الباحث القرآني

مكية، وهي مائة واثنان وسبعون حرفا، وأربعون كلمة، وإحدى عشرة آية أخبرني محمد بن القاسم الفقيه قال: حدّثنا محمد بن يزيد المعدّل قال: حدّثنا أبو يحيى البزاز قال: حدّثنا محمد بن منصور قال: حدّثنا محمد بن عمران بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدّثنا أبي، عن مخالد بن عبد الواحد، عن الحجاج بن عبد الله، عن أبي الخليل، عن علي ابن زيد، وعطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ سورة وَالضُّحى، كان فيمن يرضاه الله عزّ وجلّ لمحمد أن يشفع له، وعشر حسنات يكتبها الله له بعدد كل يتيم» [160] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالضُّحى قال المفسّرون: سألت اليهود رسول الله ﷺ‎ عن ذي القرنين وأصحاب الكهف وعن الروح، فقال: سأخبركم غدا ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي [[تفسير القرطبي: 10/ 385 و 20/ 93.]] . وقال زيد بن أسلم: كان سبب احتباس جبرائيل (عليه السلام) كون جرو في بيته، فلمّا نزل عليه جبرائيل عاتبه رسول الله ﷺ‎ على إبطائه، فقال: يا محمد أما علمت أنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة [[أسباب النزول: 127. وتفسير القرطبي: 20/ 93. والدر المنثور: 2/ 259.]] ؟ واختلفوا في مدة احتباس الوحي عنه، فقال ابن حريج: اثني عشر يوما، وقال ابن عباس: خمسة عشر يوما، وقيل: خمسة وعشرين يوما، وقال مقاتل: أربعين يوما. قالوا: فقال المشركون: إنّ محمدا ودّعه ربّه وقلاه، ولو كان أمره من الله لتتابع عليه كما كان يفعل بمن قبله من الأنبياء. وقال المسلمون: يا رسول الله أما ينزل عليك الوحي؟ فقال: «وكيف ينزل عليّ الوحي وأنتم لا تنقون براجمكم ولا تقلّمون أظفاركم [[المعجم الكبير للطبراني: 11/ 341 وفيه: ولا تنقون رواجبكم. وتفسير ابن كثير: 3/ 137.]] ، فأنزل الله سبحانه جبرائيل (عليه السلام) بهذه السورة فقال النبي ﷺ‎: «يا جبرائيل ما جئت حتى اشتقت إليك» [161] ، فقال جبرائيل (عليه السلام) : وأنا كنت إليك أشدّ شوقا ولكني عبد مأمور وما ننزل إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا الحسن بن علي بن عفان قال: حدّثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندب بن سفيان يقول: رمي النبي ﷺ‎ بحجر في إصبعه، فقال: «هل أنت إلّا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت» [162] فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم [الليل] ، فقالت له امرأة: يا محمد ما أرى شيطانك إلّا قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث ليال. وقيل: إنّ المرأة التي قالت ذلك أم جميل امرأة أبي لهب، فأنزل الله سبحانه وَالضُّحى. يعني النهار كلّه ، دليله قوله وَاللَّيْلِ إِذا سَجى فقابله بالليل، نظيره قوله أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى أي نهارا، وقال قتادة ومقاتل: يعني وقت الضحى، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس، واعتدال النهار من الحر والبرد في الشتاء والصيف، وقيل: هي الساعة التي كلّم الله فيها موسى، وقيل: هي الساعة التي ألقي السحرة فيها سجّدا، بيانه قوله سبحانه: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: بإضمار الربّ مجازه: وربّ الضحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى قال الحسن: أقبل بظلامه، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، الوالبي عنه: إذا ذهب الضحّاك: غطّى كلّ شيء، مجاهد وقتادة وابن زيد: سكن بالخلق واستقر ظلامه، يقال: ليل ساج، وبحر ساج إذا كان ساكنا، قال الراجز: يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج [[زاد المسير: 8/ 268. كتاب العين: 6/ 161. لسان العرب: 5/ 113.]] وقال أعشى بني ثعلبة: فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمّكم ... وبحرك ساج ما يواري الدّعا مصا [[لسان العرب: 7/ 36. تاج العروس: 10/ 170.]] ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى أي ما تركك منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبّك، وهذا جواب القسم. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ من الثواب، وقيل: من النصر والتمكن وكثرة المؤمنين فَتَرْضى. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا ابو عبد الله محمد بن عامر السمرقندي قال: حدّثنا عمر بن بحر قال: حدّثنا عبد بن حميد، عن قتيبة، عن سفيان، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبد الله، عن علي بن عبد الله بن عباس [عن أبيه] قال: قال رسول الله ﷺ‎ «رأيت ما هو مفتوح على أمتي من بعدي كفرا كفرا» [163] فسرّني ذلك، فنزلت وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى قال: أعطي في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له [[المعجم الكبير: 10/ 277. جامع البيان للطبري: 30/ 292.]] . وأخبرني عقيل أن أبا الفرج، أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثني عبّاد بن يعقوب قال: حدّثنا الحكم بن ظهر، عن السدي، عن ابن عباس: في قوله وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى قال: رضا محمد ان لا يدخل أحد من أهل بيته النار، وقيل: هي الشفاعة في جميع المؤمنين. أخبرنيه أبو عبد الله القنجوي قال: حدّثنا أبو علي المقري قال: حدّثنا محمد بن عمران بن أسد الموصلي قال: حدّثنا محمد بن أحمد المدادي قال: حدّثنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا حرب بن سريح البزاز قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن علي قال: حدّثني عمي محمد بن علي بن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ‎ «أشفع لأمتي حتى ينادي ربي عزّ وجلّ: رضيت يا محمد، فأقول: ربّ رضيت» ثم قال لي: إنّكم معشر أهل العراق تقولون: إن أرجى آية في القرآن يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ قلت: انا لنقول ذلك، قال: ولكنّا أهل البيت نقول: إنّ أرجى آية في كتاب الله تعالى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى وهي الشفاعة [164] [[شواهد التنزيل: 2/ 446.]] . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا أبو عامر بن سعدان قال: حدّثنا أحمد بن صالح المصري، قال: حدّثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدّثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ‎ تلا قول الله سبحانه في إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقول عيسى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فرفع يديه ثم قال: «اللهمّ أمّتي أمّتي» وبكى. فقال الله سبحانه: يا جبرائيل اذهب إلى محمد- وربّك أعلم- فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبرائيل، فسأله فأخبره رسول الله ﷺ‎ فقال الله سبحانه: يا جبرائيل اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك [[صحيح مسلم: 1/ 132. جامع البيان للطبري: 13/ 300.]] . ويروي أن النبي ﷺ‎ قال لمّا نزلت هذه الآية: «إذا لا أرضى وواحد من أمتي في النار» [165] [[تفسير القرطبي: 20/ 96.]] . وقال جعفر بن محمد: دخل رسول الله ﷺ‎ على فاطمة رضي الله عنها وعليها كساء من جلد الإبل، وهي تطحن بيدها، وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله ﷺ‎ لمّا أبصرها، فقال: «يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة، فقد أنزل الله عليّ: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [166] [[شواهد التنزيل: 2/ 445. فتح القدير: 5/ 460.]] . ثم أخبر الله سبحانه، عن حاله (عليه السلام) التي كان عليها قبل الوحي، وذكّره نعمه، فقال عزّ من قائل: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى. أنبأني عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري قال: حدّثنا محمد بن عيسى، قال: حدّثنا أبو عمر الحوصي، وأبو الربيع الزهراني، عن حمّاد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت: يا ربّ إنك آتيت سليمان بن داود ملكا عظيما، وآتيت فلانا كذا، وآتيت فلانا كذا، قال: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى أي رب، قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى أي رب» [167] [[أسباب نزول الآيات: 303. مستدرك الحاكم: 2/ 526.]] . ومعنى الآية: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً صغيرا فقيرا ضعيفا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالا، ولا مأوى، فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلا تنزله، وضمّك إلى عمّك أبي طالب حتى أحسن تربيتك، وكفاك المؤونة. سمعت الأستاذ أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصفهاني يقول: سمعت أبا القاسم الاسكندراني يقول: سمعت أبا جعفر الملطي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن موسى الرضا يقول: سمعت أبي يقول: سئل جعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي ﷺ‎ عن أبويه؟ فقال: لئلّا يكون عليه حق لمخلوق [[مسند زيد بن علي: 503. كشف الغمّة: 2/ 318.]] . وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري يحكي بإسناد له لا أحفظه، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه أنه قال في قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى: هو من أقوال العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل وقد جاء في الشعر: لا ولا درّة يتيمة بحر ... تتلالأ في جونة البياع فمجاز الآية: أَلَمْ يَجِدْكَ واحدا في شرفك، وفضلك، لا نظير لك، فآواك إليه. وقرأ أشهب العقيلي فأوى بالقصر: أي رحمك. تقول العرب: آويت لفلان أية ومأواة أي رحمته. وَوَجَدَكَ ضَالًّا عما أنت عليه اليوم، فهداك إلى الذي أنت عليه اليوم. قال السدي: كان على أمر قومه أربعين عاما، وقال الكلبي: وجدك في قوم ضلال فهداك إلى التوحيد، والنبوة، وقيل: فهداهم بك، وقال الحسن والضحّاك وشهر بن حوشب وابن كيسان: وَوَجَدَكَ ضَالًّا عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة غافلا عنها، فهداك إليها، نظيره ودليله قوله سبحانه وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ وقوله تعالى: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ، وقيل: ضَالًّا في شعاب مكّة، فهداك الى جدّك عبد المطلب، وردّك إليه. روى أبو الضحى، عن ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ‎ ضل، وهو صبي صغير في شعاب مكّة، فرآه أبو جهل، منصرفا من أغنامه، فردّه إلى جدّه عبد المطلب، فمنّ الله سبحانه عليه بذلك، حين ردّه إلى جدّه على يدي عدوّه. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبدوس قال: حدّثنا عثمان بن سعيد قال: حدّثنا عمرو بن عوف قال: أخبرنا خالد، عن داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن، عن بشر بن سعيد، عن أبيه قال: حججت في الجاهلية، فإذا أنا برجل يطوف بالبيت، وهو يرتجز، ويقول: يا ربّ ردّ راكبي محمدا ... ردّ إليّ واصطنع عندي يدا فقلت: من هذا؟ قيل: عبد المطلب بن هاشم، ذهبت أبل له فأرسل ابن ابنه في طلبها، ولم يرسله في حاجة قط إلّا جاء بها، وقد احتبس عليه، قال: فما برحت أن جاء النبي ﷺ‎ وجاء بالإبل، فقال: يا بنيّ لقد حزنت عليك حزنا لا يفارقني أبدا [[التاريخ الكبير للبخاري: 3/ 454. أسد الغابة: 2/ 305.]] . وفي حديث كعب الأحبار، في مولد رسول الله ﷺ‎ وبدء أمره أن حليمة لمّا قضت حق الرضاع، جاءت برسول الله ﷺ‎ لتردّه إلى عبد المطلب، قالت حليمة: فأقبلت أسير حتى أتيت الباب الأعظم من أبواب مكّة، فسمعت مناديا ينادي: هنيئا لك يا بطحاء مكة، اليوم يرد عليك النور والدين والبهاء والجمال، قالت: ثم وضعت رسول الله ﷺ‎ لأقضي حاجة وأصلح ثيابي، فسمعت هدّة شديدة، فالتفت فلم أره، فقلت: معاشر الناس أين الصبي؟ فقالوا: أي الصبيان؟ قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، الذي نضّر الله به وجهي، وأغنى عيلتي، ربّيته حتى إذا أدركت فيه سروري وأملي أتيت به لأردّه، وأخرج هذا من أمانتي، اختلس من بين يدي قبل أن يمس قدمه الأرض، واللات والعزى لئن لم أره لأرمينّ بنفسي من شاهق الجبل، فلأقطعنّ إربا إربا. قالوا: ما رأينا شيئا، فلمّا آيسوني وضعت يدي على أم رأسي، وقلت: وا محمداه وا ولداه، فأبكيت الجواري الأبكار لبكائي، وضجّ الناس معي بالبكاء حرقة لي، فإذا أنا بشيخ كالفاني يتوكأ على عصا، قال: ما لك أيتها السعدية؟ قلت: فقدت ابني محمدا، فقال: لا تبكي أنا أدلّك على من يعلم علمه، وإن شاء أن يردّه فعل، قلت: فدتك نفسي، ومن هو؟ قال: الصنم الأعظم هبل. قالت: فدخل وأنا أنظر، فطاف بهبل وقبّل رأسه وناداه: يا سيداه، لم تزل منتك على قريش قديمة، وهذه السعدية تزعم أن ابنا لها قد ضلّ، فردّه إن شئت، وأخرج هذه الوحشة عن بطحاء مكة، فإنها تزعم أن ابنها محمدا قد ضلّ، قال: فانكب هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام، وقالت: إليك عنّا أيها الشيخ. إنما هلاكنا على يدي محمد. قالت: فأقبل الشيخ أسمع لأسنانه اصطكاكا، ولركبته ارتعادا، وقد ألقى عكازته من يده وهو يقول: يا حليمة إن لابنك ربا لا يضيّعه فاطلبيه على مهل، قالت: فخفت أن يبلغ الخبر عبد المطلب قبلي، فقصدته فلمّا نظر إليّ، قال: أسعد نزل بك أم نحوس؟، قلت: بل النحس الأكبر، ففهمها منّي، وقال: لعلّ ابنك ضلّ منك، قالت: قلت: نعم فظنّ أن بعض قريش قد اغتاله، فسلّ عبد المطلب سيفه لا يثبت له أحد من شدة غضبه، ونادى بأعلى صوته: يا آل غالب، يا آل غالب، وكانت دعوتهم في الجاهلية فأجابته قريش بأجمعها، وقالوا: ما قصتك؟، قال: فقد ابني محمد، قالت قريش: اركب نركب معك، فإن تسنّمت جبلا تسنماه معك، وان خضت بحرا خضناه معك، فركب وركبت قريش معه فأخذ على أعلى مكة وانحدر على أسفلها، فلمّا أن لم ير شيئا ترك الناس واتشح وارتدى بآخر، وأقبل الى البيت الحرام، فطاف اسبوعا ثم أنشأ يقول: يا ربّ ردّ راكبي محمدا ... ردّه ربي واتخذ عندي يدا يا ربّ إن محمد لم يوجدا ... مجمع قومي كلّهم مبدّدا فسمعنا مناديا ينادي من الهواء: معاشر الناس لا تضجوا، فان لمحمد ربّا لا يخذله ولا يضيّعه، قال عبد المطلب: يا أيها الهاتف ومن لنا به وأين هو؟، قال بوادي تهامة عند شجرة اليمن. فأقبل عبد المطلب راكبا متسلحا، فلمّا صار في بعض الطرق تلقّاه ورقة بن نوفل فصارا جميعا يسيران، فبينما هم كذلك إذ النبي ﷺ‎ قائم تحت شجرة يجذب الأغصان ويعبث بالورق، قال له عبد المطلب: من أنت يا غلام؟ قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال عبد المطلب: فدتك نفسي وأنا جدّك، ثم حمله على قربوس سرجه وردّه إلى مكة واطمأنت قريش بعد ذلك [[تاريخ مدينة دمشق: 3/ 478.]] . وقال سعيد بن المسيب: خرج رسول الله ﷺ‎ مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة، فبينما هو راكب ذات ليلة ظلماء على ناقة إذ جاء إبليس، وأخذ بزمام الناقة فعدل به عن الطريق، فجاء جبرائيل فنفخ إبليس نفخة وقع منها الى الحبشة وردّه الى القافلة، فمنّ الله عليه بذلك. وقيل: وَجَدَكَ ضَالًّا ليلة المعراج حين انصرف عنك جبرائيل لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثني ابن حبيش قال: قال بعض أهل الكلام في قوله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى: إن العرب إذا وجدت شجرة في فلاة من الأرض وحيدة ليس معها ثانية يسمونها: ضالة، فيهتدون بها إلى الطريق. قال: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى أي وحيدا ليس معك نبي غيرك فهديت بك الخلق إليّ، وقال عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن علي الترمذي: ووجدك خاملا لا تذكر ولا تعرف من أنت، فهداهم إليك حتى عرفوك، وأعلمهم بما منّ به عليك. قال بسام بن عبد الله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا نفسك لا تدري من أنت فعرّفك نفسك وحالك، وقال أبو بكر الورّاق وغيره: وَوَجَدَكَ ضَالًّا بحب أبي طالب فهداك إلى حبّه، وغيره: وجدك محبّا فهداك إلى محبوبك، دليله قوله سبحانه، إخبارا عن إخوة يوسف إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [[سورة يوسف: 8.]] وقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [[سورة يوسف: 95.]] اي فرط الحب ليوسف. وقيل: وجدناك ناسيا شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، دليله قوله أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [[سورة البقرة: 282.]] أي تنسى، وقال سهل: وجد نفسك نفس الشهوة والطبع، فغيّره إلى سبيل المعرفة والشرع، قال جنيد: وجدك متحيرا في بيان الكتاب المنزل عليك فهداك لبيانه، لقوله وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ [[سورة النحل: 44.]] وقوله لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ [[سورة النحل: 64.]] . قال بندار بن الحسين: ليس قائما مقام الاستدلال فتعرفت إليك، وأغنيتك بالمعرفة عن الشواهد والأدلة، وقيل: وجدك طالبا لقبلتك ضالا عنها فهداك إليها. وَوَجَدَكَ عائِلًا فقيرا عديما فأغناك بمال خديجة، ثم بالغنائم، وقال مقاتل: فرضاك بما أعطاك من الرزق، وقرأ ابن السميقع: وجدك عيّلا بتشديد الياء من غير ألف على وزن فيعل، كقولك: طاب يطيب فهو طيّب. وعن ابن عطاء: وجدك فقير النفس، وقيل: فقيرا إليه فأغناك به، وقيل: غنيا بالمعرفة فقيرا عن أحكامها، فأغناك بأحكام المعرفة حتى تم لك الغنى. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش، عن بعضهم أنه قال: وَجَدَكَ عائِلًا تعول الخلق بالعلم فأغناك بالقرآن والعلم والحكمة، وقال الأخفش: وجدك ذا عيال. دليله قوله ﷺ‎: وابدأ بمن تعول. عن ابن عطاء: لم يكن معك كتاب ولا شريعة فأغناك بهما، وقيل: وَجَدَكَ عائِلًا عن الصحابة محتاجا إليهم، فأكثرنا لك الاخوان والأعوان، وحذف الكاف من قوله فَآوى وأختيها لمشاكلة رؤوس الآي، ولأن المعنى معروف.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب