم، فقال: تكلم. قال: أما قولك: كنتم ضلالا فهداكم الله بي، فكنّا كذلك، وأما قولك: كنتم أذلّة فأعزّكم الله فقد علمت العرب أنه ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منّا. فقال عمر: يا سعيد أتدري من تكلّم؟ قال: يا عمر أكلّم رسول الله، فقال رسول الله ﷺ‎: «والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار واديا لسلكت واد الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم، ثم قال: يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاة وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم» [5] . فقالت الأنصار: رضينا بالله ورسوله، والله ما قلنا ذلك الا ضنّا بالله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ‎: إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم [[بطوله في تفسير الطبري: 10/ 130.]] . فلما قدم النبي ﷺ‎ المدينة قام خطيبا فقال: أما إنّ خطيب الأنصار قد قال: كنت طريدا فآويناك، وكنت خائفا فأمّنّاك، وكنت مخذولا فنصرناك، وكنت وكنت، فإنّه قد صدق، فبكت الأنصار، وقالت بل الله ورسوله أعظم علينا منّا. قال قتادة: وذكر لنا أن ظئر النبي ﷺ‎ التي أرضعته من بني سعد أتته يوم حنين وسألته سبايا يوم حنين، فقال رسول الله ﷺ‎: إني لا أملكهم إنّما لي نصيبي منهم، ولكن ائتني غدا فسليني والناس عندي، فإني إذا أعطيتك نصيبي أعطاك الناس، فجاءت في الغد فبسط لها ثوبه فقعدت عليه ثم سألته ذلك فأعطاها نصيبه، فلما رأى الناس منه أعطوها أنصباءهم [[تفسير الطبري: 10/ 130.]] . قال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، وكان رسول الله ﷺ‎ أمر مناديا ينادي يوم أوطاس: ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، ولا غير الحبالى حتى يستبرئن بحيضة. ثم [....] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] من هوازن أقبلوا مسلمين بعد ذلك فقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرّهم وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي ﷺ‎: إن عندي من ترون، وخير القول أصدقه، اختاروا إمّا ذراريكم ونساءكم، وإمّا أموالكم، فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، فقام النبي منتصبا فقال: إن هؤلاء قد جاءوني مسلمين [[في المصنّف لعبد الرزاق: 5/ 381: مستسلمين.]] ، وإنا خيّرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فأمّا ما أصاب بنو هاشم رددناه إليهم، فمن كان بيده منهم شيء وطابت نفسه أن يردّه عليهم فذلك، ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه، ومن لم يرد ففديته خمسون من الإبل. فلما رأى الناس أن رسول الله ﷺ‎ قد ردّ قالوا يا نبي الله رضينا وسلّمنا، فقال النبي: لا أدري لعلّ منكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إليه فرفعت إلينا العرفاء أن قد رضوا وسلّموا، وردوا جميعا غير رجل واحد وهو صفوان بن أميّة لأنه وقع على امرأت أصابها فحبلت منه [[تفسير الطبري: 10/ 131.]] . فأنزل الله لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ حتى قلتم: لن نغلب اليوم من قلّة فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ كثرتكم شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي برحبها وسعتها وهما المصدر ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ منهزمين ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بعد الهزيمة سَكِينَتَهُ يعني الأمنة والطمأنينة وهي فعيلة من السكون عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها يعني الملائكة وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقتل والأسر وسلب الأموال وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ فيهديه إلى الإسلام ولا يؤاخذه بما سلف وَاللَّهُ غَفُورٌ لعباده المؤمنين رَحِيمٌ بهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب