الباحث القرآني

قال قتادة نزلت في عايد بن عمرو وأصحابه، وقال الضحاك: في عبد الله بن زائد وهو ابن أم مكتوم وكان ضرير البصر فقال: يا نبي الله إني شيخ ضرير البصر خفيف الحال نحيف الجسم وليس لي فائدة هل لي رخصة في التخلف عن الجهاد؟ فسكت النبي ﷺ‎ فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ نزلت في البكائين وكانوا سبعة: معقل بن يسار وصخر بن خنساء [[راجع اسد الغابة: 3/ 13، فذكره باسم: صخر بن سليمان، وفي الإصابة: صخر بن أميّة بن خنساء.]] . وهو الذي واقع امرأته في رمضان فأخبره رسول الله ﷺ‎ أن يكفّر [[قال ابن حجر في الإصابة: (3/ 332 ترجمة: 4064) المشهور أنّ صاحب قصّة الوقاع سلمة بن صخر فلعلّه تحريف من الثعلبي.]] - وعبد الله بن كعب الأنصاري وعلبة بن زيد الأنصاري وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن معقل أتوا رسول الله ﷺ‎ فقال: يا نبي الله إن الله عزّ وجلّ قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزوا معك، فقال النبي ﷺ‎: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ فتولوا وهم يبكون [[أسباب النزول: 174.]] فذلك قوله تعالى: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ قال مجاهد: نزلت هذه الآية [في عبد الله وعبد الرحمن وعقيل والنعمان وسويد] [وسنان] [[عن هامش تفسير القرطبي، وفي أسباب النزول: في بني مقرن معقل وسويد والنعمان، والمخطوط مطموس.]] إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ الآية يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ أن نصدّقكم قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ فيما بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من المحسن والمسيء سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ انصرفتم إِلَيْهِمْ عندهم لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ [لتصفحوا عن جرمهم ولا] تردونهم ولا تؤنبونهم فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ودعوهم وما اختاروا لأنفسهم من الشأن والمعصية إِنَّهُمْ رِجْسٌ نجس، قال عطاء: أن عملهم نجس وَمَأْواهُمْ في الآخرة جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قال ابن عباس: نزلت في جدّ بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين رجلا من المنافقين فقال النبي ﷺ‎: «إذا قدموا المدينة لا تجالسوهم ولا تكلموهم» [47] [[انظر زاد المسير: 3/ 331.]] . وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي حلف النبي ﷺ‎ بالذي لا إله إلّا هو أن لا يرضى عنهم بعدها، وليكون معه على عدوه وطلب إلى النبي ﷺ‎ أن يرضى عنه فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ الْأَعْرابُ يعني أهل البدو أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً من أهل الحضر وَأَجْدَرُ أحرى وأولى أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قال قتادة: هم أقل علما بالسنن. وروى الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو مع أصحابه وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند فقال الأعرابي: والله ما أدري إن حديثك ليعجبني وإنّ يدك لترعبني فقال: أي يد من يدي [[في المصدر: ما يريبك من يدي.]] إنها الشمال، فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً الآية [[جامع البيان: 11/ 6.]] وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً قال عطاء: لا يرجو على إعطائه ثوابا ولا يخاف على إمساكه لها إنما ينفق خوفا رياء وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ يعني صروف الزمان التي تأتي مرّة بالخير ومرّة بالشرّ. قال: أن متى ينقلب الزمان عليكم فيموت الرسول ويظهر المشركون عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ قرأ ابن كثير وابن محصن ومجاهد وأبو عمرو بضم السين هاهنا وفي سورة الفتح، ومعناه الشر والضر والبلاء والمكروه، وقرأ الباقون على الفتح بالمصدر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم في هذه الآية مِنَ الْأَعْرابِ أسد وغطفان وتميم واعراب حاضري المدينة ثم استثنى فقال وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة وقال الضحاك: يعني عبد الله ذا النجادين ورهطه. وقال الكلبي أسلم وغفار بنو جهينة وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ جمع قرابة وَصَلَواتِ الرَّسُولِ يعني دعاءه واستغفاره أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا منازلهم وأوطانهم وَالْأَنْصارِ الذين نصروا رسول الله ﷺ‎ على أعدائه من أهل المدينة وأيّدوا أصحابه وقد كانوا آمنوا قبل أن يهاجروا إليهم بحولين وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ يعني الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة. وقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين بالوفاء والترحّم والدعاء ويذكرون مجاورتهم ويسألون الله أن يجمع بينهم. وروي أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قرأ: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان برفع الواو وحذف الواو من الذين، قال له أبيّ بن كعب: إنما هو وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ وإنه قد كرّرها مرارا ثلاثة، فقال له: إني والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ‎ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ، وإنك يومئذ شيخ تسكن ببقيع الغرقد، قال: حفظتم ونسينا وتفرغتم وشغلنا وشهدتم وغبنا ثم قال عمر لأبيّ: أفيهم الأنصار؟ قال: نعم ولم يستأمن الخطاب ومن ثمّ قال عمر: قد كنت أظن إنّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا فقال أبي: بلى، تصديق ذلك أول سورة الجمعة وأواسط سورة الحشر وآخر سورة الأنفال. قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ إلى آخره وقوله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ إلى آخر الآية، وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ، وقرأ الحسن وسلام ويعقوب: والأنصار رفعا عطفا على السابقين ولم يجعلوهم منهم وجعلوا السبق للمهاجرين خاصة والمقاسة على الخبر نسقا على المهاجرين. واختلف العلماء في السابقين الأولين من هم. فقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين: هم الذين صلّوا القبلتين جميعا. وقال عطاء بن أبي رباح: هم الذين شهدوا بدرا. وقال الشعبي: هم الذين شهدوا حجة الرضوان. واختلفوا أيضا في أول من آمن برسول الله ﷺ‎ بعد امرأته خديجة بنت خويلد مع اتفاقهم أنها أول من آمن بالنبي ﷺ‎ وصدّقته. فقال بعضهم: أول ذكر آمن برسول الله ﷺ‎ وصلّى معه على بن أبي طالب (رضي الله عنه) وهو قول ابن عباس وجابر وزيد بن أرقم ومحمد بن المنكدر وربيعة الرأي وأبي حازم المدني. وقال الكلبي: أسلم علي وهو ابن تسع سنين ، وقال مجاهد وابن إسحاق: أسلم وهو ابن عشر سنين. وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: كان نعمة الله على علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) وما صنع الله له وأراد به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله للعباس وكانا من أيسر بني هاشم: «يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفيهما عنه» . فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب [فقالا: إنا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب] : إن تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله ﷺ‎ عليا كرم الله وجهه فضمّه إليه وأخذ العباس جعفرا يضمّه إليه فلم يزل علي (رضي الله عنه) مع رسول الله ﷺ‎ حتى بعثه الله نبيّا فاتبعه علي (رضي الله عنه) . فآمن به وصدقه ولم يزل جعفر مع العباس رضي الله عنه حتى أسلم واستغنى عنه [48] [[تاريخ الطبري: 2/ 58 والمستدرك: 3/ 576 وما بين المعقوفتين أثبتناه من المصادر.]] . وروى إسماعيل بن أياس بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف قال: كنت امرأ تاجرا فقدمت مكة أيام الحج فنزلت على العباس بن عبد المطلب وكان العباس لي صديقا وكان يختلف إلى اليمن يشتري القطن فيبيعه أيام الموسم، فبينما أنا والعباس بمنى إذ جاء رجل شاب حين حلقت الشمس في السماء فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فلبث مستقبلها، حتى جاء غلام فقام عن يمينه فلم يلبث أن جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب وركع الغلام والمرأة فخرّ الشاب ساجدا فسجدا معه فرفع الغلام والمرأة فقلت: يا عباس أمر عظيم! فقال: أمر عظيم. فقلت: ويحك ما هذا؟ فقال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يزعم أن الله تعالى بعثه رسولا وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذا الغلام ابن أخي علي بن أبي طالب، وهذه المرأة خديجة بنت خويلد زوجة محمد قد تابعاه على دينه، ما على ظهر الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء [[تاريخ دمشق: 8/ 314 ط. دار الفكر.]] . قال عبد الله الكندي بعد ما رسخ الإسلام في قلبه: ليتني كنت رابعا. فيروي أن أبا طالب قال لعلي (رضي الله عنه) : أي بني ما هذا الذي أنت عليه قال: آمنت بالله ورسوله وصدقته فيما جاء وصليت معه لله. فقال له: أما أن محمدا لا يدعو إلّا إلى خير فالزمه [[تاريخ الطبري: 2/ 58، وعيون الأثر لابن سيد الناس: 1/ 126، وذخائر العقبى: 60.]] . وروى عبد الله بن موسى عن العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عبّاد بن عبد الله قال: سمعت عليّا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلّا كذاب مفتر، صلّيت قبل الناس بسبع سنين [[سنن ابن ماجة: 1/ 44، ومستدرك الصحيحين: 3/ 112، والمصنف لابن أبي شيبة: 7/ 498.]] . وقال بعضهم: أول من أسلم بعد خديجة أبو بكر (رضي الله عنه) وهو قول إبراهيم النخعي وجماعة يدلّ عليه ما روى أبو أمامة الباهلي عن عمرو بن عنبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ‎ وهو نازل بعكاظ، قلت: يا رسول الله من تبعك في هذا الأمر؟ قال ﷺ‎: «اتبعني رجلان حر وعبد أبو بكر وبلال» [49] فأسلمت عند ذلك، فلقد رأيتني إذ ذلك ربع الإسلام. قال: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الله البدخشي يقول سمعت أبا هريرة مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي يقول: سمعت غياث بن معاذ يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: عن إسماعيل بن خالد عن الشفهي قال: قال رجل لابن عباس: من أول الناس إسلاما قال: أبو بكر (رضي الله عنه) أما سمعت قول حسان بن ثابت: إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أزكاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدّق الرسلا [[المصنف لابن أبي شيبة: 8/ 44، وتفسير القرطبي: 8/ 236، وتاريخ بغداد: 15/ 51.]] قال بعضهم: أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة، وهو قول الزهري وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس، وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي جمع بين الأخبار فيقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة. قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله. قال: وكان أبو بكر رجلا مؤالفا لقومه محبا سهلا وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان منها من خير أو شر، وكان رجلا [ناجيا] ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يهابونه ويأتونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه- فيما بلغني- عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبد الله، فجاء بهم إلى رسول الله (رضي الله عنه) حين استجابوا له فأسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام من المهاجرين. فأما سبّاق الأنصار فأهل بيعة العقبة الأولى فكانوا سبعة، والثانية كانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد الدار فعلّمهم القرآن، فهو أول من جمع الصلاة بالمدينة وكانت الأنصار تحبه فأسلم معه سعد بن معاذ وعمرو بن الجموح وبنو عبد الأشهل كلهم وخلق من النساء والصبيان، وكان مصعب بن عمير صاحب راية رسول الله ﷺ‎ يوم بدر ويوم أحد وكان وقى رسول الله ﷺ‎ بنفسه يوم أحد حيث انهزم الناس، وبقي رسول الله ﷺ‎ حتى نفذت المشاقص في جوفه، فاستشهد يومئذ فقال رسول الله ﷺ‎: «عند الله أحتسبه ما رأيت قط أشرف منه لقد رأيته بمكة وإن عليه بردين ما يدري ما قيمتهما وإنّ شراك نعليه من ذهب، وإنّ عن يمينه غلامين وعن يساره غلامين بيد كل واحد منهما [جفنة] من [طعام] يأكل ويطعم الناس، فآثره الله بالشهادة» [50] [[انظر: تفسير القرطبي: 19/ 208.]] . وكان رسول الله ﷺ‎ إذا [أهديت إليه طرفة حناها] [[كذا في المخطوط.]] لمصعب بن عمير فأنزل الله تعالى فيه: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ [[سورة النازعات: 40.]] الآية ، وأخذ أخوه يوم بدر أسيرا فقال: أنا أبو غدير بن عمير أخو مصعب فلم يشدد من الوثاق مع الأسرى وقالوا: هذا الطريق فاذهب حيث شئت، فقال: إني أخاف أن تقتلني قريش فذهبوا به إلى [ ... ] [[كلام غير مقروء.]] فيمدّ يده بالخبز والتمر وكان يمدّ يده إلى التمر ويدع الخبز، والخبز عند أهل المدينة أعزّ من التمر، والتمر عند أهل مكة أعزّ من الخبز فلما أصبحوا حدّثوا مصعب بن عمير وقالوا له: أخوك عندنا وأخبروه بما فعلوا به. فقال: ما هو لي بأخ ولا كرامة، فشدّوا وثاقه فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليّا فأرسلت أمه في طلبه ثمّ أقبل يوم أحد فلما رأى أخاه مصعب بن عمير. قال في نفسه: والله لا يقتلك غيري فما زال حتى قتله وفيه أنزل الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغى. وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى [[سورة النازعات: 37.]] ثمّ جمعهم في الثواب فقال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ وقرأ أهل مكة [[نسبه في زاد المسير (3/ 334) لابن كثير.]] : من تحتها الأنهار [وكذا هو في مصاحفهم] خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. قال الحسن بن الفضل: والفرق بينهما أن قوله تجري من تحتها الأنهار معناه تجري من تحت الأشجار، وقوله: تجري من تحتها أي ينبع الماء من تحتها ثمّ تجري من تحت الأشجار. وروي في هذه الآية أن رسول الله ﷺ‎ قال لمعاذ بن جبل: «أين السابقون؟» [51] قال معاذ: قد مضى ناس فقال: السابقون المستهترون بذكر الله من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله تعالى وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ نزلت في مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار وكانت منازلهم حول المدينة وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فيه اختصار وإضمار تقديره ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، أي مرّنوا وتربّوا عليه يقال: تمرّد فلان على ربّه ومرد على معصيته أي مرن وثبت عليها واعتادها ومنه: تمريد ومارد وفي المثل: تمرّد مارد وعزّ الإباق، وقال ابن إسحاق: لجّوا فيه وأبوا غيره، وقال ابن زيد وابان بن تغلب: أقاموا عليه ولم يتوبوا كما تاب الآخرون، وأنشد الشاعر: مرد القوم على حيهم ... أهل بغي وضلال وأشر لا تَعْلَمُهُمْ أنت يا محمد نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ قال قتادة في هذه الآية: ما بال أقوام يتكلّفون على الناس يقولون فلان في الجنة وفلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري أخبرني أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه الأنبياء قبلك قال نبي الله نوح (عليه السلام) : وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [[سورة الشعراء: 112.]] وقال نبي الله شعيب (عليه السلام) : وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [[سورة هود: 86.]] وقال الله لنبيه عليه السلام: لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ واختلفوا في هذين العذابين وروي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: قام رسول الله ﷺ‎ خطيبا يوم الجمعة فقال: «أخرج يا فلان فإنك منافق. اخرج يا فلان فإنك منافق» [52] . فأخرج من المسجد ناسا وفضحهم فهذا العذاب الأول، والثاني عذاب القبر. وقال مجاهد: بالجوع وعذاب القبر، وعنه أيضا: بالجوع والقتل وعنه بالجوع مرّتين، وعنه: بالخوف والقتل. وقال قتادة: عذاب الدنيا وعذاب القبر، وفيه قصة الاثني عشر في حديث حذيفة. وقال ابن زيد: المرّة الأولى المصائب في الأموال والأولاد، والمرة الأخرى في جهنم. وقال ابن عباس: إن المرة الأولى إقامة الحدود عليهم والثاني عذاب القبر. قال الحسن: إحدى المرتين أخذ الزكاة من أموالهم والأخرى عذاب القبر، فيقول تفسيره في سورة النحل ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ. وقال ابن إسحاق: هو ما يدخل عليهم في الإسلام، ودخولهم من غير حسبة ثمّ عذابهم في القبور إذا صاروا إليها ثمّ العذاب العظيم في الآخرة والخلد فيه. وفي بعض التفاسير: الاولى ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم والأخرى عذاب القبر. وقيل: تفسيره في سورة النحل زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ. وقال مقاتل بن حيان: الأول بالسيف يوم بدر والثاني عند الموت. معمر عن الزهري عن الحسن قال: عذاب النبي وعذاب الله. يعني بعذاب النبي ﷺ‎ قوله تعالى: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [[سورة الأحزاب: 61.]] . قال عطاء: الأمراض في الدنيا والآخرة فإن من مرض من المؤمنين كفّر الله سيّئاته ومحض ذنوبه فأبدله لحما من لحمه ودما كثيرا من دمه وأعقبه ثوابا عظيما، ومن مرض من المنافقين زاده الله نفاقا وإثما وضعفا كما قال في هذه السورة: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ يريد أنهم يمرضون في كل عام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فيردّون إلى عذاب عظيم شديد فظيع. وقال الربيع: بلايا الدنيا وعذاب الآخرة ثم يردون الى عذاب عظيم عذاب جهنم. وقال إسماعيل بن زياد: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار، والثاني عند البعث يوكل بهم عتق من النار. وقال الضحاك: مرّة في القبر ومرّة في النار، وقيل: المرّة الأولى بإحراق مسجدهم مسجد ضرار والثانية بإحراقهم بنار جهنم، وقيل: مرّة بإنفاق أموالهم ومرّة بقتلهم بالسيف إن أظهروا ما في قلوبهم [[راجع زاد المسير: 3/ 335، وتفسير القرطبي: 8/ 241.]] . وَآخَرُونَ يعني ومن أهل المدينة آخرون أو من الأعراب وليس براجع إلى المنافقين اعْتَرَفُوا أقرّوا بك وبربّهم خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وهو إقرارهم وتوبتهم وَآخَرَ سَيِّئاً أي بعمل سيّئ وضع الواو وموضع الياء فكما يقال: استوى الماء والخبث أي بالخبث وخلطت الماء واللبن أي باللبن فالعمل السيء تخلفهم عن رسول الله ﷺ‎ وتركهم الجهاد عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وعسى ولعل من الله واجب وهما حرف ترجّ. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ نزلت هذه الآية في قوم كانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ‎ في غزوة تبوك ثم ندموا عليه وتذمموا، وقالوا: نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله ﷺ‎ في الجهاد! والله لنوثقنّ أنفسنا بالقيود في أيدينا حتى يكون رسول الله ﷺ‎ هو الذي يطلقنا أو يعذبنا، وبقوا أنفسهم بسواري المسجد فلما رجع رسول الله ﷺ‎ مرّ بهم فرآهم فقال: من هؤلاء؟ قالوا: تخلّفوا عنك فعاهدوا الله ألّا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وتعذرهم، فقال رسول الله ﷺ‎: «وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلّفوا عن الغزو مع المسلمين» فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت أرسل إليهم النبي ﷺ‎ فأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلّفتنا عنك فتصدّق بها عنا وطهّرنا واستغفر لنا. فقال رسول الله ﷺ‎: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» [53] فأنزل الله عزّ وجل: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً الآية [[أسباب نزول الآيات: 174.]] . واختلفوا في أعداد هؤلاء الناس وأسمائهم فروى علي بن ابي طلحة عن ابن عباس قال: كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة، وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم أبو [منية] : منهم هلال وأبو لبابة وكردم ومرداس وأبو قيس، وقال قتادة والضحاك: كانوا سبعة منهم جد بن قيس وأبو لبابة وجذام وأوس، كلّهم من الأنصار. وقال عطية عن ابن عباس: كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة، وقال آخرون: نزلت في أبي لبابة واختلفوا في ذنبه. فقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين قال لقريظة: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى رقبته، وقد مضت القصة في سورة الأنفال. فندم وتاب فأقرّ بذنبه فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. قال الزهري: نزلت في تخلّفه عن رسول الله ﷺ‎ في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية فقال: والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ. فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتّى خرّ مغشيا عليه فأنزل الله تعالى وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة فقال: والله لا أحل نفسي منها حتى يكون رسول الله ﷺ‎ هو الذي يحلّني، فجاء النبي ﷺ‎ فحلّه بيده، ثمّ قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أبرّ دار قومي التي أصبت بها الذنب وأن انخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال: «يجزيك يا أبا لبابة الثلث» [54] [[جامع البيان للطبري: 11/ 22.]] . قالوا جميعا: وأخذ رسول الله ﷺ‎ منهم ثلث أموالهم وترك الإثنين لأن الله عزّ وجلّ قال: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ ولم يقل: أموالهم، فذلك لم يأخذ كلها. وقال الحسن وقتادة: هؤلاء سوى الثلاثة الذين تخلّفوا تطهرهم بها من ذنوبهم والقراءة بالرفع حالا لا جوابا، أي خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً مطهرة ومزكّية كقول الحطيئة: متى تأته تعشو الى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقف وقرأ مسلمة بن محارب: تطهِّرْهم وتزكيهم بالجزم على الجواب، وقرأ الحسن: تُطْهِرُهُمْ خفيفة من أطهر تطهير وَتُزَكِّيهِمْ أي تطهرهم، وقيل: تصلحهم، وقيل: ترفعهم من منازل المنافقين الى منازل المخلصين، وقيل: هي أموالهم. وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي استغفر لهم وادع لهم، وقيل: هو قول الوالي إذا أخذ الصدقة: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، والصلاة في اللغة الدعاء ومنه قول النبي ﷺ‎: «إذا دعي أحدكم الى طعام فليجبه فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل» [55] [[مسند أحمد: 2/ 507.]] أي فليدع، وقال الأعشى: وقابلها الريح في دنّها ... وصلّي على دنّها وارتسم [[الصحاح للجوهري: 5/ 1933.]] أي دعا لها بالسلامة والبركة. وقال أيضا: تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا [[معاني للقرآن للنحاس: 1/ 84.]] إِنَّ صَلاتَكَ قرأ أهل الكوفة: صلاتك على الواحد [[في تفسير القرطبي: التوحيد.]] هاهنا وفي سورة هود [[قوله تعالى: (أَصَلاتُكَ).]] والمؤمنين بإضماره. أبو عبيد قال: لأن الصلاة هي من الصلوات، وروى ذلك عن ابن عباس، ألا تسمع الله يقول: أَقِيمُوا الصَّلاةَ فهذه صلاة الأبد، والصلوات للجمع كقوله: صليت صلوات أربع وخمس صلوات، وقرأ الباقون كلها بالجمع واختاره أبو حاتم، قال: ومن زعم أنّ الصلوات من الصلاة لأن الجمع بالتاء قليل فقد غلط، لأن الله تعالى قال: ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [[سورة لقمان/ 27.]] وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها [[سورة التحريم/ 12.]] لم يرد القليل. سَكَنٌ لَهُمْ قال ابن عباس: رحمة لهم، وقال قتادة: وقار لهم، وقال الكلبي: طمأنينة لهم إن الله قد قبل منهم [[في زاد المسير: 3/ 337 نسبه لأبي صالح عن ابن عباس.]] ، وقال معاذ: تزكية لهم منك، أبو عبيدة: تثبيت. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ شعبة عن عمرو بن مرّة عن عبد الله بن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة: أنّ النبي ﷺ‎ إذا أتاه قوم بصدقاتهم قال: «اللهم صلّ عليهم» ، فأتيته بصدقتي فقال: «اللهم صلّ على أبي أوفى» قال ابن عباس: ليس هذا صدقة الفرض، إنما هو كصدقة كفارة اليمين، وقال عكرمة: هو صدقة الفرض. فلما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يذنبوا متخلّفين: هؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم؟ فقال الله عزّ وجلّ: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ الآية ومعنى أخذ الصدقات. قبولها. الشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم ﷺ‎ قال: «والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب قوته ولا يقبل الله [عمله] ولا يصعد الى السماء إلّا طيّب إلّا كان إنما يضعها في يدي الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى أن [اللقمة] لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم» [56] . ثم قرأ: أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ، وتصديق ذلك في كتاب الله المنزل يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ إلى قوله بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقال مجاهد: هذا وعيد لهم، وفي الخبر: لو أتى عبد الله في صخرة لا باب لها ولا كوّة لخرج عمله الى الناس كائنا ما كان [[مسند أحمد: 3/ 28.]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب